قد يكون حجم الوثائق الهائلة التي كشفها موقع ويكيليكس مفاجئا لكثير من الأوساط القانونية والدولية وكذلك المنظمات المهتمة بحقوق الإنسان ،
إلا أن جهة واحدة لم تفاجئ بهذه الوثائق ، تلك هي الشعب العراقي الذي يدرك كونه الضحية المباشرة لهذه الجرائم ، إن ما سرب لغاية الآن منها وما كشف عنه النقاب في أكبر عملية تسريب لأسرار عسكرية في تاريخ الجيش الأمريكي لا يمثل سوى قمة جبل الجليد الظاهر ولا يتعدى عشرة في المائة من حجم المجازر الفعلية التي ارتكبت بحق الأبرياء ، لقد دشنت الولايات المتحدة الأمريكية تاريخها العسكري في مطلع القرن الحادي والعشرين بجرائم يندى لها جبين الإنسانية بحق العراقيين الأبرياء ، وتسترت على جرائم مستوفية لشروط الإبادة ضد الإنسانية وبما يكفي لتشكيل أربعين محكمة جنائية دولية للتحقيق بحجم وتنوع هذه الجرائم والمسؤولين عنها .
وعوضا عن الاعتذار من الشعب العراقي عن هذه الجرائم وإحالة مرتكبيها إلى القضاء ، فإن وزيرة الخارجية الأمريكية الحالية هيلاري كلنتون تعتبر إن الكشف عن هذه الجرائم قد يعرض حياة الجنود الأمريكيين إلى الخطر ولم تأتي على ذكر الضحايا أنفسهم ومعاناة عوائلهم ، هذا الموقف يذكر العراقيين بتصريح وزيرة الخارجية الأمريكية السابقة مادلين أولبرايت عام 1996 ,عندما سألت حول الثمن الذي يستحقه قتل نصف مليون طفل عراقي بسبب الحصار الاقتصادي على العراق ، فكانت إجابتها : نعم إن الثمن يستحق . عند هذه الحدود تسقط كافة دعاوي الغرب بريادة حقوق الإنسان وتسقط معها كافة أكاذيب الديمقراطية .
وبغض النظر عن توقيت ودوافع الكشف عن هذه الوثائق في سياق انتخابات الكونغرس الأمريكي واحتدام التنافس بين الديمقراطيين والجمهوريين على الفوز بالأغلبية فيه ، إلا إن أول الغيث قطرة ومن الواضح إن هذه الوثائق قد كسرت حاجز السرية الذي فرضه البنتاغون مرارا والذي يشكل احد أهم دعامات إستراتيجية إعماء الرأي العام الأمريكي عن جرائم الإدارات الأمريكية وعدوانيتها بحق الشعوب الآمنة ، وكان من الممكن إخفاء وطمس هذه الحقائق لثلاثين عاما قبل أن يتمكن الضحايا من التعرف على جلاديهم .
تشكل الوثائق والأرقام والصور سندا ماديا وأساسا قانونيا وداعما لكافة الأرقام التي سبق وأن قدرتها منظمات مستقلة عن حجم القتلى المدنيين العراقيين الذي تجاوز المليون سواء بيد قوات الاحتلال مباشرة أو من خلال جيوش المرتزقة الملحقة بها أو الميليشيات التي دربت لإثارة الفتنة الطائفية بقصد الحد من تصاعد وتنامي مقاومة الشعب العراقي ضد الاحتلال الأمريكي .
اليوم تتطلع عيون ملايين الضحايا من أبناء الشعب العراقي إلى المنظمات الحقوقية العربية والإسلامية لملاحقة مجرمي الحرب أينما كانوا وبمختلف جنسياتهم ومحاسبتهم على غرار أي محكمة عدل دولية, فطبيعة جرائم الإبادة الإنسانية كما هو معروف لا تسقط بالتقادم الزمني .
شلال الجرائم في العراق...د. خالد المعيني
