عادت موجة التضييق والمطاردة لطلاب العلوم الدينية في باكستان لتطل برأسها من جديد، وفيما يبدو أن الأزمة هذه المرة أشد من سابقاتها أعلنت المدارس الدينية - بمساندة الجماعات الإسلامية - عن رفضها لأية مهلة تفرضها الحكومة لخروج الطلاب الأجانب من البلاد، ولعل هذا ما دعا مشرف إلى التراجع عن المهلة التي حددها بنهاية العام 2005 لخروج الطلاب الأجانب في محاولة منه لعدم تصعيد الموقف إلى حد الصدام.
وذهب بعض المعارضين في وصفه لتلك الإجراءات إلى أنها تمثل عداوة فجة للإسلام والمسلمين ولباكستان الجمهورية الإسلامية نفسها، وأضاف آخرون أنّ مثل هذا القرار لم يعمل به حتى تحت القوانين الاستعمارية أيام الاحتلال البريطاني!.
وعلى الرغم من إنكار السفير الأمريكي في إسلام آباد أن أيادي أمريكية وراء الموقف الباكستاني من طلاب المدارس الدينية تعتقد واشنطن بأن مثل هذه المدارس تعد معامل إنتاج للعناصر الإسلامية التي تتصدى للسياسات الأمريكية الهوجاء في مختلف أنحاء العالم مما جعلها تتصدى دون هوادة لرواد هذه المدارس.
ولعل هذا لم يكن غائبا عن الباحثين، فمعهد "بروكينج" الأمريكي أصدر دراسة أعدها الدكتور "بي دبليو سنغر" عن المدارس الدينية الباكستانية أكد فيها على أن المنهج الدراسي المتبع في هذه المدارس وضعه الملا نظام الدين قبل نحو من 1000 عام، ومهمة هذه المدارس هي تخريج علماء الشريعة في حين يطلق مزاعمه بـ "أن هذه المدارس تبث الأحقاد والكراهية للغرب والأمريكيين، ومن هنا فإنها تشكل خطرا كبيرا على المصالح الأمريكية"، ويدفع بالإدارة الأمريكية إلى أن تكثف ضغوطها على باكستان مستغلة الأوضاع العالمية بغية تحجيم دور هذه المدارس أول الأمر ثم إغلاقها بشكل كامل!!.
كما ينصح الباحث الإدارة الأمريكية بأن تقوم بدعم الحكومة الباكستانية لكي يتسنى لها إجراء الإصلاحات في مناهج هذه المدارس الدينية كخطوة أولية نحو الإغلاق، مؤكدا أن هذا الأسلوب هو الأجدى نفعاً والأمضى أثراً في تحجيم الدور الذي تلعبه المدارس في المجتمع الباكستاني.
ومما يزيد من خطورة هذه الهجمة الشرسة أن الإدارة الأمريكية جعلت التصدي لهذا "الخطر الكبير" على رأس أولوياتها، فتلك المدارس تعلم الصغار كيف يجب أن يكون موقفهم من أمريكا، وكان طلاب هذه المدارس في طليعة مقاومي الاستعمار البريطاني، في حين يرى الباحث الأمريكي أنه من الصعوبة بمكان اقتلاع هذه المدارس من المجتمع الباكستاني؛ لأن ذلك سيثير حفيظة الشعب الباكستاني الذي يغار على الإسلام بشدة ولا يقبل المساومة عليه مما يفرض على الإدارة الأمريكية اتخاذ سبل متدرجة - كتلك التي تنتهجها هذه الأيام - للوصول إلى الهدف الرئيس وهو القضاء على التعليم الديني!!.
ولعل الذريعة التي استغلتها الولايات المتحدة وحلفاؤها للقضاء على هذا العنصر - الذي يرفض الرضوخ لسياسة القطب الأوحد - هي التفجيرات التي هزت العالم في 11/9 مما دعا هذا التحالف إلى رفع لواء الإرهاب ضد كل ما هو إسلامي، وتم وضع قائمة للمنظمات الخيرية الإسلامية أطلقت عليها واشنطن "قائمة الإرهاب"!!.
وتواصلت الضغوط سواء بشكل مباشر عن طريق القيود التي تضعها دول الغرب أم عن طريق الحكومات الموالية لها في البلاد الإسلامية مما صعد القيود على التعليم الديني، وأصبح طلاب الدين الوافدين إلى باكستان يمثلون نحو 10% بعدما كانت نسبتهم تصل إلى 50 % من طلاب هذه المدارس.
وقد ظهر دور هذه المدارس جلياً في تخريج جيل جاهد الكثير منهم بوجه الاحتلال الروسي لأفغانستان، كما توجه بعضهم للجهاد في كشمير، وامتد الجهاد إلى بقاع أخرى كالشيشان وبورما ومورو.
وقد لا تستطيع الحكومة الباكستانية التعامل مع ملف المدارس الدينية بحسم شديد، فقد يؤدي هذا الأمر إلى إشعال فتيل الحروب الداخلية في البلاد، وبالطبع تتولد فوضى يتعذر التغلب عليها أو معالجتها، وبالتالي لم يكن أمام الحكومة سوى أن تصدر قرارات رسمية حاسمة وصارمة لمسؤولي المدارس بضرورة تسجيلها لدى وزارة الداخلية بعدما كان تسجيلها منوطاً سابقاً بوزارة الشؤون الدينية.
ويتضمن التسجيل المعلومات الدقيقة عن مصادر التمويل حتى يتسنى ملاحقتهم في الوقت المناسب، وبذلك تكون الحكومة قد سدت على المدارس منابع تمويلها فتنهار بنفسها دون جهد كبير، كما سعت إلى إدخال بعض التعديلات الجذرية في مناهجها بحجة التطوير مع التأكيد على أصحاب المدارس بعدم تسجيل الأجانب إلا بعد أن تصدر تصريحات من كل من وزارتي الخارجية والداخلية الباكستانية.
وأمام كل هذه الخطط الحكومية - الأمريكية الأصل!! - تعهد "اتحاد تنظيم المدارس الدينية" في باكستان بمقاومة أي قرار حكومي بطرد الطلاب الأجانب من تلك المدارس على الرغم من أن نحو 700 طالب أجنبي من 1400 طالب على وجه الإجمال غادروا باكستان بعد الأمر الذي أصدرته الحكومة في آب/ أغسطس 2005.
وفي إطار تنفيذ هذه السياسات قامت سلطات بعض الأقاليم بإلغاء تأشيرات جميع الطلاب الذين ما زالوا يدرسون في المدارس الدينية تنفيذا لأوامر الحكومة المركزية في حين قال وزير الداخلية أفتاب أحمد خان إن 65 % من الطلاب الأجانب في المدارس الدينية غادروا بالفعل البلاد، وإن الحكومة لن تمدد المهلة التي حددتها لرحيل هؤلاء حتى نهاية العام 2005.
وقد شهد هذا التعليم الديني توسعا ملحوظا خلال العقدين الماضيين إذ تزايدت أعداد المدارس بشكل مطرد ووصل عددها إلى المليون!!، وقد سبق وجود المدارس الدينية نشأة الدولة الباكستانية ذاتها، وساهمت الحكومات بعد ذلك في دعم هذه المدارس التعليمية، وخصصت لكل مدرسة مبالغ مالية شهرية بنسبة تتلاءم مع عدد الطلاب الدارسين فيها.
وبالطبع فإن الحملة الباكستانية لم تستهدف المدارس الدينية فقط وإنما امتدت إلى اعتقال المئات من الإسلاميين، كما شنت حملات على بعض المساجد والمدارس، وقامت بفرض حظر على تحركات حوالي 3500 إمام، وشددت على اتباع القوانين المتعلقة بتسجيل المؤسسات الدينية.
ومن هنا وُضع إسلاميو باكستان في مواجهة مع الحكومة بقيادة الجنرال مشرف في معركة حاسمة وَضعت قواعدها الإدارة الأمريكية للقضاء على طلبة العلم الشرعي في إطار حربها المزعومة ضد الإرهاب!!.
الكاتب من القاهرة - مصر
الإسلام اليوم
5/1/2006
باكستان.. ومحنة طلاب المدارس الإسلامية!.. مصري يوسف
