هيئة علماء المسلمين في العراق

تعداد السكان في العراق - الخلفية والأغراض..كامل العبيدي
تعداد السكان في العراق - الخلفية والأغراض..كامل العبيدي تعداد السكان في العراق - الخلفية والأغراض..كامل العبيدي

تعداد السكان في العراق - الخلفية والأغراض..كامل العبيدي

لم تعد الحياة بسيطة كما كانت في سابق العصور وانما تعقدت بسبب التقدم العلمي والتقني وبسبب الزيادة الكبيرة لعدد السكان في العالم والصراع على الموارد التي تعتمد عليها الدول في ديمومة الحياة بمختلف مجالاتها، واذا كان التقدم العلمي والتقني يقدم الكثير من التسهيلات في مجال التخطيط والتنظيم والبحوث فإنه قد اضاف الكثير من المحفزات للدول والتكتلات السياسية والاقتصادية للتنافس من اجل المحافظة على مستوى مقبول من التنمية تضمن الحياة الكريمة لشعوبها وتمنع الانهيار المفاجئ بسبب التقلبات غير المتوقعة خاصة وان الازمات الاقتصادية لم تعد تصيب الدولة المعنية بالأزمة لوحدها وانما اخذت تعم الكثير من الدول بسبب تفاعل وتداخل العوامل وترابط مقومات الاقتصاد العالمي وعلى هذا الاساس يصبح التخطيط الستراتيجي للتنمية البشرية والمادية والقدرة على استشراف المستقبل امراً حيوياً لا يمكن إغفاله للدول التي تحترم نفسها وتحترم شعوبها، واذا ما علمنا ان قاعدة المعلومات الصحيحة والجاهزة دوماً تعتبر مفتاح النجاح في عملية التخطيط للمستقبل ندرك اهمية عمليات الاحصاء المتنوعة التي تجريها الدول والمؤسسات المعنية اضافة لعملية تحديث هذه المعلومات لكن الغريب ان كل شيء في العراق تحت الاحتلال قد جرى ويجري في تخبط مقصود وكأن هذا البلد لا يمتلك مقومات ولا وسائل التخطيط العلمية، ومع ان هذا يفترض ان لا يحصل في وضع يهيمن عليه الاحتلال الامريكي الذي يدعي التقدمية والعلمية وانه انما جاء ليضع العراق على طريق التقدم والرقي بفعل ما يمتلكه هذا الاحتلال من وسائل العلم والتكنولوجيا الحديثة والخبرات.
منذ اول يوم للاحتلال وحتى الساعة تعم الفوضى كل جوانب الحياة الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والثقافية في العراق ويشهد البلد تدهوراً خطيراً لم يسبق له مثيل في دول العالم رغم ما يحويه العراق من موارد لا تحصى ولا تعد تضعه في مصاف اغنى دول الارض، وعلى مدى سنوات الاحتلال التي اوشكت ان تكون ثمانية لم يشهد العراق تخطيطاً ولا احصاءً لاجل التخطيط لمستقبل هذا البلد، وفجأة وعلى حين غرة استيقظ النيام من حكام تحت الاحتلال ليقرروا اجراء تعداد للسكان، تعداد وليس احصاءً استيقضوا من سباتهم ليقرروا اجراء التعداد السكاني وسط اجواء من الخوف والرعب وتشريد السكان خارج وداخل العراق وفي ظل مئات الالوف من المعتقلين في السجون السرية والعلنية وفي ظل تهديد العصابات والمليشيات المسلحة بتهجير السكان من مناطقهم وجرائم القتل اليومية بالتفجيرات او بكواتم الصوت.
المعروف ان الدول تختلف فيما بينها على حدودها الخارجية وتعمل بكل الوسائل على ضمان سلامة حدودها لانها حق من حقوق الشعب، الا ان ما وصل اليه العراق اليوم في ظل هذه الحكومات الخائبة هو الاختلاف والتصارع على حدود داخلية صنعها الاحتلال وعمليته السياسية واحزابه المتصارعة على نهب ثروات البلد وعلى مناصب ومكاسب السلطة.
صراع داخلي خطير ومدمر برز من خلاله مصطلح المناطق المتنازع عليها او المختلف عليها في احسن الاحوال، وتحول البلد الى دويلات تسعى كل منها للتوسع على حساب الاخرى وبينما يجري التجاوز على حدود العراق البرية والبحرية من قبل دول الجوار وبخاصة ايران والكويت في سكوت غريب ومريب من قوات الاحتلال الامريكي، يشجع هذا الاحتلال على تكريس مفهوم.
المناطق المتنازع عليها داخلياً من خلال مقترحاته في كيفية حل هذا التنازع وربما تكرم هذا الاحتلال فوضع جزءً من قواته على خطوط التنازع ليؤكد خطوات تقسيم العراق تحت ذريعة منع الاحتكاك بين المكونات في هذه المناطق، وبالمناسبة فان مصطلح المكونات وكما ارأد الاحتلال الامريكي والتغلغل الايراني اصبح لا يعني المكونات السياسية وانما يعني المكونات وفق التقسيم الديني والقومي المذهبي والطائفي.
لقد ألغى الاحتلال والاحزاب التي يرعاها في العراق مصطلح الشعب العراقي واحل محله مصطلح المكونات وبالتأكيد فإن هذه الفكرة تروق للاحتلال الايراني فليس ثمة ما يفرح ملالي طهران اكثر من ان ينتهي العراق العظيم بلد الحضارات والتاريخ بلد الحضارة الاسلامية العربية ومنبع العلم والعلماء الى مناطق اقليات ومكونات يسهل ابتلاعها واخضاعها بعد ان كان حصناً حصيناً للامة العربية والاسلامية امام اطماع الفرس ومن شاكلهم.
ونعود الى تعداد السكان في العراق فنقول اذا كان المطلوب ايجاد قاعدة للمعلومات تستند اليها الدولة في التخطيط للتنمية البشرية وتنمية الموارد واستثمارها فنعم الامر ذاك، غير ان ذلك لا يجري عبر تعداد السكان وانما عبر الاحصاء والاحصاء يضمن تهيئة قاعدة للمعلومات تتضمن فقرات كثيرة تتعلق بمختلف جوانب الحياة، اما التعداد بصيغته المقترحة والذي يراد منه تكريس واقع ما يسمى بمكونات الشعب العراقي عرباً وكرداً او شيعة وسنة وغيرها من المذاهب والاديان والإثنيات فإن المقصود منه واضح  وهو ان يجري بناء الدولة ومؤسساتها وفق محاصصة دينية ومذهبية وعرقية تقسم الشعب وتدفع ما يسمى بالمكونات الى التمحور حول بؤرها وتتحول جهودها من العمل الوطني لبناء العراق كحالة وطنية عامة تحت هوية العراق الى  العمل على الاستحواذ على المكاسب للطائفة او القومية او المذهب او الدين تتحول الى صراعات داخلية لا يعلم مداها الا الله وخلال عملية الصراع وكما رُسم لها سيجري تنظيف المناطق السكانية من بعض المكونات التي تشكل اقلية تحت الضغط فتشكل تكتلاً في مناطق ملائمة لها فيتحول العراق الى كانتونات تتصارع على الارض والموارد والمثل  حاضر في ما يسمى بمنطقة كردستان العراق، ولقد كانت دعوى الفدرالية والاقاليم واحدة من اسس تكريس هذا الواقع. وحتى  اذا سلمنا بأن وراء هذا التعداد نوايا حسنة فان مراجعة للظرف الحالي الذي يمر به العراق تحت الاحتلال وفي خضم الصراع من اجل الاستحواذ على الارض الذي تمارسه الاحزاب الكردية ومليشياتها ومضايقتها للعرب والتركمان في نينوى وكركوك وصلاح الدين وديالى وفي ظل الارهاب والتهجير الذي مارسته المليشيات الطائفية في مناطق اخرى من العراق كالبصرة وبابل وواسط وبغداد وصولاً الى سامراء نتج عنه تغيير الكثير من الحقائق الديموغرافية اضافة الى عمليات التهجير خارج العراق، يضاف اليه عدم ثقة الشعب بمؤسسات الدولة خاصة القائمة على التعداد والقوى الامنية، كل ذلك يجعل التعداد ونتائجه  امراً لا يعتد به ولا يمكن الاعتماد عليه والطعن في نتائجه مؤكد ولا ننسى ان الاستفتاء على الدستور كان مزوراً والانتخابات شابها  الكثير من التزوير والتلاعب.
ان ما تبعته التكتلات السياسية الطائفية والعرقية الداعية للتعداد هو وضع اساس خطير لاهدافها السياسية فقادة الاحزاب الكردية يهدفون الى الاستحواذ على المزيد من المدن والاقضية وبخاصة كركوك بعد ان اخضعوا الكثير من المدن والاقضية والنواحي لسيطرتهم ويعملون حالياً بعد ان دفعوا لها موجات من اكراد ايران وتركيا وسوريا فزادوا نسبة الاكراد فيها يعملون على ارهاب العرب والتركمان واجبارهم على ترك مناطقهم كيما يضمنوا اغلبية فيها من خلال التعداد وهذا الامر لا يمكن ان يقبله العرب او التركمان او باقي الاقليات، اما الاحزاب الطائفية فتسعى دون شك الى اثبات الاغلبية لطائفة معينة في مدن وسط وجنوب العراق وهنا نتسائل اذا كانت الحكومة الحالية مقتنعة بضرورة اعادة الاكراد المدعى تهجيرهم ايام النظام السابق الى مناطقهم فلماذا لا تعمل الحكومة على اعادة الطوائف التي تم تهجيرها قسراً من مدن الجنوب وبغداد وبالذات مدينة البصرة الى مناطقهم قبل اجراء التعداد؟ الا تعلم الحكومة ان اكثر من نصف مليون عراقي قد تركوا البصرة تحت الضغط والتقتيل والتهديد.
كان الاجدر بحكومة تحت الاحتلال ان تجري مسحاً للتعرف على حجم التغيير الذي جرى في بغداد ومدن الجنوب والبصرة بشكل خاص لمعرفة حجم السيل الذي انحدر الى هذه المدن من مناطق اخرى ليغير ديموغرافيتها ام ان ما جرى كان مطلوباً. ثم ما هي المعالجات المطلوبة لخمس سكان العراق الموجودين في حارات وازقة دول العالم وكيف يجري تعدادهم وعلى اي المناطق تتم اضافتهم ام ان مثل هذا الظرف مفيد للاهداف السياسية الخبيثة لارباب العملية السياسية ان المطلوب من هذا التعداد طمس هوية العراق العربية والغاء هوية الشعب العراقي الوطينة.
ان على الشعب العراقي ان يرفض هذا التعداد وان لا يتعاون مع الجهات القائمة عليه وان يفشله كيما يجنب نفسه المخاطر والمشاكل التي ستنجم عنه.

أضف تعليق