دأب المحتل على تشكيل مسوداته الاحتلالية بما يتلاءم وخطوطه العريضة التي تحددها السياسات المؤسساتية أو ما يعرف بمراكز صنع القرار الأمريكي الذي يلزم إدارته على السير باتجاه تلك الخطوط لأنها تمثل إرادة هذه الإدارة الشريرة تجاه مناطق النفوذ التي تستهدفها،
فقد كانت ولا تزال هذه الإدارة رافعة لشعار تجزئة المجزأ وتقسيم المقسم وهذه المقولة تجد تفسيرها مبثوثا في ثنايا سياسات هذه الإدارة أينما وجدت.
فقد وصلوا الى العراق بأساليب وطرق متعددة ابتدأت بخدعة أنابيب الألمنيوم بقولهم أنها تمثل تهديدا للأمن القومي الأمريكي ثم ما لبثوا ان اوجدوا ذرائع للدخول منها - وهي الاغلب - مفتراة ومنها ما كان سببا في تسهيل دخولهم بإتباع سياسة الجهل والتجاهل والرد الأعمى وعدم إظهار الحقائق فكانت نتيجة ذلك الاحتلال.
المشروع الأمريكي قائم على أساس التشظية والتفرقة وابتعاث المغمورين والتافهين ليتسلموا سلطة ما كانوا ليحلموا بعشر معشارها في أحسن حالات انتشائهم.
وقد رسم بريمر العمود الفقري للسياسة التي تريدها أمريكا في العراق بتشكيلة ما يسمى مجلس الحكم برئاسته الشهرية كرمزية للمحاصصة الطائفية والعرقية، وقد شهد العالم كيف وقع المنخرطون بهذا المجلس بإغرائهم بالقلم الذي يوقعون فيه على قانون إدارة الدولة المؤسس لكل الخراب الذي جاء من بعده من دستور ملغم وحكومات تحاصصية تحت عناوين فضفاضة من حكومة وحدة وطنية وحكومة شراكة وطنية والحقيقة هي حكومات شراكة احتلالية .
ومع هذا لم يدر في خلد مهندس السياسة الأمريكية في المنطقة بل لم يخطر على بال مفكريها في مراكز دراساتهم بل لا ابالغ بالقول ان شيئا مما سأقول لم تكن خزانات تفكيرهم التي يعتمدون عليها قد حوتها، فاليوم تبدو معضلة الاحتلال وحتى القوة المتمددة الإقليمية التي كانت لوقت قريب تتباهى بامتلاكها خيوط اللعب المتعددة قادرين على تشكل المسودة الاحتلالية في صفحتها الخامسة وما ذاك إلا إن اللعب بالنار العراقية أصابتهم فلم يعودوا قادرين على التشكيل ولا حتى الانتهاء منها.
وفي طرف اخر من المشهد العراقي يزعم بعض المستكتبين من هنا أو هناك أن القوى الرافضة للاحتلال ما عاد لها صوت يقارع الأصوات والضجيج الاحتلالي والتمددي الإقليمي وهذا محض رؤية من زاوية ضيقة يسير أصحابها وفق أجندات مختلفة فهم إما مزهوون ببريق خادع لعملية مسخ لا تقوى على الاستمرار من دون التعكز على المحتل الذي يحاول لاهثا رمي أثقاله والتخفف منها فلم يعد قادرا على توفير الحماية لنفسه فضلا عن توفيرها لمن يستقوي به، وإما أن يكون هذا الطرح منطلقا من بساطة تفكير وضحالة تجربة فهو يريد من القوى الرافضة للاحتلال كما يريد الطفل والمرأة من الرجل بظنهما أن الرجل على كل شيء قدير. فالقوى الرافضة للاحتلال لم تكن بدعا عن حركات التحرر وتجارب المقاومة والتحرير في العالم فهي كيان تعتريه القوة والضعف في أوقات وليس حالها مستمرا على طول الخط بوتيرة واحدة .
ثم إذا نظرنا الى المشهد اليوم أليس هذا الإخفاق الذي يعاني منه الاحتلال نتيجة طيبة لمن ناهضه ثم أليس هذا التعثر في التشكيل الحكومي لمسودة الاحتلال يعود جزء منه ولو بقدر ما بسبب نتيجة الرفض المتواصل وعدم الاعتراف بما أنتجه الاحتلال منذ 2003 والى اليوم.
بقي أن نقول إن الاحتلال في مسودته الخامسة بدا عاجزا عن توليفة تضمن مصالحه وان القوة المتمددة الإقليمية فشلت كذلك في تسويق مخططاتها وأصبح أبناء العراق ينادون من يتكلم باسمها بوصفه المعروف بنسبته إليها.
ليس مطلوبا من القوى المناهضة للاحتلال عشوائية الفعل ولا جزافية القول، فهي ماضية إلى أهدافها بإذن الله بخطوات ثابتة كثباتها على ثوابتها.
الاحتلال و مسودته الخامسة ...كلمة البصائر
