هيئة علماء المسلمين في العراق

الإحصاء ومخاطر التقسيم في العراق... د . خالد المعيني
الإحصاء ومخاطر التقسيم في العراق... د . خالد المعيني الإحصاء ومخاطر التقسيم في العراق... د . خالد المعيني

الإحصاء ومخاطر التقسيم في العراق... د . خالد المعيني

يشكل الإحصاء السكاني العام في العصر الحديث خطوة متقدمة للدول على طريق التقدم والتنمية والازدهار ، ويمثل أساسا لابد منه في التخطيط الشامل والسليم ، والإحصاء كظاهرة حضارية تماما كالانتخابات تحتاج إلى مناخ مناسب وظروف ملائمة لكي تعطي ثمارها ، في مقدمتها الاستقرار وبسط الدولة لنفوذها وهيمنتها على كافة أراضي إقليمها ، أما في حالات الاضطراب الأمني والحروب وظروف الطوارئ والحروب فإن هذه الممارسات كثيرا ما تتحول إلى سلاح ذو حدين تثير الكثير من علامات الاستفهام  لأن نتائجها قد تنقلب من نعمة إلى نقمة.

    ففي ظل هيمنة الاحتلال الأجنبي في العراق وتحكم الميليشيات وانعدام الأمن وتفشي الفساد وسطوة أحزاب سلطة ذات نزعة انفصالية وطائفية  قد يتحول الإحصاء المزمع إجراءه في العراق منتصف ديسمبر كانون الأول القادم إلى كارثة حقيقية وبوابة لفرض أمر واقع  ديموغرافي شاذ ستفضي نتائجه حتما الى تفجير صراعات قادمة ليست على مستوى العراق بل المنطقة برمتها.
 
    ويعود الإصرار الشديد على إجراء هذا الإحصاء في ظل هذه الظروف والتوقيتات إلى رغبة جامحة لدى الأحزاب العنصرية الانفصالية في شمال العراق لتحقيق أقصى قدر من المكاسب في ظل تحالفها وتعاونها مع الاحتلال الأمريكي والاستقواء به على حساب وحدة العراق وهويته العربية ، فهذه الأحزاب تضع اليوم شرط إجراء الإحصاء بموعده كأساس للتحالف مع الأطراف العربية المتهالكة على السلطة في بغداد وبالتالي ترجيح كفة هذا الطرف على ذلك بطريقة أقل ما يمكن وصفها على إنها سوق للنخاسة أكثر منها عمل سياسي  يخضع لشروط وضوابط متعارف عليها في تشكيل الحكومات .

    من المتوقع أن يضفي هذا الإحصاء شرعية قانونية ودستورية على جرائم التطهير العرقي والعنصري وعمليات التغيير الديموغرافي التي تمت بصورة منهجية ومبرمجة تحت إشراف الموساد الإسرائيلي الذي يعتبر اليوم العقل المدبر والنموذج الذي يقتدى به من قبل الميليشيات الكردية في مخطط التقسيم الذي يجري بصورة تدريجية ومبرمجة على الأرض والمفارقة أن هذا المخطط يتم تحت غطاء الدستور الذي وضع أصلا وفق مقاس الأحزاب الكردية ،

فمصطلح "التطبيع " الوارد في المادة 140 من الدستور يعني في حقيقته " تكريد "  كركوك وهو كمصطلح ليس بعيدا عن استخدامات وأغراض مفهوم " التهويد" الذي جرى في فلسطين المحتلة .

    دشنت عصابات البيشمركة منذ عام 2003 عملياتها مع سبق الإصرار والترصد وبأساليب الترغيب بالمال والترهيب بمواجهة مصير القتل بعد الاحتلال مباشرة ، سواء من خلال القيام بتهجير العرب والتركمان أو إغراء أكثر من 860 ألف نازح من تركيا  وإيران  وسوريا  لتكريد  كركوك أو المناطق الأخرى التي يطلق عليها ما يسمى ( المتنازع عليها ) والتي تقتطع إضافة لمحافظة كركوك نفسها أجزاء أخرى كبيرة من محافظات الموصل وصلاح الدين وديالى والكوت ، حيث شهد السكان العرب في هذه المناطق وفي ظل الضعف العربي وتخلي وسكوت حكومات الاحتلال المتعاقبة والمتواطئة وخضوع معظم أقطابها لمنطق المساومة والابتزاز الذي تمارسه الأحزاب الانفصالية ، فتعرضت العوائل العربية في هذه المناطق التي تعيش دون حماية إلى أحدى أقسى عمليات التطهير العرقي والعنصري في تاريخ العراق منذ تأسيس الدولة العراقية .

    يأتي تمسك الأحزاب الكردية بالمادة 140 في الدستور العراقي والتي رحلت من قانون إدارة الدولة سيء الصيت الذي وضع مباشرة من قبل إدارة الاحتلال الأمريكي إلى الدستور الحالي ، بهدف تقنين هدف الانفصال وتقسيم العراق دستوريا ، ويأتي إصرار هذه الأحزاب على إن هذه المادة حية لا تموت رغم فقدانها الأساس القانوني بفعل انتهاء مدتها وصلاحيتها طبقا للدستور بتاريخ 31 كانون الأول 2007 ،  الى قناعة هذه الأحزاب بعدم جدوى كل ما تم تحقيقه من خطوات على طريق الانفصال سياسيا وعسكريا ودبلوماسيا ما لم تتم السيطرة على كركوك التي أطلق عليها جلال الطالباني رئيس ميليشيا الاتحاد الوطني الكردستاني بأنها ( قدس أقداس كردستان )  وضمها إلى إقليم كردستان وإنجاز أخطر مفصل على طريق الانفصال وهو مفصل الاستقلال الاقتصادي وهذا ما توفره كركوك الغنية بالنفط ، فالمادة 140 تتألف من ثلاث مراحل : الأولى (التطبيع) وقد أنجزت وتعني التكريد ، والخطوة الثانية (الإحصاء) وهو ما جعلته الأحزاب الكردية اليوم في مقدمة أولوياتها وشروطها لدعم مرشحي الحكومة المتعثرة ، وتبقى الخطوة الثالثة وهي (الاستفتاء) ، وستكون نتيجته حاصل تحصيل في ضم كركوك الى إقليم كردستان ، ففي المادة 119 من الدستور، لا تحتاج أي محافظة لأكثر من عشر الناخبين فيها ، أو ثلث أعضاء مجلس المحافظة لإعلان الاستفتاء وتقرير مصيرها, وهذا الشرط لن يتحقق إلا بإضفاء الشرعية من خلال الإحصاء على التغيير الديموغرافي وعمليات التطهير العنصري التي تمت طيلة سبع سنوات من عمر الاحتلال .

      أزاء هذه الجريمة المرتقبة التي ستقترفها الاحزاب الكردية والتي تمثل شوكة غدر جديدة في خاصرة الشعب العراقي تضاف الى سجل الخيانة الاسود للميليشيات الكردية في شمال العراق ، فإن هذه الجريمة عدا عن كونها مقامرة بحقوق شعبنا الكردي المشروعة ، فإنها جريمة مستوفية لشروط قانون العقوبات العراقي ساري المفعول المرقم 111 لسنة 1969 وتحديدا المواد ( 157 ، 158 ، 159 ، 160 ، 162 ، 164 )    التي تتعلق بالتواطؤ مع العدو الخارجي والاحتلال الاجنبي في حالة الحرب ، ( يعاقب بالاعدام كل من سهل للعدو دخول البلاد ... ).

    تبقى كلمة اخيرة حول السكوت المريب للجارة تركيا عما يجري في كركوك والتي كانت حتى وقت قريب تعتبر التغيير الديموغرافي أو ضمها خطا احمرا في أمنها القومي ، هذا السكوت ربما يفسر ما تواتر من أنباء عن صفقة عقدها مسعود البرزاني أثناء زيارته لتركيا مؤخرا والتي تعمد فيها عدم رفع العلم العراقي أثناء إجتماعه مع القادة الاتراك والتي وعدهم خلالها بتخصيص بئر من آبار نفط محافظة كركوك كتعويض عن حصة تركمان العراق ، وكذلك قيام البرزاني بتصفية ملف حزب العمال وقواعده في شمال العراق ، هذه البراغماتية والنفعية الضيقة التي تمارسها دول الاقليم على حساب مصالح ووحدة الشعب العراقي سوف لن تخفي حقيقة ساطعة كالشمس يعمل عليها المخططين الامريكيين والأسرائيليين فهم يدركون تماما بأن خط تقسيم وتفتيت وتفجير المنطقة إنما يبدأ من العراق ، وما الإحصاء القادم إلا خطوة على طريق هذا المخطط .

أضف تعليق