غالبية العراقيين إذا أرادوا الاستشهاد بحدث أو تصريح، وحرصوا على الوثوق بدقته سرعان ما ينسبون ذلك إلى مؤسسة بريطانية إعلامية عريقة هي إذاعة \"البي بي سي\" دليلا على ثقتهم الكبيرة بهذه الإذاعة، وأنها الأقرب إلى نقل الأخبار والحيادية في التحليل.
وبدون شك أن ترسيخ قناعة بمؤسسة إعلامية يرتبط بعوامل عديدة في المقدمة منها وجود أرضية مسبقة وتصورات واسعة عن مجمل المؤسسات الموجودة في البلاد التي تقود هذه المؤسسة، أي بمعنى أن القناعة بصدقية ما تقوله هذه الإذاعة، هي جزء من القناعات المتراكمة بالمؤسسات البريطانية، وفي المقدمة منها وسائل الإعلام والقضاء وغيرها من المؤسسات الأخرى.
إلا أن المفارقة التي أحدثتها مشاركة البريطانيين في غزو العراق تحت راية المارينز الأمريكيين، أن العراقيين انقلبوا على هذه القناعات، لأن العالم بدأ يتحدث عن رئيس الوزراء البريطاني توني بلير، باعتباره "الكذاب الأول" في بريطانيا، وجورج دبليو بوش الكذاب الأول في العالم، ومن المعروف أن الأمريكيين لا يخجلون من الكذب، فذاك الرئيس الأسبق ريتشارد نكسون وهو من الرؤساء البارزين في أمريكا، ارتبط اسمه بقضية "ووترجيت"، وذاك الرئيس الأمريكي بيل كلنتون الذي ارتبط اسمه بفضيحة أخلاقية خطيرة، انتشرت رائحتها النتنة في مختلف أرجاء العالم، بعد أن تسربت من داخل مكتبه الخاص في البيت الأبيض، وعندما جرى تداولها في وسائل الإعلام على أوسع نطاق حاول إشغال الرأي العام بقصف وحشي على العراق ابتدأ يوم 17 ديسمبر 1998 وهو أول أيام شهر رمضان واستمر لثلاثة أيام وأطلق على عدوانه الإجرامي ذلك "ثعلب الصحراء".
أما تاريخ المؤسسة البريطانية فيختلف كثيرا عن الأمريكيين الجدد، إلا أن مزاعم توني بلير التي أطلقها حول التهديد العراقي وامتلاكه أسلحة الدمار الشامل، وإمكانية العراق شن حرب لتدمير البشرية خلال 45 دقيقة ومزاعم وأكاذيب أخرى، عمل كل ذلك على إسقاط رمزية الصدقية والهيبة البريطانية، وأصبح الناس يقولون "الكذاب بلير رئيس الوزراء البريطاني" وبدون أدنى شك، أن ذلك ينسحب بقوة على رمزية الصدقية في الإعلام "إذاعة البي بي سي".
فإذا كان بناء السمعة البريطانية استغرق مئات السنين فيما يتعلق بالديمقراطية، وأنفقوا عقودا لبناء الثقة بالإعلام، فإن مشاركة بريطانيا في غزو العراق والمساهمة الفاعلة في تخريب هذا البلد وتدميره وقتل أهله وتعذيبهم، قد أسقط ورقة التوت عن هذه الإمبراطورية لتظهر على حقيقتها، فهذا زعيمها بلير يتصدر قائمة أكبر الكذابين في العالم، وهذه مؤسساتها تلتزم الصمت إزاء جرائم جيشها في العراق.
العراقيون والمصداقية البريطانية... وليد الزبيدي ... صحيفة العرب اللندنية
