هيئة علماء المسلمين في العراق

أنوار التمكين... الشيخ قاسم المطيري
أنوار التمكين... الشيخ قاسم المطيري أنوار التمكين... الشيخ قاسم المطيري

أنوار التمكين... الشيخ قاسم المطيري

لقد جاءنا من الله هدى ونور ورسم لنا سبل السلام ووضع لنا قواعد العزة والكرامة وفلسفة الحياة في الإسلام مبنية على وجود الإنسان السوي الصالح على هذه الأرض ولقد كرمنا بني آدم وحملناهم في البر والبحر ورزقناهم من الطيبات وإذ قال ربك للملائكة إنى جاعل في الأرض خليفة قالوا أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك قال أني اعلم مالا تعلمون فبالإنسان صلحت الأرض وبه بنيت الحضارات وبه قام التوحيد في الأرض وبه تأسست المعاني النبيلة والأخلاق وبه عرف الوحي والرسالات وبه عرف الحق من الباطل ولكن أي إنسان هذا هل هو الإنسان البهيمي الذي ينزل بإنسانيته إلى مستوى الحيوان هل هو الدموي المسعر للحروب الذي لم يخلف سوى جرح نازف ودمعة ثكلى
لقد بين لنا القرآن الكريم مواصفات هذا الإنسان المكرم انه المحسن انه المؤمن انه المفلح انه حبيب الله بهذا الحبيب إلى الله تقوم الحياة ويتنور الكون
وسوف نتناول في سلسلة مواصفات هؤلاء الإبرار فقد كان من دعائه صلى الله عليه وسلم (اللهم أني أسألك حبك وحب من أحبك).


فمن الذي يحبه الله .....


1-الوفي بالعهد المتقي لله : بلى من أوفى بعهده واتقى فان الله يحب المتقين فكم من المصائب جاءتنا وستأتيننا من أهل الكتاب فهذه الآية رد على أهل الكتاب الذين خانوا الأمانة وأكلوا أموال الناس بالباطل وضيعوا الحقوق  ونكثوا العهود
ان الله خلق الخلق ((ونفس وما سوها فألهمها فجورها وتقوها قد أفلح من زكاها ))وأن الصفات الممدوحة عند الله هي التي تستحق ان يتحلى بها الإنسان وهذه الأخلاق الحميدة هي شبكة مترابطة مبعثها المعدن الأصيل النقي المرضى عنه من الله ((والبلد الطيب يخرج نباته بأذن ربه)) ولعلها مصداق الأثر ان الله لما خلق الخلق أخذ قبضة وقال هذه الى الجنة ولا أبالي وقبض قبضة وقال هذه الى النار ولا أبالى وان الله يحب خلقه فالله أشد فرحا بتوبة عبده (الحديث )
فما أعظم خلق الوفاء بالعهد فهو يعنى الصدق وهو يعنى الشجاعة والكرم ويعنى المروءة وهو من ثمار شجرة التقوى

وقد اتصف نبينا صلى الله عليه وسلم بهذا الخلق وكان له منه أوفر نصيب فما أخلف موعدا قط، ووصف المخلف للوعد بالمنافق ... ولا نريد الوفاء بالعهد دبلوماسيه او فذلكة سياسيه أننا نريده ان يكون أساسا من أسس الحياة وقاعدة من قواعد الأخلاق  ويوم ذاك تشرق علينا أنوار التمكين فليس التمكين بالقوة الهمجية او المكر السياسي او البطش لان لله قوانين وسنن انه يمكن لمن يحبه فالحديث الذي يرويه أن الله أذا أحب عبدا نادى جبريل فقال أنى أحببت فلانا فأحبه فينادي جبريل في الملائكة أن الله احب فلانا فأحبوه ثم يوضع له القبول في الأرض (متفق عليه)  أن هذا الحب وهذا القبول لا يأتي عبثا بل يأتي من صفات يتخلق بها الإنسان ومنها صفة الوفاء والتقوى
قال الشيخ عبد الرحمن السعدي رحمه الله : والعهد يشمل العهد الذي بين العبد وبين ربه وهو جميع ما أوجبه الله على العبد من حقه ويشمل العهد الذي بينه وبين العباد والتقوى تكون في هذا الموضع . ترجع الى اتقاء المعاصي التي بين العبد وبين ربه وبينه وبين الخلق فمن كان كذلك فانه من المتقين الذين يحبهم الله تعالى فمن قال ليس علينا في الاميين سبيل فلم يوف بعهده ولم يتق الله فلم يكن ممن يحبه الله بل ممن يبغضه الله واذا كان الأميون قد عرفوا بوفاء العهود وبتقوى الله وعدم التجرؤ على الأموال المحرمة كانوا هم المحبوبين لله المتقين الذين أعدت لهم الجنة وكانوا أفضل خلق الله وأجلهم بخلاف الذين يقولون ليس علينا في الأميين سبيل فأنهم داخلون في قوله تعالى ((أن الذين يشترون بعهد لله وأيمانهم ثمنا قليلا ))ويدخل في ذلك كل من اخذ شيئا من الدنيا في مقابله ما تركه من حق الله او حق عباده .وكذلك من حلف يمينا يقتطع بها مال معصوم فهو داخل في هذا الآية فهؤلاء (لا خلاق لهم في الاخره )أي لا نصيب لهم في الخير (ولا يكلمهم الله يوم القيامة غضبا عليهم وسخطا لتقديم هوى أنفسهم على رضا ربهم))فهل نحن من الأوفياء بعهودهم في السر والعلن مع الله ومع الناس حتى نضمن محبه الله ونضمن الرفعة في الدنيا والآخرة


2-ومن الذين يحبهم الله (والكاظمين الغيظ والعافين عن الناس والله يحب المحسنين)
الكل يغضب ولكن من يستطيع كظم غيظه وإخفاء غضبه انها مرتبه عاليه من الانسانيه ومن المعدن الأصيل هل تستطيع أن تصل الى درجه الحب لعدوك الشخصي (فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم )........ وهذا العدو الذي حددناه الذي هو يختلف مع شخصك، أما أعداء الله والذين أراقوا دماءنا وهتكوا أعراضنا واحتلوا أرضنا فلا يجوز محبتهم أو مراعاتهم أو مسالمتهم أو إسماعهم ما يسرهم فقد تكلم الفقهاء في  الولاء والبراء وقد حددت الاية معناه ( لا تجد قوما يؤمنون بالله واليوم الأخر يوادون  من حاد الله ورسوله ولو كانوا آباءهم أو أبناءهم أو إخوانهم أو عشيرتهم  أولئك كتب الله في قلوبهم الإيمان ) ومن فعل خلاف ذلك فيعنى  (سلب من قلوبهم الإيمان) فماذا يقول المتوددون الذين يقبلون أيادي الأمريكان أو من يسمونهم الأصدقاء أو المحررين حتى وان وضعوا الحذاء على رؤوسهم؟!!

والمحسن ليس من أعطى المال فقط بل يدخل في مفهوم المحسن من أعطى الفضل والجاه ونفع فيها المحتاجين لهذا الحاجة ..
والعظيم في فضل ربنا انه يفتح لك أبواب الفضل فأنت قد لا تملك المال وإنفاقه ولكنك قد تملك كظم الغيظ والعفو عمن أساء إليك فتكون من الذين يحبهم الله فإذا أحبك الله فمن يستطيع أن يؤذيك ؟ .....
والإحسان درجة عالية في ميزان الله سبحانه فقد فسرها جبريل عليه السلام  ( أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك ) وأنت أيها المسلم إذا كظمت غيظك وعفوت عمن ظلمك فقد وصلت إلى هذه الرتبة

3-(وكأين من نبى قاتل معه ربيون كثير فما وهنوا لما أصابهم في سبيل الله وما ضعفوا وما استكانوا والله يحب الصابرين )146ال عمران
وما كان قولهم الا أن قالوا ربنا اغفر لنا ذنوبنا وإسرافنا في أمرنا وثبت إقدامنا وانصرنا على القوم الكافرين 147  فآتاهم الله ثواب الدنيا وحسن ثواب الآخرة والله يحب المحسنين )
قال الشيخ السعدي :وكم من نبى قاتل معه ربيون كثير أي جماعات كثيرون من أتباعهم الذين قد ربتهم الأنبياء بالإيمان والإعمال الصالحة فأصابهم قتل وجراح فما ضعفت قلوبهم ولا وهنت أبدانهم ولا استكانوا لعدوهم أي ذلوا لعدوهم بل صبروا وثبتوا وشجعوا أنفسهم ولهذا قال والله يحب الصابرين وقد علموا أن الذنوب والإسراف من أعظم أسباب الخذلان وأن التخلي منها من أسباب النصر فسألوا ربهم مغفرتها
والعلماء ورثة الأنبياء لان الوحي قد انتهى وختم بمحمد صلى الله عليه وسلم فلما يأخذ العلماء بأسلوب الأنبياء فأنهم يصلون الى نفس النتيجة لأنها سنة إلهية والآية تدل أن معركتهم مع الباطل لا تنتهي بجولة أو جولتين بل هو الاستمرار حتى يتحقق وعد الله ( بل  نقذف بالحق على الباطل فيدمغه فإذا هو زاهق ولكم الويل مما تصفون )
وقديما قالوا الشجاعة صبر ساعة والظفر لمن يصبر ساعة أكثر فلذلك من كانت هذه صفته فاز بمحبة الله له
ويكفي هذه الفئة أنها كانت بعيدة عن الوهن : وقد فسره رسوله الله :حب الدنيا وكراهية الموت وليس فيهم ضعف وليس فيهم ذلة فلو توفرت هذه الصفات لاحترمه عدوه ألا يستحق ذلك الإنسان أن يحبه ربه ؟ 
والمقاتلون هنا صفتهم (ربيون) وليس كتل بشرية هي وقود للمعركة

فالربي : هو العارف  بالله والعارف بواقعه المنفذ لأوامر ربه فالمقاتلون هنا ليسوا هم أغبياء البشر أو العالة على الآخرين كما يصنفهم أرسطو في مدينته الفاضلة بل هم خيار البشر وسادتهم وهكذا ينصر الله المؤمنين فإذا أردنا نصرا ربانيا فلا بد أن نصنع من مجاهدينا رجالا ربانيين  وسيكون النصر مضمونا بإذن الله.

أضف تعليق