هيئة علماء المسلمين في العراق

قضايا ومناقشات قوافل الانسحاب : خالص عزمى
قضايا ومناقشات قوافل الانسحاب : خالص عزمى قضايا ومناقشات قوافل الانسحاب : خالص عزمى

قضايا ومناقشات قوافل الانسحاب : خالص عزمى

لم يكن مبدأ تبني الحرب والقوة العسكرية وليد الامس القريب، بل دخل في صلب المعتقد الآيدولوجيي منذ ان وطأت اقدام ليو شتراوس (1889- 1973) امريكا تاركا وطنه المانيا وراءه، ليتولى تدريس الفلسفة في جامعة شيكاغو وينشر افكاره مرورا بمدرسة فرانسيس فوكوياما وكتابه (نهاية التاريخ والانسان. الاخير) فقد استولت مبادؤه على عقول النخبة التي اتخذت مسميات عدة منها: (جولد ووتر) و(مدرسة فتيان شيكاغو) أو (المحافظون الجدد) موخراً... الخ لقد استطاع هذا الرجل ومن بعده عدد من المفكرين من ذوي الاتجاه نفسه التغلغل في عقول بعض شبان الذين آمنوا بهذا المعتقد المعتمد اصلا على صراع حاد مفترض ما بين الخير والشر، ليس كمفهوم للحياة العامة، بل كصيغة لموقف سياسي يرتكز على مواجهة مباشرة (للشر) المفترض كتبرير لعمل عسكري يأخذ طريقه الى موقع ما من هذا العالم كحل جذري للسطوة والهيمنة، ولقد طور هذا المبدأ بمرور الزمن ليصبح قاعدة المواجهة الحاسمة والتي عرفت فيما بعد بمبدأ تدمير امبراطورية الشر (حسب اصطلاح ريجن للاتحاد السوفياتي) او الضربة الاستباقية لسحق محور الشر (حسب اصطلاح بوش الابن لكل من كوريا الشمالية وايران والعراق). ولو دققنا بهذين المصطلحين نراهما ينطلقان من منظور شخصاني يمنح الذات صفة الخير المفترضة.
لقد اطلق هذا الفكر الايدولجي كثيرا من المعتقدات التي تدعو لقيام امبراطورية معاصرة تجرف من امامها كل ما يعيق سيطرتها على العالم مستندة على ركائزها المتوارثة التي تشير اليها العناوين المختزلة التالية:
1-                الحرب وليس غير الحرب هي الحل وليذهب القانون الدولي اللعين الى سلة المهملات.
2-                امن اسرائيل له الاولوية القصوى.
3-                تأمين الحصول على الطاقة ووضع اليد على منابعها.
4-                من ليس معنا فهو ضدنا وشرعيتنا هي الشرعية الدولية.
5-                خلق الفوضى كاساس منظم لحصد النتيجة.
6-                اتخاذ درس (ميونيخ) حكمة في وجوب عدم المهادنة (كرد على انصياع الغرب لارادة هتلر)، واهمال درس (فيتنام) كمانع من خوض اية حرب (باعتبار ان بعبع الاندحار ما زال ماثلا امام الامريكيين).
7-                استراتيجية الضربة العسكرية اولا ثم انتظار الحلول لما قد يحدث من مشاكل.
8-                التركيز على ان الخطر الحقيقي يكمن في الشرق الاوسط والاسلام الدولي تجاه المصالح الاميركية.
وهناك العشرات من التفرعات التي ساقها المؤلفون الامريكيون والتي تناقش (سلبا او ايجابا) استعمال القوة العسكرية كخيار لا بديل عنه لدى المحافظين الجدد، ومنها كتب...، بيتر بترسن (الركض في الفراغ) ومورين ديفيد (عالم بوش: خض مغامرتك الخاصة) وبوب وود وورد (خطة الهجوم) وبيتر سنجر (رئيس الخير والشر) لكن من بين هذه الكتب وغيرها توقفت مليا امام كتاب صدر في نيسان 2004 عنوانه (انفراد امريكا) لمؤلفيه (ستيفان هلبر - جمهوري- استاذ زميل في جامعة كمربدج، وجونثان كلارك الباحث في دراسات السياسة الخارجية والدبلوماسي البريطاني السابق). لقد سلط هاذان المؤلفان الضوء على كثير من الحقائق سواء من خلال كتابهما هذا او الندوات والمحاضرات اللاحقة على صدوره، اضافة الى ما تناولته وسائل الاعلام المختلفة وكثير من النقاد والاكادميين من بحوث ودراسات ومقالات كان اكثرهامشيدا بهذا العمل الموضوعي الجاد... ولعل من المفيد اجتزاء اهم ما يعنينا من آراء اسنادا لهذا البحث:
«ان ان جميع ما تشير اليه اجهزة الاعلام العالمية من نجاحات الحرب انما تتمحور حول القوة العسكرية، ولكنها في ذات الوقت لا تناقش سلبا المشاكل المعقدةالناشئة عن الانهيار الاخلاقي للأمة. لقد فشلت امريكا في تحقيق هدفها المعلن بأنها جاءت لتحرير الشعوب، في حين انها زرعت الكراهية والعداء ونشرت الخطر وهي ترفع العلم الاميركي هنا وهناك. لقد اقنع المحافظون الجدد انفسهم بان الحرب هي الوضع المناسب لاميركا، ولكن تلك الحرب كانت ولم تزل بلا اهداف ولا ابعاد، وحينما تكون كذلك فانها تحارب اعداء لا وجود لهم فعلا ولذا فانها ستكون حربا لا نهاية واضحة لها، وهنا يكمن الصراع المتناقض ما بين الدافع المعلن والنتيجة الغامضة لها. لقد استخدمت امريكا اقصى قوتها العسكرية وكل طاقتها المالية للامن القومي، لكي يشعر الاميركيون بالامان كما تعلن، ولكن الاميركيين اصبحوا يشعرون بأنهم في خطر محدق ورعب دائم لم يعرفوه في كل تأريخهم..، بل ان استطلاعات الرأي الواسعة اثبتت بلا ادنى شك بأن الاميركيين لم يتمتعوا تحت مظلة هذا التبرير بأية ذرة اضافية من الامان.
ان ايدولوجية المحافظين الجدد تضع اميركا في حرب دائمة لانهاية لها. لقد اتضح جليا ان نتيجة محصلة الحرب على الارهاب غدت ضحيتها الاولى اخلاقيات السلطة الاميركية. التي لا تحضى بأي اعتبار او قيمة عالية عند المحافظين الجدد، بل انهم يجهلون حقا تلك القيم الاخلاقية التي لا تقدر بثمن، اذ تراهم ينشرون بدلا عنها نماذج امريكية سيئة لا يمكن ابدا الدفاع عنها. ان اشد ما نخشاه ان تصبح تلك الاخلاق الرديئة جزءاً من اخلاقيات الشعب الاميركي التي لا يمكن اقتلاعها حتى بعد رحيل المحافظين الجدد. لقد اصبحت تكاليف هذا الشعب عالية جدا لا من حيث الاموال الطائلة التي تثقل كاهله بل ومن نزف دماء ابنائه. ناهيك عن زيادة الكره المتصاعد ضد اميركا في كل انحاء العالم....؛ لماذا كل هذا... لان حفنة صغيرة من الصقور استطاعت ان تضع يدها على السياسة الخارجية وتروج بذات الوقت لخيالات المجد العسكري».
هذه خلاصة موجزة لكتاب مثير في غاية الموضوعية والدقة يكشف عن كثير من الاسرار ويجعلها بين ايدي الذين يقرأون فيستوعبون جوانب دقيقة من الحقيقة. ولا تقل لي بعد هذا وذاك ان دولة عظمى كالولايات المتحدة الاميركية تعبر المحيطات وتضحي بالآلاف من ابنائها بين قتيل وجريح ومعوق، وتخسر الترليونات، لا لشيء الا لتجري انتخابات عراقية صورية تفرض فيها اشخاصا ليكونوا نوابا في مجلس شكلي يتصدره عنوان فقهي يقول (فاقد الشيء لا يعطيه).
﴿2﴾
في عام 1972، كان هو في فيتنام ورأى بأم عينيه تلك المآسي المروعة التي اصابت الجنود الامريكيين الذين اجبروا على خوض حرب ليست فيها اية مقاييس اخلاقية او معايير انسانية وعاد من هناك وصور ذلك التدمير الوحشي لا تبرح مخيلته، كانت حربا - كما هي في العراق-، خالية من الهدف الحقيقي، بعيدة عن الشرعية الدولية، اذ لم يكن هناك فيتنامي شمالي واحد يخطط  مسبقا لتدمير امريكا، فلماذا شن اذن ذلك العدوان وبكل تلك القساوة؟!. لا بد وانه توقف امام اسباب الحرب على العراق بعد ان تكشفت حقائق الامور بكل وضوح (لا اسلحة دمار شامل، لا علاقة للعراق باحداث 11 سبتمبر، لا روابط مع القاعدة).
اذن علام خسارة ترليون دولار وراء آخر من حساب دافع الضريبة الامريكي وفقدان ارواح اكثر من الفي جندي اميركي وما لايقل عن اربعين الف جريح ومعوق، واكثر من خمسين الف يعانون من الامراض النفسية والانهيار العصبي وانواع من الكئابة الحادة تنهش في دواخل الجنود او افراد اسرهم..؛ ناهيك عن مقتل او جرح الامريكيين الآخرين المرتزقة او اؤلئك الذين يعملون بمظهر مدني  في شركات الحماية والحراسة او الترجمة  الخاصة... الخ. لكل هذا وذاك من تراكمات عامة وخاصة...
وقف النائب جون ميرثا يوم 17/ ت2 نوفمبر/ 2005، ليصرخ وباعلى صوته في الكونجرس قائلا: (ان الولايات المتحدة الامريكية لم يعد بامكانها ان تنجز شيئا عسكريا في العراق، وان وجودها يحول دون تطور العراق لان ذلك الوجود يساعد على زيادة العمليات المسلحة ويضاعف حدة العنف ... ولهذا يتوجب الانسحاب فورا...) وقد وقع هذا الطلب الرسمي على الادارة الاميركية كوقع الزلزال (كما وصفته اجهزة الاعلام)؛ فلم يجد الحزب الجمهوري بدا من شن هجوم عنيف على النائب ميرثا واصفين اياه بالجبن كما جاء في كلمة رئيس مجلس النواب دنيس هارتر او في رد السناتور دونكان هانتر رئيس لجنة الدفاع في الكونجرس وغيرهما من اقطاب الحزب.. وازاء هذه الحملة القاسية تصدى الديمقراطيون لهذا التحدي الصارخ لمبدأ الحوار الديمقراطي، فشن السيناتور جون كيري المرشح السابق لمنصب رئاسة الجمهورية هجوما معاكسا على صفحات الصحف حيث قال في رده الموجع (في الوقت الذي ننشغل بنقل الديمقراطية!! الى العراق وافغانستان، نجد انفسنا غير مستعدين لممارستها هنا... ان المثير للأشمئزاز حقا ان اشخاصا لم يرتدوا البزة العسكرية ابدا للدفاع عن وطنهم قد اختاروا الآن الهجوم  بطريقة مشينة على النائب ميرثا متهمينه بالجبن، لقد كان  ميرثا بالامس وطنيا شجاعا وما زال كذلك الى اليوم). في هذ الجو الذي تتعالى به الاصوات منادية بالانسحاب من العراق ليس من جانب الديمقراطيين والجمهوريين وحسب بل ومن قبل جمهرة واسعة غير منتمية من المثقفين والعمال واساتذة الجامعات والصحفيين وربات البيوت.. الخ تتوقف عجلة جدولة الانسحاب عن الدوران فلا تتحرك باتجاه موقف الرأي العام بالانسحاب الفوري، وتلجأ الادارة، كعادتها، الى صيغها الملتوية المموهة كحل آني.
حينما يدقق المرء في دوافع عدم الانسحاب الفوري، يجد ان سببها يرتبط بفشل مشروعها العاجل والاهم المعروف بـ (الشرق الاوسط الكبير) حيث انكمش لينحصر تحت عنوان محبط صغير لم يكن هو الهدف الرئيس اطلق عليه مؤخرا (انتهاء المهمة او النصر المؤزر) وهو في حقيقته لا يتعدى البنود التالية:-
اولا- قيام برلمان قادر على اضفاء الشرعية على جميع المعاهدات والاتفاقيات السابقة والتي ستنشأ تحت ظله وسلطاته التشريعية وبموجب صلاحياته واختصاصاته طبقا للدستور المعد لمثل هذه الاغراض مسبقا.
ثانيا- قيام حكومة قادرة على توقيع اتفاقيات عسكرية وامنية، تؤدي الى نشوء قواعد عسكرية واسعة على ارض العراق بحجة المحافظة على الامن الداخلي، والحدود الدولية، (وبالطبع) أي خطر داهم...!!
ثالثا- تنفيذ خصخصة ما يؤمن ستراتيجية وضع اليد على الطاقة وثروات البلاد الاخرى لمصلحة الشركات الكبرى، التي تنتظر (قيام الحكومة الجديدة) على احر من الجمر لتحقق لها هذه الآمال..!!
رابعا- عقد اتفاقات مباشرة مع الاقاليم والمحافظات دون الرجوع الى السلطة المركزية استنادا للدستور.
خامسا- تنفيذ جميع المخططات الجاهزة للتطبيق فيما يتعلق بالتربية والتعليم والثقافة والدين والصحة والصناعة المحلية... الخ طبقا للرغبة الامريكية التي هيأها مستشاروها سابقا.
لقد انسحبت اسبانيا كأول قافلة من الركب، ثم توالت انسحابات بلغاريا ورومانيا واكرونيا وستتوالى انسحابات ايطاليا وبولونيا ولتوانيا خلال عام 2006 طبقا للقرارات الرسمية بذلك وستنسحب غيرها ايضا ولا يبقى سوى القوات الامريكية (المهمة) التي ستمكث في القواعد العسكرية (الـ 14) وتنزل على قلوب العراقيين بردا وسلاما!!! فيحسنون ضيافتها كما فعل اجدادهم في ثورتي العشرين والواحد والاربعين.
يبقى السؤال الرئيس هنا... هل ان امريكا ستكتفي بما نالته وستناله من غزوها للعراق؟ وهل ان خططها انتهت عند اعتاب تلك البنود الخمسة اعلاه؟ والجواب... كلا... ثم الف كلا ما دام هناك مفكر كماكس بوت ينشر في جريدة (وول ستريت جرنال) حكمته البليغة!!! التي يخاطب فيها الانسانية في القرن الحادي والعشرين بقوله (انني اتطلع الى عصر جديد تخوض فيه امريكا على الدوام حربا من الحروب في مكان ما... ضد دولة ما وشعب ما، على غرار الامبراطورية الرومانية)!!!!!
امام هذا الخطاب الحربي نرى ان هناك محاولات ساذجة تدعو الى ردم الهوة وتحسين صورة امريكا في العالم بالدعوة الى التقارب الانساني وربط جسور المحبة والبعد عن العنف واضفاء طابع الالفة.....!!!
لقد قرأت في جريدة (يو اس تودي) يوم 14/ كانون اول الحالي/ 2005 تحت عنوان (وزارة الدفاع الاميركية تشن حربا نفسية  بتكلفة 400  مليون دولار) في سعيها لتحسين صورة امريكا كما جرت عليه الحال في كل مرة تثار الضجة حول القتل او التعذيب او التنصت او تلفيق المعلومات او الدهم او الاعتقال... الخ، الم يسأل الذين يعملون على تجميل الهيئة، عن ماهية السبب الذي يجعل اؤلئك الذين يدكون الارض بصواريخهم ويسحقون البشرية تحت اقدامهم ويروعون الاطفال ويطحنون ألآثار ويمزقون الارث الثقافي، ثم يلجأون بعد كل ذلك الى صرف الملايين على شركات (المكياج) لتقوم بمسح... الدماء المتيبسة و(الفسفور الابيض والاسود) و(السخام) و(الحروق) و(القروح) و(الكسور) من على الوجه الاميركي المنهك المرهق؟!!.
لقد ذكرني هذا التناقض الصارخ ما بين بين الهدم والاعمار بحكاية بغدادية طريفة تقترب بمعناها من جوهر الموضوع تقول:-
عين (شنيور) ضابطا في السجن العام في باب المعظم من بغداد، فلما استلم عمله طلب منه مدير السجن ان يخرج مع بعض المساجين المحكوم عليهم بالاشغال الشاقة الى موقع خلف سدة الوزيرية فيجعلهم يعملون بقطع الاخشاب او تكسير الاحجار... الخ استجاب (شنيور) للأمر وخرج بالمجموعة الى تلك الساحة الواسعة، الا انه لم يجد اخشابا ولا احجارا، فلم يرهق نفسه بالبحث هنا او هناك، بل طلب من المساجين ان يحفروا خندقا كبيرا في الارض فلبوا الأمر (وهم في غاية السخرية من عمل كهذا)، ولما اتموا عملهم بعد ثلاث ساعات من الجهد المرهق، طلب منهم (من دون اية استراحة) ان يردموا الخندق ومساواته بعدئذ بالارض كما كان، ولما عادوا الى السجن منهكين ورووا الحكاية الغريبة الى رئبس العرفاء، قال: لقد صادفت في حياتي هنا كثيرا من البلهاء ولكنني لم ار من هو ابله من هذا الـ (شنيور)
وهاهو الواقع يثبت لنا ان هناك من يضاهي شنيور في تصرفاته، انه يصرف المليارات على حروب ماحقة تدمر دولا قائمة فيستفز الشعوب ويثير العالم ضده ثم يعود ليصرف المليارات لمسح صورة الماضي وتحسين الشكل، ولسان الحال يقول يا شنيور (ماذا عدا مما بدا)...
قول أخير: تؤكد لنا الادارة الاميركية صباح مساء انها اسرة متدينة جدا، فلو كانت كذلك حقا لتمسكت بالحكة الانسانية التي تؤكد على ان (المجد لله بالاعالي وعلى الارض السلام وفي الناس المسرة) لا ان تتسلح بعبارة عسكرية قاسية المخبر تقول........ (ليس هناك غير الحرب من حل)!!

المصدر : التجديد العربي

02/01/2006

أضف تعليق