لا يختلف اثنان على ان العراق مجتمع متعدد الاعراق وكما هو معلوم فان الاساس السليم للمجتمعات المتعددة الاعراق تحتاج الى استراتجيات خاصة لادارتها تقوم على اساس ربط الافراد بالدولة على اساس الهوية الوطنية لا على اساس القـومية او الدين
وفي العراق فان الدولة العراقية منذ تأسيسها اعتمدت على استراتيجيات مختلفة في ادارة المجتمع المتعدد تنطلق من هيمنة الدولة وسياسية الاخضاع، أو عزل المجتمعات، أو سياسة الاجتناب وبعد عام 2003 اعتمدت الدولة على استراتيجيات (مستوردة) تقوم على اساس الفيدرالية والديمقراطية التوافقية. لقد تمت صياغة العملية السياسية في العراق بطريقة غريبة لا وفقا لتعامل الاحزاب السياسية مع الأفراد بصفتهم مواطنين ولكن بوصفهم مجموعات عرقية أو طائفية، فأحزاب السلطة التي تقود الدولة رغم مسؤولياتها في تثقيف المجتمع والتعريف بالهوية الوطنية الا انها استخدمت خطابا قوميا او طائفيا لإقناع الفرد بأن لانتمائه القومي او الطائفي الأولوية على انتمائه للدولة، وأن مصالحه لا تتحقق إلا عبر هذا الانتماء والانتخابات الاخيرة بينت لنا ان ذات الاحزاب السياسية في السلطة منذ عام 2003 هي ذاتها من فازت بالانتخابات وهي ذاتها عاجزة عن تشكيل حكومة لعدة اشهر.
فتحقيق الادارة السليمة في المجتمعات المتعددة الاعراق يتوقف إلى حد كبير على الأشخاص الذين يتولون إدارة شؤونه، كما يفترض منطق التوافق والمشاركة تعاون المكونات العرقية والدينية ووقوفها بجانب القرارات التي تأتي ثمرة لهذا التعاون. إذ لا بد من هذه الشراكة من أجل الحفاظ على مقومات التوازن بين مختلف المكونات. و'التوافق والمشاركة' هو الأسلوب الذي يقود إلى إقامة نظام مستقر في دولة ذات اعراق واطياف متعددة مثل العراق على الاقل لفترة تثيقف المجتمع حتى يصل الى درجة الديمقراطية.
المشكلة القائمة حاليا أن هذه المكونات السياسية في العراق تفتقد مبدأ 'التوافق والمشاركة' الذي يقوم على الإجماع حول تحديد شكل الدولة والمصالح المشتركة، وكذلك تعاني من غياب سلطة الدولة، فالنظام السياسي عاجز عن إدارة الاختلاف وتدبر أمر الصراع القائم بين المكونات المختلفة وبالتالي فان المساومات السياسية والتنازلات على حساب هيبة الدولة تظهر من هذا الطرف او ذاك ومثالنا على ذلك ورقة المطالب الكردية التي تأخذ في طياتها مصالح الأكراد فقط بالدرجة الأولى دون المصالح المشتركة لكافة المكونات في الدولة العراقية.
ان النظام السياسي في العراق يحتاج الى حكومة تتميز بمرونة كبيرة تمكنه من ان يستوعب الاختلافات العرقية والدينية والثقافية المكونة للمجتمع العراقي وبالتالي حكومة تستطيع أن تحافظ على الاستقرار الاجتماعي والسياسي الذي كانت تحتاجه عملية التحديث بعد 2003، فضمان حقوق جميع الأطراف قانونيا وعمليا بشكل متوازن يجعل الجميع يشعرون بانهم سوف يستفيدون من هكذا نظام، نظام يحمي الخصوصية العرقية والثقافية المختلفة من جهة، بينما يعمل على غرس الهوية الوطنية في أذهان المواطنين على اختلاف انتماءاتهم من جهة أخرى
العراق وتجربة إدارة مجتمع متعدد الأعراق ...احمد الهرمزي
