ليس هناك شك حول ما يجري على ارض الواقع من خداع وتضليل وأكاذيب وتزوير بشأن كل ما يطرح من معاني شريفة لمصطلحات تم تلويثها واستخدامها كشعارات مزيفة للتغطية على جرائم الاحتلال وعلى مصالح فئوية للنيل من العراق ونهب خيراته. وكثيرا ما سمعنا عن تلك المصطلحات كالانتخابات والعملية السياسية والديمقراطية والحرية وحقوق الإنسان والاعمار وغيرها من العبارات الرنانة والمفاهيم التي باتت تسوق لغرض تنفيذ مضامين بعيدة كل البعد عن معانيها ومحتوياتها.
واذا كان لدى البعض شك في كون هذه الشعارات ليست للاستهلاك المحلي ولم تكن مكياجا لتجميل المشروع الأمريكي الصهيوني في العراق فأنهم على وهم كبير لانه اما ان يكون موقفهم هذا نابع من مكابرة ومزايدات من اجل مصالح شخصية، واما ان يكون هناك قصور في قراءة الابعاد الاستراتيجية لذلك المشروع ومطابقته على ما يجري من احداث فضلا عن سوء فهم في استقراء الوقائع وعدم خبرة في الاستنتاج والتحليل السياسي فيستوجب تبصيرهم بحقيقة زيف استخدام تلك الشعارات لانقاذهم من السقوط في مستنقع ذلك المشروع من اجل اعادة برمجة تقييمهم للعملية السياسية ومراجعة مواقفهم منها.
والانتخابات احد اهم تلك الشعارات التي قلبت كيان الواقع السياسي في العراق لما يثار حولها من لغط بشأن سوء استخدامها لتسويق استحقاقات غير عادلة لحساب طرف على حساب اطراف اخرى وبالرغم من عدم شرعيتها في ظل الاحتلال، الا انه لا يمكن رفض الانتخابات كمبدأ تحت أي ذريعة شرط أن تكون ضمن مشروع وطني ديمقراطي حضاري ينظم العملية السياسية في العراق بشكل متكامل بحيث يضمن مشاركة جميع الأطراف في ظل أجواء هادئة ومستقرة لا أن تفرض قوانينها وشروط آلياتها من قبل سلطات الاحتلال كما حصل في ثلاث عمليات انتخابية مفخخة نصبت شباكها على اطياف الشعب العراقي للوقوع في مستنقع الفتنة الطائفية مثلما كانت العملية الانتخابية الاولى المعروفة بانتخاب الجمعية الوطنية التي لم تكن إلا زيف للاستهلاك المحلي لأن المحتلين اعرف قبل غيرهم بمدى نزاهة تلك الانتخابات وكانت نتائجها معروفة مسبقا حسب المحاصصات الطائفية المفروضة على الشعب العراقي. والعملية الثانية هي مهزلة الاستفتاء على الدستور وكيف تم تمريره بمسرحية مضحكة. اما العملية الانتخابية الثالثة وهي الانتخابات التي عصفت بنتائجها خلافات حصد الغنائم بعد ان تمزقت نزاهتها بسهام الشك من قبل الشركاء القادمين على ظهور الدبابات الأمريكية والراكبين في نفس عربة المشروع الأمريكي قبل ان تعصف بها رياح المشاركين الجدد الذين اوجدت لهم الجامعة العربية مخرجا للمشاركة في مسرحية العملية السياسية.
الا يكفي ان يلدغ الحر من الجحر مرتين ..! فما هي حجة من يلدغ من الجحر ثلاث مرات خصوصا بعد التزوير في الانتخابات الاخيرة وما تمخض عنها من فخ مساومة تقاسم السلطة الذي نصب في اجتماع السليمانية والذي دعا اليه الاكراد لاقناع اطراف لا يقلون طمعا في استمرار الحوار مع امريكا بخصوص مستقبلهم في الحكومة القادمة وذلك لاختزال الثقل الحقيقي للسنة العرب ومدى تأثيرهم الفعلي على ما يسمى بالعملية السياسية حتى لا يقال أنهم خارج وليمة الحكم.
ان السنة العرب كونهم الشريحة الكبرى في المجتمع العراقي التي بات من المفروض ان يحسب لها ألف حساب لانها القادرة على تبديد العملية السياسية إذا لم يحدد موقعها في المكان الصحيح فعليهم الانتباه إلى دسائس التنظيمات الشعوبية الصفوية التي مغزاها الاستحواذ على مقاعد البرلمان وإغراء فصائل معينة من السنة بمناصب هزيلة في الحكومة من اجل ان يكونوا في خندق الطائفية كشريحة تكمل مكياج العملية السياسية التي باتت تمر بازمة خطيرة وبالتالي شق صفوفهم أكثر مما هم عليه ألان من خلال السقوط في كمين المناصب الوزارية كتعويض عن التزوير الحاصل في الانتخابات لانه مهما بلغ عدد الوزارات التي ستمنح لهم فانهم غير قادرين من خلالها على تنفيذ مهمات وطنية وتحقيق مطالب شعبية لان كل الوزارات اليوم ملغومة بعناصر قادرة على شل قدرات اي وزير في حال تعارض مواقفه مع مواقفهم والبعض من هذه العناصر يدعي انه معين من قبل الامريكان وحتى السلطات الحكومية المتنفذة غير قادرة على ازاحته.
هذا من جهة ومن جهة اخرى ان القرارات الفعلية للدولة العراقية ستكون من خلال البرلمان وليس من خلال الوزارة وبذلك يمكن تعطيل اي قرار صادر عن الوزير لا يتفق مع مرام الكتلة المهيمنة على البرلمان بل وستكون قادرة على تنحية الوزير او حل الحكومة بكاملها ومن ثم اختزال العودة الى مناصبهم مرة اخرى.
واخيرا ان من اولويات الواجب الوطني هو إنهاء الاحتلال وليس القبول كشركاء أذلاء من اجل إملاء فراغات يتصدقون بها على اهل السنة بمناصب هزيلة في الوزارة المفرغة من روح التجانس الوطني للايحاء بأن جميع أطياف الشعب العراقي قد شاركت في العملية السياسية من اجل انقاذ المشروع الأمريكي من هاوية السقوط، بل أن المطلوب هو الانتماء إلى مؤسسة الشعب ودعم المقاومة الوطنية الشريفة كحق مشروع للدفاع عن الوطن وان يترفعوا عن الصغائر وان يتحملوا مسؤولياتهم التاريخية لإنهاء الاحتلال وجدولة رحيل قواته، والعمل على إطلاق سراح آلاف المعتقلين، وطرح مشروع وحدة جميع الفصائل يمزق ورقة المحاصصة الطائفية ويستقطب كل الأطياف الوطنية الخيرة.
المصدر/ ميدل ايست اونلاين
2/1/2006
كمين المشاركة في الحكومة العراقية القادمة كتعويض عن التزوير في الانتخابات... طلال بركات
