كثيرة هي الملاحظات التي يمكن أن تستوقف المراقب للانتخابات العراقية التي نكتب بعد صدور نتائجها شبه النهائية وقبل صدور أرقامها النهائية التي لم ولن تخرج كثيراً عن دائرة التوقعات التي أشرنا إليها غير مرة، ولعل أبرز تلك الملاحظات هي تلك المتعلقة بالمشاركة الكثيفة التي تجاوزت المعدلات الدولية في هكذا مناسبات.
ما من شك أن الحشد الطائفي الناتج عن الانقسام الذي يعيشه المجتمع العراقي قد تسبب في هذه النسبة العالية من المشاركة، وإذا كان ذلك عادياً ومتوقعاً في الحالتين الشيعية والكردية، فقد كان مفاجئاً إلى حد ما في أوساط العرب السنة، أقله بالنسبة لمن لا يعرفون تحولات المواقف في أوساطهم، وبخاصة خلال الشهور المنصرمة من العام الجاري.
ما من شك أن الاستهداف والتهميش الطائفي الواسع النطاق الذي تعرض له العرب السنة على يد الحكومة الطائفية وأذرعها الأمنية قد ساهم في صياغة رأي عام مؤيد للمشاركة في العملية السياسية، من دون أن يعني ذلك أي موقف سلبي من المقاومة بالنسبة للغالبية التي ما زالت على انحيازها العارم إليها بوصفها الملاذ الحقيقي من جحيم تهميش واستهداف أوسع نطاقاً بكل المقاييس، فضلاً عن أهميتها لمستقبل العراق والأمة عموماً.
على أن ذلك لا ينفي أن إقبال العرب السنة على صناديق الاقتراع ما كان له أن يمضي بهذه الكثافة لولا موقف هيئة علماء المسلمين المؤيد ضمناً لتلك المشاركة تبعاً لتقدير سياسي يقوم على إمكانية الجمع بين مساري المقاومة ورفض الاعتراف بالعملية السياسية تحت الاحتلال وبين مسار المشاركة التي لا تتناقض مع المقاومة بل تعضدها في الميدان السياسي.
والحال أن موقف الهيئة الرافض للاعتراف بالعملية السياسية كان وما يزال صحيحاً، وهو الضمانة لمخاطر إلقاء العرب السنة لجميع أوراقهم في سلة لعبة انتخابية سياسية غير مضمونة، وقد ثبتت صحة هذا التقدير بعد التزوير الواسع النطاق ضد العرب السنة، إذ عادت اللعبة لتحشرهم كما سبق وتوقعنا في دائرة العشرين بالمئة، على رغم أن ما جرى خلال الانتخابات الماضية وخلال الاستفتاء على الدستور، وكذلك هذه المرة ما زال يؤكد أن نسبتهم تتراوح في حدود الثلاثين بالمئة لو كانت اللعبة نزيهة بالكامل.
بتأثير من موقف هيئة علماء المسلمين جاء موقف قوى المقاومة مسانداً للمشاركة الانتخابية، باستثناء تنظيم القاعدة وبعض المجموعات السلفية الصغيرة من حوله، لكن اللافت هو موقف التنظيم بعدم التخريب على الانتخابات على رغم المعارضة «العقائدية» للديمقراطية، وهو موقف بدا مقدراً في أوساط العرب السنة.
يدخلنا هذا بالضرورة إلى ملاحظة سبقت الإشارة إليها تتعلق بالتزوير الذي شاب الانتخابات، لاسيما ضد العرب السنة، وقد تأكد أن صراخ قادة الائتلاف الشيعي وتحذيراتهم من التزوير إنما كانت تخفي نوايا تزوير من طرفهم أكثر من أي شيء آخر، لاسيما أن رجالهم وعناصرهم هم الذين يشرفون عملياً على الإجراءات من أولها لآخرها. وقد جاءت نتائج محافظة بغداد التي حصل فيها الائتلاف على أرقام غير منطقية فاجأت حتى قياداته، لتؤكد ذلك بكل وضوح. والنتيجة هي أن تزويراً قد وقع بحق العرب السنة قبل الانتخابات من خلال توزيع المقاعد حيث ظلمت المحافظات العربية السنية لصالح الكردية بشكل كبير (90 بالمئة من سكان دهوك ناخبين) والشيعية على نحو أقل، فيما وقع بحقهم تزوير آخر في العملية ذاتها أثناء التصويت.
الملاحظة المهمة الأخرى تتعلق بالتيار الصدري الذي سجل حضوراً لافتاً في هذه الانتخابات من أولها لآخرها، فقد ثبت عملياً أن حضوره في الأوساط الشيعية يتفوق بكثير على المجلس الأعلى للثورة الإسلامية بزعامة عبد العزيز الحكيم، على رغم أن حصته في الائتلاف كانت مساوية للمجلس، لكن الموقف قد تعدى مشاركة التيار في الائتلاف إلى تشكيل بعض مجموعاته للائحة أخرى حصدت أصواتاً معتبرة في الشارع الشيعي وسميت لائحة «رساليون»، فيما يبدو أنه احتجاج من أصحابها على دخول التيار في لائحة لا تنسجم مع طروحاته السياسية، وكان لرموزها موقفهم المعادي للتيار أثناء معركة النجف.
هكذا يمكن القول إن حضور التيار الصدري في الجمعية الوطنية القادمة سيكون كبيراً، ما يعني أنه سيكون أمام امتحان حقيقي لمواقفه بعد تراجعها خلال المرحلة الأخيرة في الاستفتاء على الدستور ومن ثم دخول الائتلاف، ذلك أن انحيازه لمواقف عروبية ووحدوية ترفض الفيدرالية خارج مناطق الأكراد، ومضيه في المطالبة برحيل قوات الاحتلال سيكون له تأثيره في الجمعية، لاسيما في ظل تبني ذات المطالب من قبل العرب السنة الذين سيشغلون خمس المقاعد، فيما يمكن أن يأخذوا أكثر لو أصروا على موقفهم من التزوير وإعادة الانتخابات، ولو في محافظة بغداد على الأقل، وإذ تذكرنا أن علاوي يعلن انحيازه هو الآخر ضد الفيدرالية خارج مناطق الأكراد، فإن بوسعنا الحديث عن وضع عام يمكن أن يشكل إحراجاً كبيراً للأمريكيين والمتعاونين معهم.
بالنسبة لقوى المقاومة يمكن القول إن فعلها على الأرض لن يتغير خلال المرحلة المقبلة، وصولاً إلى إخراج قوات الاحتلال، ويبقى أن دعم المشاركين في العملية السياسية لمسار إخراجها لا يقلل من قيمة الفعل المقاوم الذي لولاه لما كانت الانتخابات والديمقراطية من الأصل، اللهم إلا إذا صدق البعض أن جورج بوش قد جاء إلى العراق من أجل أن يتمتع العراقيون بالحرية والديمقراطية.
من المؤكد أن الوضع المقبل سيوفر للأمريكان فرصة هزيمة مشرفة إذا بادروا إلى الخروج من العراق، أما إذا أصروا على ما يسمونه «إكمال المهمة»، فإن المقاومة ستتواصل بما تنطوي عليه من استنزاف مالي وبشري للأمريكيين وصولاًُ إلى هزيمة غير مشرفة ستكتب في تاريخ بوش الابن ومحافظيه الجدد، وسيكون لها ما بعدها بالنسبة لمستقبل الولايات المتحدة.
المصدر: السبيل
02/01/2006
أوراق مهمة من دفتر الانتخابات العراقية : ياسر الزعاترة
