من أسوأ سيئات مصطلح مكافة الارهاب خلطه المتعمد والمقصود بين المقاومة والارهاب، والحاحه المبرمج على دمغ المقاومين بسمة الارهاب ودمغته، ومن هنا نلحظ اعلام الكيان الصهيوني، وهو يلح منذ عشرات السنين على وصف المقاومين بالمخربين، والمقاومة بالعمليات التخريبية، وصولاً الى المصطلح الجديد: مكافحة الارهاب.
والخبث المركز فيهم انهم يتأبون كل اباء على تحديد المصطلح وحدوده، ومن يدخل تحته ومن يخرج من دائرته، وما الحد الفاصل بين المقاومة والارهاب؟ هذا تأباه الجهات التي ولّدت المصطلح وروجته، وضخته صبح مساء في وسائلنا حتى صار الأكثر شيوعاً ورواجاً وتردداً من بين كل المصطلحات في كل الأوقات. وهو أشدها ضبابية وغموضاً. وهذا الضباب مفتعل، والغموض مقصود، حتى يتم لمروجي المخدرات الفكرية ان يتسللوا في العتمة، فيبلغوا العقول فيتلاعبوا بها ويشكلوها كما تهوى أنفسهم.
ومن أخطر ما مني به العرب في هذه الحقبة النكدة، والمرحلة العسرة، أخطر ما دهاهم «الوهن» الذي نهاهم عنه ربهم في كتابه اكثر من مرة: «ولا تهنوا..» «فلا تهنوا وتدعوا الى السلم..»، «فما وهنوا لما أصابهم في سبيل الله وما ضعفوا وما استكانوا..».
أخطر أمراض الأمة في هذا العصر هذا المرض: الوهن، الناشئ جله من الوهم. توهم قوة العدو، وتوهم ضعف الذات، وهذا بدوره ناشئ عن فجاجة الفكر، وعدم رجاحة العقل، وضعف اليقين.. فهي ترابطية، وحلقة جهنمية يفضي بعضها الى بعض، ويقود بعضها الى بعض.
ولعل الصورة الكاريكاتورية التي ترسمها كتب التاريخ لحالتنا أيام التتار، حين كان جندي التتار يأمر مجموعة رجال بالانتظار حيث هم ليعود الى الدار فيحضر سيفه البتار، ويبقون في الانتظار، وكأن كلمة جندي التتار قدر من الاقدار..
هذه الصورة الهزلية ما أشبهها بحالتنا اليوم، ونحن نتنازل عن حقنا في المقاومة، ونبدأ بكولسات مع العدو، ومناقشة أجندات خفية معه، وطلب مكاسب تجود بها أريحيته. إذ يعترف بهذا ويعطي السلطة لهذا، ويمنع هذا ويمنح هذا.. هذا أشد مقاتلنا.
وما أسوأ كلمة قالها أحد رموز السلطة (التي لا سلطة فيها ولا لها..»، قال: ان أي رصاصة تطلق على «اسرائيل»، هي رصاصة تطلق في صدر الشعب الفلسطيني! ألا كبرت كلمة تخرج من أفواههم، أو.. ولا أريد ان اذكر الأخ المناضل، عندما كان -فرضاً وزعماً- مناضلاً وكان العرب كلهم يقولون عنه وعن اضرابه: ان المقاومة تهور ومغامرة وتضييع للتسوية وبالتالي تضييع للحقوق!
سبحان مغير الاحوال يا سي.. مناضل.
وأسوأ منهم من يفتون اتباعهم في العراق بان المقاومة خطيئة وان الاصطبار والانتظار هو الحل، أو أن الصناديق (المزورة من الداخل والخارج) هي الحل.
ولعمر الحق ما كانت الصناديق الطائفية يوماً هي الحل لاوطان محتلة. ولا لأوضاع مختلة. وانما مقاومة المحتل هي الحل. وأي حل غير هذا الحل، غوص في الوحل، وتجذير للمحتل.
مختصر القول: المقاومة حق، ومن تنازل عن حق المقاومة، ودخل في نهج المساومة، فقد تنازل عن حقه في وطنه.
والأنكى من هذا ان أصحاب هذا النهج يعيبون على أصحاب نهج المقاومة. ويقلبون التآمر مع أعداء الوطن والأمة ضد هؤلاء، والدعاوى الجاهزة ان هؤلاء يعطلون الحقوق. وما ان يقوم المقاومون بعمليات للمقاومة نوعية حتى يتداعى العرب لانقاذ المحتل، بدعاوى انقاذ الشعب المحتل.. وما يخدعون الا أنفسهم.
ان الواقع العربي الرديء لا يفكر الا التفكير الرديء الذي يطيل أمد الاحتلال ولا يقاومه.
المقاومة أقصر الطرق لاحقاق الحقوق، اما طريق التفاوض المجرد من قوة المقاومة، فطريق طويل غير مأمون ولا موصل الى نتائج، ولقد قالها شامير: سأجعل الفلسطينيين يتفاوضون معنا عشرين سنة ثم يعودون الى النقطة ذاتها.
وهذا ما قاله هيكل في آخر حلقاته حين تكلم عن «نظرية الاطار» في فن التفاوض الامريكي. وفي النهاية: المقاومة حق، وحق المقاومة حق يقره الحق ولا حق لاحد في التنازل عن هذا الحق.
المصدر : السبيل
02/01/2006
حــــق المقــــاومة : د. أحمد نوفل
