كيف ستتأثر المقاومة بالانتخابات التي جرت مؤخرا في العراق؟ سؤال مهم شغل اهتمام المتابعين للشأن العراقي، كل من زاويته.
المحتلون يمنون النفس بأن تسهم مشاركة كل الأطياف السياسية في الانتخابات بتهدئة وتيرة المقاومة. ومحللون سياسيون يقولون إن الاتهامات الواسعة بتزوير الانتخابات، والتي صدرت عن عشرات الهيئات السياسية المشاركة فيها، من شأنها أن تزيد حالة الغضب الشعبي لدى بعض القطاعات، ما يوفر سببا إضافيا لتصعيد المقاومة. أما المقاومة، فتعلن أنها مستمرة بمعزل عن المسار السياسي، وتربط استمرارها بوجود الاحتلال، وتؤكد إنها لن تتوقف أو تتراجع ما وجد احتلال على الأرض العراقية.
في العراق وفلسطين، تتبلور قاعدة جديدة من قواعد الصراع. فلاعتبارات واقعية، قد تحصل حالة اضطرار للتعاطي مع العملية السياسية، ربما لدرء مفاسد أكثر من جلب منافع، لكن ذلك التعاطي والفعل السياسي ليس على حساب المقاومة التي تبقى الخيار الوحيد الفاعل في دفع العدوان وإنهاء الاحتلال، وأي فعل سياسي لا تسنده مقاومة، يتحول إلى نوع من التفريط والعبث.
في الحالتين الفلسطينية والعراقية، ينبغي أن يشكل الفعل السياسي رافعة من روافع الفعل المقاوم، لا نقيضا له. الفعل السياسي ينبغي أن يوفر الغطاء والحماية والإسناد لمشروع المقاومة كما حصل في لبنان، حيث لم تتناقض مشاركة حزب الله في البرلمان مع عمله كمقاومة مشروعة لاحتلال الجنوب اللبناني، بل إن كتلة الوفاء للمقاومة أسهمت بصورة ملحوظة في توفير المزيد من التأييد والاحتضان الشعبي لمشروع المقاومة، الذي تحول من مشروع حزب ومجموعة، إلى مشروع وطني لكل اللبنانيين.
في فلسطين ولبنان، الحركات التي دخلت المعترك السياسي هي حركات المقاومة ذاتها، ما فرض عليها تحديات كبيرة، حيث تعالت الأصوات الناعقة: كيف يجوز لحركة أن تمارس السياسة والمقاومة في آن ؟ ورغم ذلك أصّرت المقاومة في لبنان، وتصر في فلسطين، على حقها في العمل المقاوم والسياسي كخطين متوازيين متكاملين.
الأمر مختلف في العراق، والتحدي أقل، والتناقض الموهوم غير قائم. فمن يقاوم هناك ليس من يشارك في الانتخابات، وحركات المقاومة اختارت عدم المشاركة وإن كانت وفرت الأمن لمن شاركوا فيها واتخذت توجها بالتهدئة يوم إجرائها، في خطوة دلّت على كثير من الوعي والحكمة والبصيرة تحلت بها تلك المقاومة.
بالتالي من يقاوم في العراق متحرر من كل تبعات المشاركة السياسية، في ذات الوقت هو لا يفرض تبعات مقاومته على من يشارك فيها، فليست ثمة علاقة عضوية بين الطرفين، وإن كان صحيح أن بعض من شاركوا في الانتخابات يعلنون تأييدهم الكامل للمقاومة.
لا خوف على المقاومة في فلسطين والعراق، كما لم يكن خوف عليها في لبنان. فثمة حالة وعي تتجذر، تسمح للناس بالعمل في مساحات متعددة دون تناقض.
المصدر : السبيل
02/01/2006
المقاومة.. والانتخابات في العراق :عاطف الجولاني
