ربما كان الأكثر أهمية لي في رد فريق التواصل الرسمي للخارجية الأمريكية ضمن تعليقات القراء على مقالي الأخير في الجزيرة نت والمعنون بعهدة واشنطن العراقية لإيران هو حساسية واشنطن من كشف أوراق قضية التقاطعات والتوافقات بين الجمهورية الإيرانية وبين الولايات المتحدة الأمريكية،
وقد صرح الناطق باسم الخارجية الأمريكية مؤخراً ومجدداً بأنه لا صفقات بينهما، ولا أدري هل نفي واشنطن وبناء على التجربة المهنية الإعلامية الواسعة كان يعني مصداقية النفي أم الإثبات؟ لا أريد أن أعطي حجماً أكبر لهذا الفريق الذي اعتمد ضمن سياسات الخارجية الأمريكية للرد والدفاع عن مواقف واشنطن في المنطقة العربية عبر إعلاميين من أصول عربية، ولا يحتاج تعليقه إلى رد، فمضمون المقالة التحليلية كان كافياً للتوضيح والوعي، لكن المهم هو قضية المدخل الذي تناولناه في الدراسة وهو جملة المواقف التي عززت بإعلان إياد علاوي أنه قد تم تبليغه بالفعل في واشنطن من البيت الأبيض أن عليه أن يدرك أن واشنطن لن تدعم أي حكومة لا تعتمدها طهران للمنطقة الخضراء، وما سبقه من الرسالة السرية للسيد السيستاني والتي صرح البيت الأبيض بتأكيدها كما أكدها مكتب السيد السيستاني، لكن لم يكشف مضمونها، وما نقل عن بايدن نائب الرئيس الأمريكي من مطالبته أن يحسم السيد السيستاني الخلاف الدائر بين أركان الائتلاف الطائفي الحاكم لتحديد شخصية رئيس الوزراء القادمة من هذا الائتلاف
المهم بالنسبة لنا في هذا المقال هو استمرار حضور عنصر الطائفية السياسية التي زامنت الاحتلال مع بقائها كعنصر مشترك يثبت عملياً وجود هذه التقاطعات
في ذات السياق أكد وزير الخارجية الإيراني السيد متقي أنه في صدد تنظيم حملة دبلوماسية لمواجهة زحف حركة طالبان وانهيار حكم كرزاي الذي عزز الحضور الإيراني تاريخياً في كابل، ولنلاحظ أن هذه التجديدات في ذات السياسة المشتركة للقطبين حديثة جداً وهي تدخل في أصل السياقات التي أدت إلى المشروع المشترك لاحتلال العراق وأفغانستان والمشاركة في صناعة العملية السياسية التي تسنده، وهنا لا بد من إيضاح مسألة مهمة وهي أن الحديث عن هذه التقاطعات ليس ضمن السيناريو الضحل الذي يردده البعض عن تطابق كامل بين القطبين لأسباب أيديولوجية، وأنه لا عداء بينهما، فهذا حديث تافه في التحليل السياسي لكن المقصود هو مبدأ تقاطع المصالح وأين تتأثر وكيف حين تبدأ موازين قواعد اللعبة تتغير وبالتالي يخضع هذا الطرف لذاك الطرف في مواقع وفقاً لتقديره أن هذا الخضوع أو التوافق المرحلي يحمل ضمنياً تنحية قوى أو خصم غير مرغوب فيه أو متفق على عداوته وتهديده للمصالح الاستراتيجية لكل منهما
وقد يلجأ أحدهما أو كليهما لمرحلة المحرقة الخلاقة كما يجري في العراق وفي بعض المناطق لتحقيق أرضية توازن لمصلحة هذا الطرف أو ذاك عبر اختراق جماعات العنف أو إنشائها لتغذية الصراع الطائفي الأهلي، وبالذات إذا كان هناك أفق مستقل تخشى واشنطن وطهران من استقراره وزحفه وطنياً في القطر المستهدف
إذا هناك قواعد استراتيجية تحكم لعبة الخليج تدور عند قاعدة مهمة؛ أين تذهب المصلحة وما هي نسبة كل طرف في التقاطع؟ وما هي المحرمات عنده وإلى أين تهدف توجهاته المرحلية؟ وهنا لابد من إدراك قضية مهمة أن هذه القواعد تتحرك وفقاً للمتغير على الأرض والمقارنات القائمة ولا تخضع لعملية التفويج الإعلامي للصراع والذي قد يكون جزءاً من قواعد اللعبة
هنا تبرز قضية مهمة لمنطقة الخليج العربي وهي أن خلوها من أي مبادرات أو إرادة لتحريك قواعد اللعبة لمصلحتها باستقلال عن تقاطع الخصمين يعزز المخاطر حولها، بل وفيها وهذا ما ثبتته الأحداث الأخيرة فعدم دعم المشروع الوطني العراقي المتواجد خارج العملية السياسية والقادر عن الاستقلال عنها بحكم طبيعة نشوئه والنابذ للحرب الطائفية وجسوره العربية الطبيعية واستقراره مذهبياً يؤدي إلى كشف العراق إلى مرحلة أخطر تكون ضرباتها أكثر تأثيراً لتصديع حالة الممانعة المجتمعية داخل دول الخليج العربي، فالمتحول هنا في قواعد اللعبة يزحف تلقائياً إلى مناطق الجوار العراقي وهذا ما شاهدنا آثاره المكثفة في الأشهر الماضية الجانب الثاني المهم هو لغة ووسائط الاستقبال خليجياً وأن مواجهة قضية الطائفية السياسية التي احترفتها طهران وتقاذفتها مع واشنطن لا يمكن أن يكون بجراعات من التلاسن المذهبي المتطرف خاصة إذا انتقل إلى جسم المجتمع الأهلي وهو ما يخشى من أن يهيئ لاستدراج خطير يؤدي إلى حضور العنف التعبيري والتنفيذي وتدخل عبره جماعات مهيأة كاختراق مخابراتي أو ثقافة ذاتية للعنف الطائفي فتتصدع الحالة المدنية وتفتح الأبواب في دول الخليج لتدخل دولي نسبي أو كلي، وهو تدخل سيتعامل مع المتغيرات القائمة على الواقع وليس ما هو مستقر في ذهن الموقف الرسمي في الخليج وذلك عبر دخول قضية الأقليات والغالبية ومناطق جغرافية إلى مدار خطير من التقسيم المجتمعي، وهذه المخاطر تتعزز حين تغيب أدوات الإصلاح التنفيذية للمشروع الوطني القائمة على توازن الغالبية وحقها في المرجعية الدستورية الضامنة للهوية والانتماء والأمن والمشاركة الوطنية الفعالة وهي في ذات الوقت تضمن العدالة الحقوقية للأقلية وفقاً لمبدأ الاستقلال والأمن الوطني الجمعي لدولة القطرية في نهاية الأمر فإن ما كنا نتحدث عن قربه منذ سنوات بدأ يدخل ويزحف لداخل مجلس التعاون الخليجي ليعود بالتذكير أن من لا يحترم قواعد اللعبة ويواجهها بدهاء تخترق أرضه ويدفع ضريبة حسابات الآخرين على حسابه حتى لو اعتقد أنهم حلفاؤه لكنه لم ينتبه إلى أين تغيرت مؤشرات اللعبة
لعبة الخليج .. الثابت والمتحول... مهنا الحبيل
