العراق اليوم وفي ظل الاحتلال الامريكي المزمع على الانسحاب كما يدعون وفي ظل كابوس آثار الاحتلال وتبعاته، العراق اليوم وتحت وطأة تأثير التمدد الايراني السياسي والعسكري والثقافي على ارضه وشعبه ومقوماته الثقافية.
العراق اليوم بلد مختلف تماماً عن كل بلدان العالم، فليس هناك مقياس يُستند اليه في قياس الاشياء والحكم عليها وليس ثمة قاعدة يُحتكم اليها في التقنين والمحاكاة وليس ثمة اطارٌ يمكن ان يحدد الاشياء والمسافات، اختلطت الامور واختلط الحابل بالنابل كما يقولون، فالسياسية امتهنها من لا يفهم منها الا النهب والمصلحة الشخصية وحب التسلط لكنه اصبح يتقن لغة الضحك على الشعب وتعلم خلال ممارسة السلطة بعض الكلمات وجد انه بحاجة الى ان يُسمعها بين الحين والآخر لهذا الشعب المغلوب على امره، يُظهر من خلالها زعامته وحنكته وقدرته على فعل المستحيل من اجل الشعب، وما اطول صبر هذا الشعب، حتى صبره يختلف عن صبر باقي شعوب الارض، نعم كل شيء مختلف في العراق حتى درجة الحرارة لا يشبهها حرارة في هذا الكون ومع ان كل شيء يغلي بارتفاع درجة الحرارة الا ان هذا الشعب قد فقد خواص المواد والاشياء فلم تعد الحرارة تفعل فعلها فيه!!
كانوا يقولون ان هناك تياراً وطنياً وانه مقاوم للاحتلال وانه شعبي وان له جماهير وان هذا التيار قد اصطدم مع الاحتلال ومع قوات حكومة ما تحت الاحتلال، وقالوا ان الكثير من أعضائه قد زُجَّ بهم في المعتقلات وان الحكومة قد غدرت بهم ولم تفِ بوعودها، وان اعادة القبول برئيسها مرة اخرى خط احمر وخيانة للجماهير، حتى ظن الناس ان زعماء هذا التيار على درجة من المصداقية والشجاعة والمبدئية لايدانيها احد، خاصة
وان هذا الموقف استمر لمدة ستة اشهر كانت التصريحات النارية تنطلق من افواه قيادات هذا التيار الجماهيري كما اسموه، وفجأة وخلافاً للسياقات المنطقية وتسلسل الحوادث تحول التيار الى داعم ومؤيد لمن انزل به اقسى الضربات ولمن ملأ المعتقلات بانصاره وأعضائه ومؤيديه، لم يعد العراقيون يفهمون شيئاً مما يجري على ارضهم، هل هذه هي السياسة التي تحدث عنها زعيم التيار عندما قال انهم سيلعبون لعبة السياسة كما يلعبها غيرهم، وهل خيانة الجماهير سياسة ام ان هذا الموقف يعبر عن حقيقة انه لا وطنية ولا مبدئية ولا موقف وانها المصلحة والمنفعة والتبعية لمن يصدر الاوامر من خلف الحدود، لقد فاجأ هذا التيار حلفاءه واصدقاءه وقواعده قبل ان يفاجئ اعداءه ومعارضيه فاجأهم بما لم يكونوا يتوقعونه منه بعد ان كان قد ملأ الإعلام ضجيجاً بادعاء المقاومة التي اسماها شريفة وان لا مقاومة غيرها وانه لا يمكن ان يضع يده في ايدي المتعاونين مع الاحتلال وانه لا يبحث عن السلطة او المناصب او المكاسب، واذا به يكشف عن حقيقته وينزع عن وجهه قناع الكذب ليظهر بصورته الحقيقية التي لا تختلف عن الآخرين من عملاء الاحتلال الامريكي والايراني واتباعهما وان ادعاءات المقاومة الوطنية لم يكن الا غطاءً لحماية المليشيات التي عاثت في الارض فساداً وفتكت بابناء الشعب العراقي، ولا ندري اين ذهبت تصريحات قادة هذا التيار التي كانت تشدد على ان موضوع تشكيل الحكومة هو شأن عراقي وطني وانهم لا يمكن ان يناقشوا هذا الموضوع خارج حدود العراق ولا يمكن ان يسمحوا لاية جهة خارجية بالتدخل في هذا الشأن فما الذي جرى وحول التدخل الخارجي الايراني بالذات الى امر واجب التنفيذ؟! وما الذي جرى وحول رغبة الاحتلال الذي يفترض ان تكون مرفوضة بتأييد ترشيح المالكي. نحن نفهم ان السياسة لا يمكن ان تكون ثابتة وانها تتغير بتغير المصالح الا ان ذلك ينطبق على العلاقات السياسية بين الدول ولا ينطبق على السياسة الداخلية لانه لا يمكن للسياسي ان يتخلى عن مبدئيته وشعاراته الوطنية لانها ستفقده ثقة الشعب.
لقد بدا واضحاً منذ البداية انه لا ديمقراطية في مثل الوضع السائد في العراق اليوم وفي ظل هيمنة الاحتلال الامريكي والايراني وان اكذوبة الدستور والقانون والحريات لا يمكن ان تنطلي على ابناء الشعب العراقي وكما قلنا في مواضع كثيرة فإن خروج جزء من ابناء هذا الشعب الى الانتخابات لم يكن يعني بالضرورة قناعتهم بالعملية السياسية ولا ديمقراطيتها وانما كان يعبر عن بحث الغريق عن قشة للنجاة وفي الوقت الذي راهنت فيه القوى الوطنية الرافضة للاحتلال على ان حجم الخراب والفساد والطائفية التي زرعها الاحتلال لا يمكن اصلاحه او ترقيعه من خلال المشاركة في الانتخابات او الانخراط بالعملية السياسية وان المخرج الوحيد هو مقاومة الاحتلال وطرده مع كل ذيوله وآثاره وتبعاته وان المقاومة الوطنية هي المعبر الوحيد عن الشعب المغدور والمخدوع بشعارات الديمقراطية وبالزعامات المزيفة التي لا تمتلك رصيداً حقيقياً من الثقافة السياسية او ثقة الشعب ولا تمتلك اي رصيد من المبدئية الوطنية التي يمكن ان تحصنها وتجعل منها قبساً يمكن الاستنارة به. وفي الوقت الذي بقيت ادارة الاحتلال الامريكي ومؤسساتها توحي للعالم انها ضد مشاركة التيار الصدري في اية حكومة اظهرت تطورات الحوادث في الاسبوع المنصرم ان ما يجري كان ذراً للرماد في العيون وانه لم يكن واقعاً حقيقياً وان هناك علاقات حميمة بين الطرفين والا فكيف يفسر القبول الامريكي لمشاركة التيار في حكومة يرأسها المالكي ويتبوء فيها اعضاء التيار مناصب كبيرة وهامة وهذا ما يفسر ايضاً الصراع الظاهري بين الادارة الامريكية والنظام الايراني في الوقت الذي يتفق الطرفان على دعم المالكي. اما عدم موافقة المجلس الاعلى وحزب الفضيلة على ترشيح المالكي فلا تعدو كونها مناورة لاظهار الوطنية ومحاولة محو صورة العمالة لايران المعروفة للشعب العراقي. اما الدستور فمن الضياع والمرونة والليونة ما يمكن طيه وتشكيله كما يشاء السياسي والا فهل يوجد بلد في العالم يعقد فيه البرلمان المنتخب جلسة واحدة ولمدة عشر دقائق ثم لا يعقد غيرها خلال سبعة اشهر بينما يتقاضى اعضاؤه ملايين الدنانير كرواتب ومخصصات ما انزل الله بها من سلطان بينما يشقى ابناء العراق من اجل لقمة العيش.
التحالف الكردستاني اللاعب على حبال السيرك يجد في المنحى الطائفي ومنهج المحاصصة فرصته السانحة في اضعاف الموقف الجمعي العراقي تجاه المطالب المشبوهة للاحزاب الكردية المنخرطة في العملية السياسية والساعية الى حصد المكاسب والمغانم الى حين تمخض الوضع الدولي والاقليمي والداخلي عن فرصة ملائمة لاعلان دولتها هذا التحالف يجد في سلطة يقودها المكالي استعداداً كبيراً للقبول بالتسليم لمطالبه حيث لا يهم مثل هذه السلطة بيع العراق ووحدته بقدر ما يهمها ان تبقى في سدة الحكم وتجني المغانم وتنهب الاموال وتقتل وتشرد العراقيين، وهذا التحالف لا يخفى دعوته وتأييده لتكريس واقع مذهبية المناصب وعرقيتها وقد صرح اكثر من قيادي فيه ان منصب رئيس الوزراء للتكتل الشيعي وقد شجعوا دولة القانون والائتلاف دوماً على ان يتفقوا على مرشح واحد وانهم سوف يدعمون هذا المرشح كما اعطوا اذناً صماء للقائمة العراقية وان كانوا يدغدغون مشاعرها بين الفينة والاخرى ببعض التصريحات التي لا تسمن ولا تغني من جوع ولا يمكن ان يُعتد بها والقائلة بأن التحالف الكردستاني يريد حكومة شراكة وطنية تساهم فيها كل الكتل الفائزة دون ان يشيروا الى استحقاق القائمة العراقية الانتخابي، وحتى هذا المنوال من التصريحات يهدف الى تكريس المحاصصة الطائفية التي بدونها يصبح التحالف الكردستاني رقماً غير ذي تأثير.
والا فكيف يطالب التحالف بمنصب رئاسة الجمهورية والذي يُعد المنصب السيادي الثاني في البلاد بينما يستغرب اعضاؤه ان يذهب المنصب الى قوائم تفوق عددهم من الكتل العربية، ألم يسأل القادة الكرد انفسهم كيف يحق لهم المطالبة بمنصب رئاسة الجمهورية بينما لا يحق للعراقية التي تشكل ضعفي عددهم المطالبة بهذا المنصب.
كل الامور مزيفة في عراق الاحتلال وكل الحقائق معكوسة وكل الاوراق مبعثرة ومقلوبة وكل المواقف مشبوهة وليس باستطاعة اي من ارباب العملية السياسية ان يحظى بثقة الشعب ولا تغرك ما تسمع عن نواب انتخبهم الشعب وعن رأي الناخب العراقي فكل ذلك زيف وتمثيل مسرحي وان كل الارقام قد حددت من قبل الاحتلال الامريكي ورديفه الايراني وان الصوت ا لوحيد المعبر عن الشعب هو المقاومة الوطنية التي لا يمكن ان يزايد على تضحياتها ودمائها الزكية احد في الداخل ولا في الخارج، وان على العراقيين المخلصين ان يكثفوا جهودهم لدحر الاحتلال وعمليته السياسية وآثارها المدمرة وإلا فانهم سيصبحوا يوماً ما ليجدوا انفسهم بلا عراق.
أخيراً سقطت الأقنعة لتظهر الوجوه الكالحة...كامل العبيدي
