تواجه أميركا بسبب حرب العراق مخاطر تهددها معنويا وماديا واقتصاديا، اما معنويا فيكفي ما دمرته من مصداقية وسمعة تتآكل يوما بعد يوم وقد تبين زيف مبررات
الحرب كما تبين زيف المحاولات العديدة لتغطية واقع الأمر واخفاء حقيقة ما يجري مما اجبر بوش مؤخرا تحت وطأة ما تواجهه قواته من شدائد وأهوال منذ بداية الاحتلال على الاعتراف (بارتكاب الأخطاء في جميع مراحل الحرب هناك والتي تبين انها اصعب مما توقع في البداية!) ولكن بعد (خراب مالطا) وهي الآن تغذ السير في الطريق نحو (خسارة الحرب) هناك فمئات التقارير الجادة والمستخلصات الرصينة التي وضعها استراتيجيون ضليعون حول دواعي ومبررات الخروج الفوري والكامل وفي مقدمتها دور الاحتلال في توليد (التمرد) والذي ما زال عاملا كما قال الجنرال كيسي قائد القوات في العراق في جلسة الاستماع الرسمية امام الكونغرس في ايلول الماضي مؤكدا ان خروج القوات سيوقف (التمرد) ـ وهي التسمية الاميركية للمقاومة الوطنية ـ حالا وبشكل آلي!!
واما التهديد المادي فقد ظهر تآكل القوة من خلال تراجع قدرة اميركا رغم (قوتها التدميرية الهائلة) على فرض سيطرتها الفعالة في بلد اختار طريق المقاومة كالعراق ما يعني انحسار قدرتها على التدخل والذي عبر عنه الجنرال أبي زيد (بأن حرب العراق افقدت أميركا القدرة على شن وكسب حربين معا). وهو ما حدث بالضبط في افغانستان فالعراق مباشرة والنتيجة صارخة!!
ويلحق بالتراجع في القوة الضاربة التراجع في القوة الاقتصادية كذلك فبالوقت الذي يتقهقر فيه الاقتصاد مع تحول مركز العالم الصناعي من الغرب باتجاه النصف الشرقي للقارة الآسيوية فان الحرب العراقية تعمق المأزق الاقتصادي الاميركي بارتفاع تكاليف الاحتلال وتراجع العوائد المرجوة بما فيها عوائد النفط.. وبالوقت الذي كانت تعول فيه أميركا على (تقدم الديمقراطية) للخروج من المستنقع الطيني فقد حدث العكس تماما فلم يتم (فرض) الحرية ولم يتحقق الامن والاستقرار بل تراجعا على نحو حاد واخيرا مع نتائج الانتخابات تلاشى اخر أمل بانبثاق الديمقراطية حيث كانت الامل الاخير لاحلال التوافق بين الاطراف العراقية الثلاث الكبرى وهو ما يعتبر بدوره واحدا من ثلاثة عناصر تحل اشكالية استمرار بقاء القوات واستمرار النزيف البشري والمادي حيث رفع كفاءة الجيش والشرطة لتحل محل قواتها يمثل العنصر الثاني واما الثالث فهو ضمان التزام دول الجوار بعدم التدخل في الشؤون العراقية ولكن التدخل الايراني وادخال ملايين البطاقات الانتخابية المزورة قلب هذه المعادلة وفتح الابواب لمخاطر اكبر بكثير عبر عنها كولن باول وزير الخارجية السابق في معرض تحذيره من الفرز الطائفي الذي عمقته نتائج الانتخابات التي تم التلاعب فيها لتهميش السنة واقصائهم من (استغلال الشيعة لفوزهم الكاسح في قمع السنة ما سيقود الى حرب أهلية محتومة).
رغم كل هذه الآثار الخطيرة مجتمعة التي نجمت عن حرب العراق فان الادارة الاميركية الحالية ستقاوم لتبقى هناك وذلك ببساطة لانها تتحرك بدوافع الايديولوجيا وليس الاستراتيجيا والذي برز كتوجه ظاهر نافر عقب هجمات ايلول 2001 حيث تم الاندفاع المجنون لمجموعة المتنفذين في واشنطن من (المحافظين الجدد) لاستكمال (المهمة المقدسة) للخروج من الانعزالية الى العالمية واعلان الهيمنة الاحادية على العالم بعد انهيار الاتحاد السوفياتي المدوي حيث اعيدت صياغة وصناعة العدو الجديد الذي يهدد تلك الاهداف (الرسالية) برصد مرشح اخر هو الإسلام!! وهو ما يحقق الهدف المضمر للمجموعة اياها والذي افصح عنه رؤساء اميركا ولخصه نيكسون عقب حرب الخليج الثانية في كتابه (اغتنموا الفرصة) بان لاميركا هدفا واحدا من تلك الحرب (النفط واسرائيل) وبكلمات اخرى قال انه (لا يوجد رئيس اميركي ولا كونغرس اميركي في السابق والآن ومستقبلا لا يلتزم بحماية اسرائيل) وهذا ما يفسر النداءات المحمومة لعدم الخروج من العراق!
وبهذا الترتيب الغريب للاولويات الاستراتيجية فاننا نرى وبقناعة راسخة وضمير مرتاح ان القمر الاميركي لن ينحسر مع دخول العام الجديد 2006 عن سماء المنطقة وان كان سيظهر كابيا شاحبا ذليلا!
2006.. هل ينحسر القمر الأميركي عن سماء المنطقة؟--مصطفى الدباغ
