تقاس القيمة الأساسية للدساتير في النظم السياسية بمدى قدرتها على استيعاب الحراك السياسي وامتصاص حدة التفاعلات والخلافات السياسية داخل بوتقة النظام السياسي وليس خارجه ،
الأمر الذي يضمن استقرار النظام وانسيابية انتقال وتداول السلطة بصورة سلمية بين الأطراف السياسية المتنافسة ، وعندما يعجز الدستور عن استيعاب المطبات أو احتواء الخلافات السياسية داخل حدوده ويتم تسويتها بآليات خارج نطاق بنوده يكون هذا الدستور قد فقد مضمونه كأسمى وثيقة ومرجعية قانونية في البلاد .
والدستور الحالي في العراق الذي فصلت أبوابه وفق مقاسات الاحتلال والقوى المتحالفة معه وحمل بين طياته بصورة دائمية بذور التقسيم والفتنة والمحاصصة الطائفية والعرقية ، لا يعاني فقط من تنصل القوى والأحزاب داخل العملية السياسية التي ساهمت في وضعه بإشراف الاحتلال فقط بل إنه لا يحظى في نفس الوقت برضا شرائح عريضة وأطراف سياسية كثيرة لا تعترف أصلا بتداعيات وإفرازات الاحتلال وترفض الثغرات والألغام التي كرست في مفاصل هذا الدستور لاسيما تلك التي تمس عروبة العراق ووحدته واستقلاله وترسيخ مبدأ المحاصصة كأساس وفلسفة لنظام الحكم في العراق مما يجعل منه وصفة جاهزة لتقسيم العراق وتفتيته .
وعلى مدى سبع سنوات من عمر الاحتلال ورغم تعاقب أربع حكومات ، بقيت عشرات القوانين التي نص عليها هذا الدستور والتي تتعلق بمعيشة المواطن حبرا على ورق ودون تشريع إلا بما يتوافق مع المصالح الضيقة للأحزاب الانفصالية والطائفية المتحالفة مع مشروع الاحتلال ، وإذا كان الدستور وهو أسمى وثيقة قانونية في البلاد عاجزا عن حل أخطر حلقة تتعلق بآلية تداول السلطة وكذلك تجاوز العملية السياسية لكافة التواريخ والمدد الزمنية الملزمة وغير القابلة للتمديد دون إعطاء بديل ملزم لأطراف العملية السياسية , الأمر الذي يعني قولا واحدا إن هذا الدستور أصبح خارج حلبة العملية السياسية وإنه لم يعد صالح للتعاطي السياسي والوطني وتم عوضا عنه اعتماد آلية عقد الصفقات ، مما يجعل منه ليس أكثر من ديكورا يتبرقع به الاحتلال وأطراف العملية السياسية للتبجح بالديمقراطية والحرية.
فعلى الرغم من إجراء الانتخابات العراقية في آذار المنصرم ومصادقة المحكمة الاتحادية على نتائجها ، فإن النص الدستوري الخاص بتشكيل الحكومة طبقا للمادة ( 76 ) لا يزال معطلا منذ أكثر من ستة أشهر والذي يشير إلى تكليف رئيس الجمهورية مرشح الكتلة النيابية الأكثر عددا بتشكيل مجلس الوزراء خلال خمسة عشر يوما من تاريخ انتخاب رئيس الجمهورية ، وكذلك لا يزال النص الدستوري المتعلق بانعقاد مجلس النواب خلال خمسة عشر يوما من تاريخ مصادقة المحكمة الاتحادية وفق المادة ( 54 ) معطلا منذ ستة أشهر ، مما يضع البلاد في نفق الفراغ الدستوري وفقدان الشرعية والمشروعية في تصريف أمور الدولة رقابيا وتنفيذيا نتيجة غياب الغطاء الدستوري .
دلالات الفراغ الدستوري في العراق.... د . خالد المعيني...
