هيئة علماء المسلمين في العراق

خطايا لا أخطاء في العراق--محمد خليفة
خطايا لا أخطاء في العراق--محمد خليفة خطايا لا أخطاء في العراق--محمد خليفة

خطايا لا أخطاء في العراق--محمد خليفة

لا جدال في أن بعض السياسيين والقادة يتخذون أحياناً القرارات المصيرية بمعزل عن الحقائق والحقيقة، ولا يستنطقون الحوادث ولا يشعرون بعواقب النتائج، ويجعلون القوة هي الحق، حتى إن كانت القوة هي التدمير والقتل شريطة ألا يكون وقعها عليهم، أما ما يوقعونه هم بالآخرين من ظلم وجور، فهو شيء شرعي وإنساني في نظرهم، إلاّ إذا ارتطموا بالكارثة عندئذ يشعرون بوخز الضمير وصراع الأهواء.
 
  والرئيس الأمريكي بوش، يعلن في مؤتمره الصحافي للعالم عن أنه اتخذ قرار دخول الحرب على العراق بناء على معلومات استخباراتية خاطئة، ولا نعلم إذا كان الرئيس بوش صادقاً في كلامه. لكنه على الأرجح، غير صادق ذلك أن قرار الحرب على العراق قد تم اتخاذه على أعلى المستويات في الولايات المتحدة بعد وقوع هجمات 11 سبتمبر/ أيلول 2001. وكان على الإدارة الأمريكية أن تخترع الأسباب والمسوغات الكافية لشنّ تلك الحرب التي خطط لها منذ وقت طويل. وتم الإدعاء بأن العراق لديه برامج للتسلح بأسلحة التدمير الشامل سواء منها الذرية أو البيولوجية. ونُسِجتْ آلاف الأكاذيب حول هذه البرامج المزعومة، وكانت فرق التفتيش الدولية تعمل منذ نحو عشر سنوات في العراق، ولم تترك هذه الفرق موقعاً حكومياً سواء أكان مدنياً أو عسكرياً، إلاّ دخلته وفتشته بحثاً عن برامج التسلح العراقي، حتى إنها فتشت غرفة النوم الخاصة بصدام. وقد أكدت هذه الفرق خلو العراق من برامج التسلح بأسلحة التدمير الشامل.
 
  لكن الولايات المتحدة ومن ورائها حليفتها بريطانيا، شككت في نتائج فرق التفتيش، وادعت أن صدام استطاع إخفاء برامجه وأنه يقدم رشى مالية لفرق التفتيش لكي لا تعمل بنزاهة. وتم اختراع كذبة صفقة يورانيوم النيجر، تلك الكذبة التي جاءت على لسان الاستخبارات الإيطالية التي ادعت أن العراق اشترى أطناناً من اليورانيوم من النيجر لاستخدامها في تصنيع قنبلة ذرية. وعلى الرغم من نفي كل من النيجر والعراق الحصول هذه الصفقة وتأكيد الفرنسيين للأمريكيين زيف الصفقة، إلاّ أن هذه الأكذوبة اعتمدت دليلاً لا لبس فيه على نوايا صدام “العدوانية”. ووقف وزير الخارجية الأمريكي السابق كولن باول، قبل وقوع الحرب، في مجلس الأمن ليقول: إن الحرب على العراق هي الوسيلة الوحيدة لإيقاف طموحات صدام التسلحية. وعرض عبر شاشة عرض في مجلس الأمن شريط فيديو ظهرت فيه شاحنة كبيرة قال عنها باول: إنها مصنع متحرك للسلاح البيولوجي في العراق. كما أن رئيس وزراء بريطانيا توني بلير، وقف في البرلمان البريطاني، وادعى هو الآخر أن العراق قادر خلال 45 دقيقة على تحريك صواريخه المزوّدة بأسلحة التدمير الشامل، وأنه لا بد من العمل السريع لتدمير العراق قبل أن تصبح لديه الإمكانية لتدميرنا.
 
  وقد وقف العالم أجمع في وجه الولايات المتحدة وحليفتها بريطانيا، وخرجت تظاهرات هائلة في معظم عواصم العالم رفضاً للحرب على العراق، حتى إن الحلفاء الأوروبيين (ألمانيا وفرنسا) رفضوا مجاراة الولايات المتحدة وبريطانيا في مخططاتهما. ولا ننسى خطاب المستشار الألماني السابق جيرهارد شرودر أمام البوندستاغ في شهر فبراير/ شباط العام ،2003 أي قبل بدء الحرب بشهر، عندما قال بلغة صريحة لا لبس فيها: إن العراق خالٍ من أسلحة الدمار الشامل. وكان هذا الكلام إشارة على أن الحرب على العراق واقعة لا محالة، وأن ألمانيا بريئة من المخططات الأمريكية البريطانية.
 
  لكن كل الاعتراضات العالمية لم تسعف في منع الولايات المتحدة من تنفيذ مخططها لتدمير العراق واحتلاله وتقسيمه. فوقعت الحرب الخاطئة وحققت القوات الغازية نصراً سهلاً على النظام في العراق، لكن الشعب العراقي الذي عُرف بإبائه العربي، وقف يقارع الغزاة. واستطاع هذا الشعب المحروم والمظلوم، رغم كل المؤامرات التي تُحاك من حوله لإخضاعه، أن يمرغ كبرياء القوة العظمى في الأرض. فقد توالت خسائر المحتلين في الأنفس والمعدات، فلا يكاد يمر يوم من دون حدوث هجمات على القوات الغازية وعجز الغزاة، رغم الأسلحة الهائلة التي بحوزتهم، عن كسر شوكة المقاومة التي تضرب بيد من نار وقلب من حديد. وتعالت الأصوات في الولايات المتحدة مطالبة بوقف النزيف البشري والمادي في العراق، وبدأ نواب الحزب الديمقراطي في الكونجرس يطالبون بسحب الجيش الأمريكي بعدما تبيّن لهم أن النصر الموعود من قبل الرئيس بوش لم يتحقق، وأن المشروع الاستعماري الأمريكي في العراق قد ذهب أدراج الرياح.
 
  وإزاء تصاعد الضغط الداخلي، عاد بوش إلى صوابه، لا حباً بقول الحقيقة، بل خوفاً من نتائج التعالي على الواقع التي قد تؤدي به خارج البيت الأبيض حتى قبل انتهاء مدة ولايته. لذلك جلس على كرسي الاعتراف، لكن ليس أمام الكاهن، بل أمام الشعب الأمريكي، وقال بالفم الملآن إنه استند إلى معلومات استخبارية خاطئة في شنّ الحرب على العراق. لكن هل يعقل أن تخطئ الاستخبارات المركزية الأمريكية “سي آي إيه” التي يقال، إنها تحصي أنفاس الخلائق أجمعين في معرفة ما إذا كان العراق يحوز أسلحة دمار شامل أم لا؟ وإذا كان بوش قد اعترف بخطئه بعدما زرع الذعر والدمار وحوّل العراق إلى خراب، وقتل أكثر من مئة ألف إنسان عراقي بريء في هذه الحرب الخاطئة كما قال في تصريحه، فهل يعترف بذنبه ومسؤوليته عن هذه المعاناة البشرية التي لا سابق لها ولم تشهدها العصور القديمة ويسحب قواته ويترك هذا البلد لأهله، أم أن الاعتراف بالخطأ لا يعني الاعتراف بالجريمة؟

أضف تعليق