لاشك ان هدف احتلال العراق وتدميره شعباً ووطناً واخراجه من معادلة الصراع العربي الصهيوني بل واخراجه من معادلة الصراع الاشمل بين الشعوب التي تتعرض للقهر والظلم وانتهاك الحقوق والتي تُمنع من ممارسة حقها في الحياة وبين قوى الظلم والهمينة في العالم،
لاشك ان هذا الهدف كان هدفاً صهيونياً بل كان امنية وحلماً التقى وانسجم مع اهداف دولة العدوان العظمى في العالم الولايات المتحدة الامريكية ومن ساندها وشاركها العدوان من دول الوحشية والهمجية التي تدعي زوراً التمدن والديمقراطية وتحمل زوراً راية الحرية وترفع زوراً شعارات حقوق الانسان ومن سوء حظ العراق والعراقيين ان هذه الاهداف مجتمعة قد التقت مع اجندات بعض جيران العراق مثل ايران وغيرها والتي كانت تتربص بالعراق فاغتنمت فرصة هذه الهجمة العدوانية البشعة التي فتحت امامها ابواب احلامها المريضة في تحقيق اطماعها اولاً وفي الثأر لكل الاحباطات والهزائم التي الحقها بها العراقيون قديماً وحديثاً في كل منازلة كانت تفرضها عليهم بفعل حقدها على كل العرب والمسلمين وهي تعلم ان العراق هو الجدار الواقي وهو رأس الرمح الصلب في الجبهة العربية الاسلامية وان تحطيم هذا الجدار وتكسير هذا الرمح سيجعل الباب مفتوحاً على مصراعيه امام الاندفاع لتحقيق ما عجزت عنه بوجود العراق بلداً قوياً وحصيناً وموحداً ولاشك كذلك فإن هؤلاء الاعداء مجتمعين قد ادركوا ان العراق لا يمكن ان يهزم الا من خلال استهداف وحدته الوطنية وشرذمته طائفياً وقومياً وهذا ما حصل بالفعل بعد احتلال العراق وما كان حاصلاً حتى قبل احتلال العراق من خلال تشكيله ما سمي بقوى المعارضة التي رعتها المخابرات الامريكية في نفس الوقت الذي كانت تتربى في احضان المخابرات الايرانية رغم اختلاف الشعارات المطروحة اعلامياً من قبل الادارة الامريكية ونظام الملالي في طهران وتصويرهما وكانهما قطبان على وشك الاصطدام كما يحصل الآن. وكما ابدى الطرفان الامريكي والايراني كل التسهيلات للعملاء والخونة لتسيير قطار غزو العراق قبل الغزو فقد ابدى الجانبان الامريكي والايراني الكثير من المرونة والتعاون بل والشراكة خلال مرحلة العدوان والمرحلة التي اعقبته من الاحتلال وتقاسما الادوار وخدم بعضهما الآخر على طريق نفس الاهداف رغم التناحر الظاهري بينهما ورغم ما يسمى بالملفات الشائكة.
وكما اشرنا في بداية الحديث اعتمد الطرفان الامريكي الصهيوني والايراني على تكريس الحالة الطائفية والعرقية وجعلها اساساً لما اسموه العراق الجديد والعملية السياسية فيه بعد ان وجهوا طعناتهم من كل الاتجاهات للنخب الوطنية الواعية من كل الاطياف التي كانت صمام الامان امام الانزلاق في منزلق الطائفية والعرقية المقيتة فقتلوهم وشردوهم وملؤوا بهم المعتقلات ما جعل الساحة خالية خلقت خلالها البيئة الملائمة لبث سموم التفرقة وايصال الحالة الى وضع الاقتتال كما حدث خلال الاعوام 2005، 2006، 2007 والذي تمكن الشعب العراقي من تجميده نسبياً لكنه مازال كالجمر تحت الرماد يمكن ان يؤجج ناره العدو كلما اراد ان ينفخ فيه وحسب متطلبات الموقف.
وهكذا كان نهج الاحتلال خلال الثماني سنوات المنصرمة وعلى نفس المنوال نهج الاحتلال الباطن (الاحتلال الايراني) ورغم ان مصالح الطرفين الايراني والامريكي الصهيوني قد تتقاطع في مرحلة ما الا ان هدف تدمير العراق وتحويله الى دولة قائمة على اساس طائفي وعرقي ومحاولة اقتلاعه من جذوره العربية والغاء هوية مواطنيه العربية ومسح تاريخه وحضارته ومرتكزات شعبه الثقافية يبقى هدفاً مشتركاً متفقاً عليه بين الطرفين. وهذا بالضبط ما يجري على الساحة العراقية اليوم، فعلى الرغم من بعض المتغيرات التي افرزتها الانتخابات التي جرت في السابع من آذار المنصرم والتي تمخضت عن نتيجة لم يكن يتوقعها الاحتلال الامريكي والنظام الايراني، فكان حصول القائمة العراقية على الصدارة في نتائج الانتخابات رغم التزوير والتحوير والاجتثاث والاغتيال والاعتقال، كان حصولها على الصدارة صدمة لايران ولعملائها الذين بذلوا اقصى ما يستطيعون من مبتكرات الاجرام لتكون النتيجة لصالحهم، كما شكلت هذه النتيجة حرجاً لادارة الاحتلال الامريكي التي اسست لاستمرار نهج المحاصصة الطائفية في حكم العراق وروجت لأحقية الاغلبية الشيعية في قيادة الدولة رغم الشكوك التي تكتنف النسب المعلنة للسكان والتي لا يرغب الشعب العراقي ان تأخذ هذا المنحى، ولقد كانت القائمة العراقية رغم ملاحظاتنا ورأينا في كل القوى الداخلة فيما سمي بالعملية السياسية في ظل الاحتلال تشكل نسيجاً مختلطاً يحاول تجاوز الطائفية والعرقية والتعبير عن حالة عراقية رغم ضعفها وهشاشتها احرجت ادارة الاحتلال الامريكي التي تدعي الديمقراطية وتروج لفكرة ان صناديق الاقتراع هي الحكم الفصل بين السياسيين فاسقط في يدها فلا هي راغبة في دعم القائمة الفائزة التي ترفع شعارالتغيير والمصالحة ونبذ الطائفية لان ذلك يضرب ستراتيجتها الهادفة الى تقسيم الشعب العراقي في الصميم ولا هي قادرة على دعم المشروع الطائفي بشكل مفضوح لان ذلك يشكل فضحاً لادعاءات الديمقراطية واحترام رأي الناخب.
كل ذلك جعل تشكيل الحكومة امراً معقداً بعد مرور ستة اشهر على ظهور نتائج الانتخابات، وكانت بدايات خرق الديمقراطية الامريكية سكوت اداراتها على الرأي المتأرجح والمتناقض للمحكمة الاتحادية التي لم يقر الدستور دورها في تفسير مواده والتي اسقطت احقية القائمة الفائزة وهي العراقية في تشكيل الحكومة، بينما لجأت جارة السوء ايران الى استخدام اوراقها وتحريك عملائها لتأسيس تجمع طائفي رغم الخلافات العميقة بين (دولة القانون) والائتلاف المسمى وطنياً اريد منه تشكيل الكتلة الاكبر التي لم تستطع حتى الان تقديم مرشح عنها ولم يكن واجبها سوى سحب البساط من القائمة الفائزة بينما بقي تكتل الاحزاب الكردية واقفاً على التل متربصاً الفرصة السانحة لاقتناص المزيد من المكاسب والاستحواذ على المزيد من المصالح وفرض ما امكنه من الشروط لدعم المرشح لرئاسة الوزراء.
الموقف الايراني لم يعد بالامكان اخفاؤه او القول بأن ايران لا تتدخل في الشأن العراقي بعد تصريحات اقطاب النظام وعلى رأسهم رئيسهم (احمدي نجاد) الذي لم يخجل من القول بأن رئاسة الوزراء حق من حقوق التكتل الشيعي وهو يمارس اليوم دور السمسار لمرشح هذا التحالف ويضغط على بعض رؤوساء ودول المنطقة لتكوين رأي اقليمي داعم لترشيح المالكي كما فعل ذلك مع الرئيس المسمى عراقياً (جلال الطالباني) وللاسف فقد تمكن من ادخال سوريا في نفس الخندق.
ان التجديد لولاية ثانية للمالكي او تعيين رئيس وزراء أياً كان من هذا التحالف المتشكل على اساس طائفي يحظى برضا نظام الملالي وموافقة ادارة الاحتلال الامريكي يشكل اخطر منعطف في تاريخ العراق لانه اذا ما نجح هذه المرة فإنه وخلال سني حكمه القادمة سيضع العراق ولحقبة طويلة على منهج حكم طائفي لا يمكن الخلاص منه وقد ينجم عن ممارساتها التي خبرها الشعب العراقي خلال حقبة الحكم السابقة وصول الوضع في العراق الى حالة من الصراع يصبح فيها التقسيم امراً مقبولاً من قبل الجميع وهذا ما يفرح الادارة الامريكية وكيانهاه الصهيوني وحليفتهما في الباطن (ايران). ورغم ان القائمة العراقية بزعامة (اياد علاوي) قد رفضت ترشيح المالكي ورفضت الاعتراف بما سمي بالتحالف الوطني واعلنت انها لن تشارك في اية حكومة على هذا الاساس الا انها تخضع لضغوط شديدة من الجانب الامريكي والايراني مع موقف غير موحد وغير واضح من الدول العربية خاصة التي تشعر بمخاطر الدور الايراني عليها وعلى المنطقة عموماً.
ان الولايات المتحدة الامريكية التي تعمل في الظاهر على بلورة موقف عربي ضد ايران فيما يتعلق بالملف النووي لا تبدو جدية في هذا الموضوع الا بقدر اخافة الدول العربية وجعلها تفتح خزائنها لشركات السلاح الامريكية.
وهي في قرارة نفسها تبدو ممتنة للموقف الايراني الذي يشكل لها اساساً لابتزاز هذه الدول واستنزاف ثرواتها واستمرار التحكم بنفطها.
ويشعر كل من خالف الحالة الوطنية الرافضة للاحتلال بمشاركته في العملية السياسية ومنحها الشرعية ممثلاً لطائفة معينة او شريحة اجتماعية معينة يشعر اليوم وان لم يعلن انه قد ساهم في خلق ودعم الحالة المدمرة للعراق والتي اسس لها الاحتلال الامريكي بالتعاون مع نظام الملالي وبتخطيط وتوجيه صهيوني.
اخيراً على العراقيين ان ينتبهوا الى خطورة المخطط وان يعبروا عن رأيهم ويترجموا موقفهم الى حالة عملية وفق ما تسمح به امكاناتهم بدعم المقاومة التي تمثل المشروع الوحيد لانقاذ العراق من مصيره المجهول.
مصير العراق على كف عفريت.. بين الأهداف الأمريكية الصهيونية والأجندة الإيرانية... كامل العبيدي
