كما أن في السفر تكمن سبع فوائد، فقد أضفتُ إلى قناعاتي المباغتة جرحاً جديداً إذ بيّن الوضوح لي من غير أن يقدّم لي أكثر من تبريرات صفراء بأن الاعتدال نعمة، بل هو فن الفنون يتخطى في أهميته فن الفشل العربي الرسمي العامّ في المواقف والسياسات وإدراة الأزمات وتسيير الإعلام. وإليكم يا سادة يا كرام ملخصاً عن صرختي المعتدلة ونحن على أبواب استقبال العام الجديد.
هذا وبعدَ أن حبّرت ما حبّرت من كتابات، وبعد أن عُرِف عن قلمي المتواضع نزعة "متطرفة" تتعارض وتتنافر كلياً مع برامج أسواق الهوان المفتوحة من شوارعنا وعواصمنا إلى خواصرنا وحواضرنا، فقد أسبغَ عليّ أحد المعروفين بمهاجمة كل الأنام من دول وقيادات - ما خلا دولة بحجم طابع بريدي ملصوق فوق قاعدة أميركية - لقب "الكاتب المشاغب" فامتنعَ والحمد لله عن نشر زفراتي على صفحات صحيفته اليومية!.
وعلى الرغم من جهلي المطبق بـ"علم المكائد والواسطات" إلاّ أنني استطعت الإمساك ببعض خيوط المعنى وفهم اللعبة على ضوء ما ترسله مفردات الكلام المعتدل! أَوَلَسنا من منطقة توصف عموماً باعتدال المناخ وحرارة التقلبات السياسية؟!.
إذن فلتذهب إلى سكة الحياد كل قطارات البوح الصريح، وليسترح الكلام الذي يمكن أن يُشمَّ من أغراضه رائحة تحريض، ولتكتب حسب بغية البعض مقالات مدفوعة الأجر تمتدح غزو البلاد والتنكيل بالعباد والترويج "لديمقرطية" المتوحشين الأسياد!، وبهذا تنعم ولا تندم وتحرق دمك بغزارة الزفرات!.
وإليك في جمل سريعة وخطوط عامة دليل الوصول إلى الهناء الذي لا يعيبه شيء سوى الهوان والاستخذاء واستجداء اللئام!.
تخصص في الكتابة التي لا تغضب ولا تثير أحداً، فاكتب عن الراقصات والمغنيات والمغنين وعروض الأزياء ومبارايات كرة القدم وابحث عن فضيحة تكسبك عيشاً!.
اكتبْ عن عين الأعور قصائد مديح فلعلكَ تستلم وظيفة معتبرة تدرّ عليك دخلاً مجزياً من إحدى فضائيات التطبيع والتلميع وتمييع الصراع مع العدو!.
لا تتنقد غزو العراق، لا تتحدث عن عمليات الهدم والقصف الأعمى واغتصاب النساء وإهانة الرجال وترويع الأطفال وقتل الشيوخ في سجون سادّية، وتزوير الانتخابات وسرقة ممتلكات وثروات الشعب العراقي الأبي، ولا تذكر المقاومة العراقية الباسلة بكلمة خير!.
إيّاكَ ثم إيّاك أن يحتوي مقالك على عبارات تأييد لسوريا، فإنك إن فعلت فسنحجب مقالك ونشكك في اعتدالك. أما إذا هاجمت دمشق فانظر في أية زاوية سنبرز كتاباتك!!.
سارع إلى إدانة كل عملية فلسطينية حتى تلك الموجهة إلى جنود الاحتلال البغيض في الضفة الغربية، وذلك لتبرهن لنا على موقف حصيف يقدِّر المصلحة العامة ويظل يدعو إلى التهدئة ومزاياها حتى لو قضى الصهاينة المجرمون على آخر فلسطيني!.
بهذا تكون مقبولاً ومطلوباً ومدعوماً ومُصنفاً في لائحة العقلاء الذين يسايرون المزاج الإمبريالي الشرير ويعملون ويتحركون وينظرون وفقاً لمزاجه وعلى هدي إرشاداته وتعليماته وتحت عناوين غزواته وتهديداته وأكاذيبه.
يبدو أنني - مع مطلع هذه السنة الجديدة - سأفصّل عباءة اعتدال ألبسها في كلِّ فصولِ القهر والظلم والاستغلال. وكإثبات على حسن النية لن أختتمَ هذه المقالة بالحديث عن سوريا وصمودها بوجهة الهجمات متعددة الأنياب والمخالب، ولن أكتبَ أي حرف عن صقور ونسور وأبطال فلسطين والعراق.
قد أصبحتُ من المعتدلين!. وها أنا ذا أغادر حبري متمنياً لشعوبنا العربية والإسلامية عاماً سعيداً معتدلاً على الدوام!!.
وكالات
31/12/2005
مقالة في الاعتــــدال!.. سليمان نزال
