في كل صباح يصطف طابور طويل من النساء والاطفال امام مناطق جمع النفايات المنتشرة في ضواحي العاصمة بغداد بانتظار ان تفتح تلك المناطق ابوابها لتنطلق هذه الشريحة من
المجتمع العراقي وتبدأ بالبحث بين اكوام النفايات عن بقايا الاطعمة او شيء يمكن ان تستفيد منه نتيجة الفقر المدقع الذي يعيشه اكثر من 30 % من العراقيين نتيجة استمرار الاحتلال الغاشم وعدم اهتمام المسؤولين في الحكومات المتعاقبة بما يعانيه ابناء هذا البلد الجريح من مآس وويلات .
ففي احدى الزوايا من محطة النفايات المؤقتة الواقعة بالقرب من مرآب النقل العام بمنطقة البياع، جنوب غرب بغداد تقف مجموعة من النساء اللاتي يرتدين عباءات قد تغيرت الوانها من الاسود الى الرمادي وهن يحملن عصيا تساعدهن في تقليب النفايات علهن يجدن فيها ما ينفع لاطعام اولادهن بعد ان فقدن رب العائلة الذي اما قتل في اعمال العنف الطائفي التي تجتاح هذا البلد او ما زال يرزح في السجون الحكومية، فيما يتواجد في الزاوية الاخرى عدد من الاطفال وسط الروائح الكريهة التي تنبعث من تلال النفايات وهم يتناوبون البحث بين الازبال عسى أن يجدوا ما ينفع لغذاء عوائلهم الجائعة التي دفعتهم الى هذه "المهنة الجديدة" التي لم يألفها العراقيون قبل الاحتلال البغيض .
وما ان تنتهي السيارات الخاصة بنقل النفايات من تفريغ حمولتها في تلك المنطقة وسط الدخان الاسود والاصوات العالية التي تنبعث منها يتكرر ذلك المشهد المأساوي يوميا منذ بزوغ الفجر وحتى الثانية بعد الظهر، وهو موعد انتهاء الدوام الرسمي لموظفي البلدية.
واستطلعت المصادر الصحفية التي رصدت هذه الظاهرة التي اصبحت واحدة من الظواهر الشاذة التي يشهدها العراق في ظل الاحتلال، آراء عدد من المواطنين في منطقة البياع التي يعاني سكانها من الروائح الكريهة وانتشار الذباب والجرذان والكلاب السائبة .
ونسبت الى المواطن ( سلام ) الذي يقع منزله مقابل (المحطة التحويلية المؤقتة للنفايات) قوله : لقد اختنقنا من رائحة النفايات ولم نستطع الخروج والوقوف امام ابواب منازلنا .. متسائلا هل هذه عقوبة جماعية تنفذها السلطات الحكومية ضد سكان المنطقة ومواطنيها ؟.
كما قال مواطن آخر يدعى ( محمد مسلم ) وهو سائق سيارة نوع "كيا" يعمل في مرآب البياع ان الروائح المنبعثة من هذه المحطة لا يمكن تحملها، لكن ذلك اصبح روتينا وكأننا أدمنـّا على استنشاق الهواء الفاسد ومنظر تلال النفايات التي تجاوز ارتفاعها عدة امتار.
من جانبه علق المدعو ( فراس محسن ) من سكنة منطقة حي الجهاد على ظاهرة تجمع النفايات بشكل عشوائي قائلاً: ان ازدياد تكدس الازبال في هذه المنطقة يوما بعد آخر اصبحت ظاهرة مألوفة ، بعد ان تعدت مكان الحاويات لتصل الى حافات الطرق والشوارع، وأخذت تعيق حركة المارة والسيارات .. مؤكدا ان حرق تلك النفايات في مكانها وسط ارتفاع درجات حرارة الصيف وانقطاع التيار الكهربائي المستمر تسبب بتلوث البيئة وازدياد حالات الاختناق بين صفوف المواطنين وخاصة الذي يعانون من امراض التنفس المزمن .
ورأى مواطن آخر في المنطقة نفسها ان عمال البلدية يزيدون الطين بلة عندما يقومون بحرق النفايات داخل الحاويات الكونكريتية ويتركون الدخان الكثيف يتصاعد منها ما يضطر ابناء الحي الى اخماد النار والدخان المنبعث من تلك الحاويات التي وضعت بشكل غير قانوني في الجزرات الوسطية للمنطقة .
واوضحت المصادر ان جانب الرصافة لا يختلف عن جانب الكرخ الا بشيء واحد، وهو ان الاشخاص الذين يبحثون في النفايات في جانب الكرخ يتم ترحيلهم بعد أن يحصلوا على ما يبحثون عنه، لكن الناس في منطقة المعامل والعبيدي وقسم من مدينة الصدر، يسكنون بالقرب من اماكن جمع النفايات، حيث شيدوا بيوتاً من الصفيح، بعد فشلهم في الحصول على اماكن للسكن وعدم امتلاكهم ما يدفعونه لاستئجار منازل مناسبة اضافة الى قربهم من ما يسمى بمصدر رزقهم في هذه المهنة التي اطلق عليها مصطلح "سمسرة النفايات" .
واشارت المصادر الى ان هؤلاء الناس يفتحون مزادا صباحيا في بيع حمولة السيارات التي تنقل النفايات خصوصا تلك القادمة من مناطق الكرادة وزيونة والمناطق الراقية الاخرى في بغداد والتي قد تحوي بعض الاشياء النافعة مثل العلب البلاستيكية الخاصة بالماء المعقم وعلب المشروبات الغازية والمواد البلاستكية التي يزداد الطلب عليها طوال فصل الصيف، حيث يتم فرزها وبيعها مجددا الى اصحاب المعامل والورش الخاصة بتعبئة المياه والمشروبات الغازية.
وفي هذا المجال يقول المواطن ( ابو جبار ) من سكنة منطقة المعامل: ان هذه المنطقة المهملة منذ سنوات اصبحت من المناطق المخصصة لطمر النفايات .. مؤكدا ان المواطنين في تلك المنطقة اعتادوا على العيش بين اكوام النفايات التي تحيط بهم من كل جانب واصبحت القوارض والكلاب السائبة ترافق اطفالهم في تجوالهم ليلاً ونهار ، لان ما يحصلون عليه من بيع النفايات يساعد عوائلهم في توفير جزء من متطلبات الحياة .
واوضح مواطن آخر يدعى "ابو سجاد " من سكنة المنطقة نفسها ان الاطفال يلهون بالنفايات منذ الصباح وحتى غروب الشمس، ولا يعرفون معنى النظافة التي لا تصادف اجسادهم عدة اشهر، وذلك لعدم توفر الماء والكهرباء ولان ما يحصلون عليه من الماء عبر الصهاريج لا يكفي حتى للشرب وطهي الطعام الذي يطبخ خارج البيوت بطريقة بدائية تتمثل في اشعال بقايا النفايات كالاوراق والاخشاب التي يتصاعد منها دخان يساهم في تلوث المنطقة بصورة خاصة والبيئة بشكل عام .
وازاء ما تقدم فان ظاهرة انتشار النفايات التي تعد واحدة من مخلفات الاحتلال المقيت الذي ما زال جاثما على صدور العراقيين منذ عام 2003 اصبحت من المشكلات الخطيرة التي فشلت جميع الحكومات المتعاقبة في وضع حلول ناجعة لها بالرغم من امتلاك العراق للثروات الكبيرة وخاصة واردات النفط التي يحتل هذا البلد الجريح المرتبة الثانية بين دول العالم التي تمتلك هذه المادة الحيوية ، ليصبح العراقيون بذلك كـ( العيس في البيداء يقتلها الظمأ والماء فوق ظهورها محمول ).
وكالات + الهيئة نت
ح
في ظل استمرار الاوضاع المتدهورة .. النساء والاطفال ابطال تجارة النفايات في بغداد
