هيئة علماء المسلمين في العراق

مفوضية غير مستقلة تهدد وحدة العراق.. د. حميد السعدون
مفوضية غير مستقلة تهدد وحدة العراق.. د. حميد السعدون مفوضية غير مستقلة تهدد وحدة العراق.. د. حميد السعدون

مفوضية غير مستقلة تهدد وحدة العراق.. د. حميد السعدون

لا يختلف عراقيان على اهمية وضرورة الخيار الديمقراطي في بناء العراق الحالي الذي حطمته الولايات المتحدة وفككته وسحقت ثرواته ونهبت موارده بعون ومساعدة “الحواسم” ممن جاءوا على ظهر دباباتها او الذين سهلت دخولهم لاحقاً ليعيثوا قتلاً في الأبرياء دون وازع من ضمير او دين، وقد كان امل الجميع ان يكون الخيار الديمقراطي عاملاً اساسياً في توكيد وحدة العراق ارضاً وشعباً وسيادة رغم ادراكهم بأن هذا الخيار لن يكون شفافاً او نزيهاً بأية معايير دولية تتعامل معه، مع قبولهم بأية خسارة تكتيكية لخدمة الهدف الاستراتيجي المتلخص بوحدة العراق.

والانتخابات البرلمانية العراقية الاخيرة صممت ان تكون احدى محطات تحطيم العراق ودفعه نحو الكارثة خارقةً للمخطط الظلامي الذي تقوده “اسرائيل” وتنفذه الولايات المتحدة بديلاً عنها في العراق. فقد كان بامكان هذه الانتخابات ان يؤسس على نتائجها ركائز فعل ايجابية في البناء والنمو بما يمكن العراق من استعادة دوره الاقليمي والعربي، ويبعد كل الاخطار المحيطة به. لكن المفوضية العليا المستقلة للانتخابات كانت لها اجندة اخرى لا تمت بصلة لأي خيار وطني يستهدف التئام جروح العراق.

فقد سبق لهذه المفوضية ان مررت التزوير الحاصل في الاستفتاء على الدستور، والذي كان حجم رفضه في الوسط “الشيعي” يقارن برفضه في الوسط “السني” الا انها ارتأت ان تجيز الدستور وفقاً للمواقيت المعمولة في واشنطن، رغم قناعة الجميع بأن نسبة الرفض لمسودة الدستور كانت اكثر من الثلثين وفي اكثر من ثلاث محافظات ومع ذلك مر الدستور وشرع خدمة لمخططات المحتلين.

وحين اتفق ان تجرى الانتخابات البرلمانية في منتصف ديسمبر/ كانون الاول ،2005 كان امل الجميع ان تسلك المفوضية “المستقلة” طريقاً نزيهاً ولو لمرة واحدة تترجم من خلاله ما يجري على الارض بشكل حقيقي. الا ان الطبع غلب التطبع، مثلما يقولون، حينما عادت للعب دورها الاساسي الذي ترجمته قرارات سيئة الصيت والسمعة، “بول بريمر” الذي سن لها قانوناً خاصاً ابعدها فيه عن ان تكون خاضعة لأية جهة عراقية مع عدم ارتباطها بآليات عمل الامم المتحدة رغم كثرة قراراتها الخاصة بالشأن العراقي، اضافة الى ذلك انها خسرت مع وجود مجموعة من الموظفين المتناغمين وخطط المشروع الامريكي في العراق، ومن لون واحد طاغٍ، الامر الذي افقدها مصداقية التمثيل الحقيقي لمكونات العراق السياسية والاجتماعية، وجعل انحيازها لجهة دون اخرى تحصيل حاصل ما دام هذا الامر يخدم المخطط الامريكي، ناهيك عن الطعن في سلوكية هذا الكم الهائل من الموظفين واتهامهم بالفساد والرشوة رغم ما اغدق عليهم المحتل من رواتب كبيرة مع ما اضيف لهم من جهل وعدم خبرة في الانشطة المناطة بهم تمهيداً لجعلهم ادوات صماء تنفذ ما هو مناط بهم في مشروع الاحتلال.

لقد مارست المفوضية غير المستقلة للانتخابات دوراً سيادياً مناطاً بالدولة العراقية من دون ان يحق للأخيرة التدخل في الاجراءات المتخذة من قبلهم، وفي ذلك خرق لكل المعايير والقوانيين التي تتعلق بسيادة الدولة او بعلاقاتها مع الدول والمنظمات الدولية مما يجعل من هذه المفوضية دولةً داخل دولة، او انها اعادة استنساخ لمرحلة دول الوصاية التي طبقت على بعض دول العالم الثالث بعد الحربين الاولى والثانية، رغم ان الدولة الوصية كانت مرتبطة بمرجعية دولية، لكن مفوضية “برايمر” غير المستقلة مرتبطة بمكون شبحي لايمكن ان يُرى الا في واشنطن فقط ومع ذلك فالمطلوب من العراقيين ان يتعاملوا مع ما تقوله وكأنه شئ مقدس.

ان ما مورس من تزييف وخداع وغش وتزوير في الانتخابات الاخيرة والذي سكتت عنه مفوضية “برايمر” رغم كل ما تقدم لها من شكاوى عن هذه الخروقات والتي جاوزت الالف طعن، اغلبه مصور بالصوت والصورة، يحيلنا لحقيقة الدور المناط بهذه المؤسسة التي خلقها المحتل والذي تمخض عما اعلنته من نتائج بما يهدد وحدة العراق وشعبه. فالغش والتزوير كانا علناً “وعلى عينك يا تاجر” كما يقول المثل الشعبي، ومع ذلك تعاملت هذه المفوضية مع ما وصلها وكأنه حصيلة نهائية دون ان تتعب نفسها التدقيق في حادثة واحدة، رغم ان التصويت في الكثير من المدن كبغداد والعمارة والسماوة والموصل والبصرة والحلة، وفي غيرها من المدن وصل الى حد 129% وفي ذلك سابقة جديدة اتحفتنا بها مفوضية “برايمر” في الشكل المتحقق لخدمة الهدف السياسي المناط بها تنفيذه على الارض حتى وان كان ذلك تهديداً لوحدة العراق وشعبه.

ان نتائج الانتخابات الاخيرة التي اعلنتها مفوضية “برايمر” تهدف تحديداً الى اشعال شرارة شر وايقاظ فتنة كبيرة تأكل الاخضر واليابس بما يجعلها بداية لموقد كبير يطحن العراق والمنطقة ما دام ذلك الامر يتناغم ومخطط المحتلين الامريكان.

أضف تعليق