هيئة علماء المسلمين في العراق

الصحة النفسية للإنسان ... د. ثامر براك
الصحة النفسية للإنسان ... د. ثامر براك الصحة النفسية للإنسان ... د. ثامر براك

الصحة النفسية للإنسان ... د. ثامر براك

الأمراض نوعان: الامراض النفسية، والأمراض العضوية، والطب تبعا لها طبان: الطب النفسي والطب العضوي، والاسلام دين علم وواقع، وهو يرشد اتباعه الى التطبب بقسميه، من تلك الامراض بنوعيها، ويفرق بينهما، ويقر بوجود تأثر وتأثير بينهما، لكنه يحذر من ان يلغي احدهما الآخر، او يحل محله. وتراثنا الفكري والادبي زاخر بحكايات واحوال تدل على تنبه المسلمين المبكر الى تلك الاشياء، منها ما ورد في كتاب (المستطرف في كل فن مستظرف) لـ شهاب الدين محمد بن أحمد أبي الفتح الأبشيهي (ت 800هـ) (ج 2 ص 506) : ان عبد الله بن جعفر الطيار دخل على الخليفة عبد الملك بن مروان فوجده يتأوه؛ فقال: ما الذي تشكوه يا أمير المؤمنين؟! قال : هاج بي عرق النسا في ليلتي هذه، فبلغ مني ما ترى؛ فقال: إن بديحا –مولاي- أرقى الخلق منه، فأمر باحضاره، فلما مثل بين يديه، قال عبد الملك: يا بديح أرق رجلي! فقال: يا مولاي، أنا أرقى الناس لها، ثم وضع يده عليها، وجعل يقول ما لا يسمع!! فقال عبد الملك: قد وجدت راحة بهذه الرقية!! ثم طلب كتابتها؛ لئلا يهيج به الوجع بالليل، فقال له بديح: الطلاق يلزمه ما اكتبها إلا بتعجيل جائزتي!! فأمر له بمكافأة مجزية، فقال: يا أمير المؤمنين، الطلاق يلزمه ما أكتبها حتى تحمل جائزتي إلى بيتي!! قال: تحمل، فحملت، فقال: يا أمير المؤمنين، الطلاق يلزمه ما رقيت رجلك إلا مباسطة بقول نصيب، حيث قال:
ألا إنّ لَيلَى العامريّةَ أصبحَتْ ... على النأي منِّي ذنبَ غيريَ تنقِمُ
...إلخ الابيات  .
فقال: ويلك ما تقول؟! فقال: الطلاق يلزمه ما رقيتك إلا بها!! ...  فضحك حتى فحص برجليه، وأعجبه هذا البسط .
اقول: هذه الحكاية الطريفة تدل على ان الصحة النفسية معتبرة، ولها اثر في الشفاء من الامراض العضوية.
واننا امة مؤمنة بالله الشافي الكافي، كاشف الضر؛ رحمة من عنده، ومن هذا الايمان الاستشفاء بالقرآن الكريم، وبالسنة النبوية المطهرة، والقول بأثر الدعاء والتعوذ والتحصن المشروع، وردت في (حياة الحيوان الكبرى) لـ كمال الدين محمد بن موسى الدميري (ت 808هـ) (ج1 ص414) هذه الفائدة: كان أبو محمد عبد الله بن يحيى بن أبي الهيثم الصعبي (ت 553هـ) – من أصحاب الشافعي- إماماً صالحاً عالماً من أهل اليمن. ومن تصانيفه: (احترازات المذهب) و(التعريف) في الفقه، روى أن أناساً ضربوه بالسيوف، فلم تقطع سيوفهم فيه، فسئل عن ذلك فقال: كنت أقرأ آيات الحفظ، وهي الآيات التي وردت فيها مشتقات مادة (حفظ) وهي:
1.      (وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ  )  .
2. (وَيُرْسِلُ عَلَيْكُم حَفَظَةً)  .
3. (إِنَّ رَبِّي عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ )  .
4. (فَاللّهُ خَيْرٌ حَافِظًا وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ)  .
5. (لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِّن بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللّهِ)  .
6. (إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ)  .
7. (وَحَفِظْنَاهَا مِن كُلِّ شَيْطَانٍ رَّجِيمٍ)  .
8. (وَجَعَلْنَا السَّمَاء سَقْفًا مَّحْفُوظًا)  .
9. (وَحِفْظًا مِّن كُلِّ شَيْطَانٍ مَّارِدٍ)  .
10. (وَحِفْظًا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ)  .
11. (وَرَبُّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ)  .
12. (اللَّهُ حَفِيظٌ عَلَيْهِمْ وَمَا أَنتَ عَلَيْهِم بِوَكِيلٍ)  .
13. (وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ {10} كِرَامًا كَاتِبِينَ {11} يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ {12})  .
14. (إِن كُلُّ نَفْسٍ لَّمَّا عَلَيْهَا حَافِظٌ)  .
15. (بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَّجِيدٌ {21} فِي لَوْحٍ مَّحْفُوظٍ {22})  .
ثم اضاف يقول: كنت خرجت يوماً في جماعة، فرأينا ذئباً يلاعب شاة عجفاء ولا يضرها شيئاً، فلما دنونا منهما نفر منا الذئب، فتقدمنا إلى الشاة، فوجدنا في عنقها كتاباً مربوطاً فيه هذه الآيات.
يريد الصعبي انه تعلم ذلك من معلم مجهول، كتب آيات الحفظ، وعلقها على شاة له فحفظت.
ولنا هاهنا تعليق هو ان الاسلام ربط الاسباب بمسبابتها، وقرن النتائج بمقدماتها، وان تلاوة آيات الحفظ من العوامل المساعدة على حفظ الانسان، لكن شريطة اخذه اهبته، والتحضير والاستعداد لما يأتي، والمشاورة والحيطة والحذر، وكل ما هو داخل ضمن مفهوم: تنظيم وتخطيط الانسان حياته.
وبما اننا امة الايمان والعمل الصالح –كما اسلفنا- فإننا نؤمن بتوفر عاملين لتحقيق أي نجاح، واحراز أي نصر، وقطف اية ثمرة، هما الروح المعنوية، والاعداد المادية،اما الروح المعنوية فمن اهم مفرداتها الدعاء والتوكل على الله والثقة به سبحانه، كما كان النبي صلى الله عليه وسلم يفعل في حياته كلها ( في هجرته حين قرأ صدر سورة يس فنجاه الله من القوم الظالمين، وغزواته كـ بدر حين الح على ربه في الدعاء حتى بان بياض ابطيه، وسفره، وغيرها) اما الاعداد المادي فيراد به التخطيط للعمل، والقيام بأعباءه، فقد اختبأ النبي صلى الله عليه وسلم في الغار ليلة الهجرة، وظاهر بين درعين في احدى غزواته، وغيرها.
والقاعدة هي انه اذا تخلف احد العاملين عن الآخر فلا نجاح ولا نصر ولا ثمرة ترتجى، اما اذا اجتمعا فلنبشر بالنجاح والنصر وجني الثمرة.
وفيما يتصل بالصحة النفسية للانسان فإنها تسوء لسببين اساسيين هما الخواء الفكري، وضعف الصلة بالله : اما الخواء الفكري فالمراد به الجهل بحقيقة النفس والروح، وعلاقة الانسان بخالقه، وببني جنسه وبيئته، والحياة والموت ونحوها، حيث تسيطر على المريض نفسيا فكرة مغلوطة، او وهم ناشئ، او تخيلات، ونحوها، وعلاجها يتم بضخ المزيد من المعلومات الرصينة التي تصحح الافكار المغلوطة، وتزيل الاوهام الناشئة، وتوقف التخيلات الجامحة، اما ضعف الصلة بالله عز وجل، فيتجسد بعدم الاحاطة ببعض القيم والمعاني الاسلامية، فقد يتلو المريض نفسيا القرآن، لكنها تلاوة الفاظ لا تلاوة معان، تفرغ النص المتلو من محتواه، فهي كالكلام الذي يردده الببغاء، وقد يصلي، لكنه يتحرك آليا بلا تدبر لوجوه الحكمة من اقوال وافعال الصلاة، وهكذا... ولتقوية الصلة بالله، لابد من الائتمار بأوامره والانتهاء عن نواهيه، عن فهم واحاطة بها. ففي الحالتين معا الجهل مرض والعلم علاجه الشافي، وطبه الاول والاخير.

______________________________________

  .  وتمام الابيات:
وما ذاك من شيءٍ أكونُ اجترمته ... إليها فتجزيني به حيثُ أعلم
ولكن إنساناً إذا مَلَّ صاحباً ... وحاول صَرْماً لم يزل يتجرّم 
وما زال بي ما يُحدِث النأيُ والذي ... أعالج حتَّى كدْتُ بالعيش أبْرَمُ
وما زال بي الكِتْمانُ حتّى كأنني ... بِرَجْعِ جَوابِ السائِلي عنك أعجمُ
لأسلمَ من قول الوُشاةِ وتسلمي ... سَلِمْتِ وهل حيٌّ من الناس يسلمُ
  . ختام آية الكرسي [البقرة/255]، من صفات الله تعالى .
  . تمام الآية : { وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَيُرْسِلُ عَلَيْكُمْ حَفَظَةً حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لَا يُفَرِّطُونَ } [الأنعام/61] معناها : { وَهُوَ القاهر } مستعلياً { فَوْقَ عِبَادِهِ وَيُرْسِلُ عَلَيْكُم حَفَظَةً } ملائكة تحصي أعمالكم { حتى إِذَا جَاءَ أَحَدَكُمُ الموت تَوَفَّتْهُ } وفي قراءة «توفاه» { رُسُلُنَا } الملائكة الموكلون بقبض الأرواح { وَهُمْ لاَ يُفَرِّطُونَ } يقصِّرون فيما يؤمرون به .
  . الآية حكاية لكلام هود عليه السلام مع قومه: { فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ مَا أُرْسِلْتُ بِهِ إِلَيْكُمْ وَيَسْتَخْلِفُ رَبِّي قَوْمًا غَيْرَكُمْ وَلَا تَضُرُّونَهُ شَيْئًا إِنَّ رَبِّي عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ  } [هود/57] معناها : { فَإِن تَوَلَّوْاْ } فيه حذف إحدى التاءين ، أي تعرضوا { فَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ مَّآ أُرْسِلْتُ بِهِ إِلَيْكُمْ وَيَسْتَخْلِفُ رَبِّى قَوْمًا غَيْرَكُمْ وَلاَ تَضُرُّونَهُ شَيْئًا } بإِشراككم { إِنَّ رَبِّى على كُلِّ شَىْءٍ حَفِيظٌ } رقيب .
  . { قَالَ هَلْ آَمَنُكُمْ عَلَيْهِ إِلَّا كَمَا أَمِنْتُكُمْ عَلَى أَخِيهِ مِنْ قَبْلُ فَاللَّهُ خَيْرٌ حَافِظًا وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ } [يوسف/64] .
  . [الرعد/11] والمعقبات المتناوبات التى يخلف كل واحد منها صاحبه ويكون بدلا منه . وهم الحفظة من الملائكة فى قول عامة المفسرين . قال الزجاج : المعقبات ملائكة يأتى بعضهم بعقب بعض ، وإنما قال " معقبات " مع كون الملائكة ذكوراً؛ لأن الجماعة من الملائكة يقال لها معقبة ، ثم جمع معقبة على معقبات ... والمعنى : لكل واحد من هؤلاء المذكورين ممن يسرون القول أو يجهرون به ، ملائكة يتعاقبون عليه بالليل والنهار ويحيطون به من جميع جوانبه لحفظه ورعايته ، ولكتابة أقواله وأعماله ، وهذا التعقيب والحفظ ، إنما هو بسبب أمر الله - تعالى - لهم بذلك .
قال ابن كثير : وفى الحديث الصحيح : " يتعاقبون فيكم ملائكة بالليل وملائكة بالنهار ، ويجتمعون فى صلاة الصبح وصلاة العصر ، فيصعد الذين باتوا فيكم فيسألهم - سبحانه - وهو أعلم بهم : كيف تركتم عبادى؟ فيقولون : أتيناهم وهم يصلون ، وتركناهم وهم يصلون " .
وفى الحديث الآخر : " إن معكم من لا يفارقكم إلا عند الخلاء وعند الجماع ، فاستيحوهم وأكرموهم " أى : فاستحيوا منهم وأكرموهم بالتستر وغيره .
  . [الحجر/9] .
  . وَلَقَدْ جَعَلْنَا فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا وَزَيَّنَّاهَا لِلنَّاظِرِينَ (16) وَحَفِظْنَاهَا مِنْ كُلِّ شَيْطَانٍ رَجِيمٍ [الحجر/16، 17]  فلا يقدر أن يصعد إليها ويوسوس إلى أهلها ويتصرف في أمرها ويطلع على أحوالها .
  . [الأنبياء/32] { وَجَعَلْنَا السمآء سَقْفاً } للأرض كالسقف للبيت { مَّحْفُوظاً } عن الوقوع { وَهُمْ عَنْ ءاياتها } من الشمس والقمر والنجوم { مُّعْرِضُونَ } لا يتفكرون فيها فيعلمون أن خالقها لا شريك له .
  . { إِنَّا زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِزِينَةٍ الْكَوَاكِبِ (6) وَحِفْظًا مِنْ كُلِّ شَيْطَانٍ مَارِدٍ } [الصافات/6، 7] { شيطان مَّارِدٍ } عاتٍ ، خارجٍ عن الطاعة ، من التمرد وهو الخروج عن الطاعة .
  . { وَزَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَحِفْظًا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ } [فصلت/12] { وَزَيَّنَّا السماء الدنيا بمصابيح } بنجوم { وَحِفْظاً } منصوب بفعله المقدّر : أي حفظناها من استراق الشياطين السمع بالشهب { ذلك تَقْدِيرُ العزيز } في ملكه { العليم } بخلقه .
  . الآية جزء من نص اوله : { لَقَدْ كَانَ لِسَبَإٍ فِي مَسْكَنِهِمْ آَيَةٌ  ... }[سبأ/15] ثم يقول الله : {وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ فَاتَّبَعُوهُ إِلَّا فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (20) وَمَا كَانَ لَهُ عَلَيْهِمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يُؤْمِنُ بِالْآَخِرَةِ مِمَّنْ هُوَ مِنْهَا فِي شَكٍّ وَرَبُّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ } [سبأ/20، 21] .
  . {وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ اللَّهُ حَفِيظٌ عَلَيْهِمْ وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ } [الشورى/6] { والذين اتخذوا مِن دُونِهِ } أي الأصنام { أَوْلِيَاءَ الله حَفِيظٌ } مُحْصٍ { عَلَيْهِمْ } ليجازيهم { وَمَا أَنتَ عَلَيْهِم بِوَكِيلٍ } تُحَصِّل المطلوب منهم { فَإِنَّمَا عَلَيْكَ البلاغ } .
  . [الإنفطار/10] { وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لحافظين } من الملائكة لأعمالكم .
  . [الطارق/4] والحافظ من الملائكة يحفظ عملها من خير وشر .
  . [البروج/22] القرآن فى لوح محفوظ من التغيير والتبديل ، ومن وصول الشياطين إليه . ونحن نؤمن بأن القرآن الكريم كائن فى لوح محفوظ ، إلا أننا نفوض معرفة حقيقة هذا اللوح وكيفيته إلى علمه - تعالى - ، لأنه من أمر الغيب الذى تفرد الله - تعالى - بعلمه . . وما قيل فى وصف هذا اللوح لم يرد به حديث صحيح يعتمد عليه .

أضف تعليق