هيئة علماء المسلمين في العراق

صحيفة السبيل تحاور الدكتور مثنى الضاري
صحيفة السبيل تحاور الدكتور مثنى الضاري صحيفة السبيل تحاور الدكتور مثنى الضاري

صحيفة السبيل تحاور الدكتور مثنى الضاري

بعد فشل العملية السياسية في العراق اثر الاتهامات المتبادلة بتزويرها والتصعيد الذي من المتوقع أن ينتهي إلى صفقات تقسيم الكعكة الوزارية في العراق، كان لا بد من الرجوع إلى أولئك الذين تنبؤوا بفشلها طالما أنها تجري تحت حراب الاحتلال، والذين منهم بالطبع هيئة علماء المسلمين. كيف تعاملت الهيئة مع الأحداث الأخيرة ولماذا قاطعتها؟
وكيف سيكون حالها مع الحكومة القادمة؟
وما مستقبل المقاومة؟ وما الذي عليها فعله؟

أسئلة كثيرة حملناها إلى مسؤول قسم الثقافة والإعلام في هيئة علماء المسلمين الدكتور مثنى الضاري، فكان الحوار الآتي:-

السبيل: فيما يخص الانتخابات الأخيرة، كيف نظرتم إليها وكيف ستتعاملون مع ما يطرح نفسه الآن في ظل التزوير وفي ظل مطالبة مجمل أطياف العرب السنة بإعادة الانتخابات؟

- ابتداء موقفنا من الانتخابات كما هو معلوم ينبع من أمرين، الأمر الأول: مبدئي والأمر الثاني: واقعي يتعامل مع الواقع كما هو.

من الناحية المبدئية الجميع يعلم موقف الهيئة بعدم المشاركة في العملية السياسية لعدم إعطاء المشروعية للاحتلال، من منطلق إيماننا بأن أي عملية سياسية في ظل الاحتلال هي عملية غير سليمة وغير صحيحة، ولا تعطي الفرصة لإبداء الشعب رأيه الحقيقي وهذا موقفنا وموقف القوى الوطنية الرافضة للاحتلال.

أما من الناحية الواقعية فقد قلنا بأنه من باب التنزل، أن هذه الانتخابات في ظل هذه الظروف وفي ظل هذا التاريخ الذي اختاره الأمريكان وأصروا عليه لن تنجح لأسباب عديدة.

أولاً: الوضع الأمني العام المضطرب في العراق.
وثانياً: إن قوى كثيرة غير راغبة في العملية الانتخابية وعلى رأسها قوى المقاومة.
وقضية ثالثة إن الجهة المشرفة على هذه الانتخابات جهة لا تتمتع بالحيادية والنزاهة الكافية كما اتضح هذا الأمر بعد الانتخابات، وهي المفوضية العليا، حيث وجهت لها انتقادات كثيرة في العمليات الماضية ولم تتخذ أي أجراء لإصلاح هذا الخلل.

وهناك تهيئة غير جيدة لمسألة الانتخابات، فثمة اعتراضات كثيرة على توزيع المقاعد على المحافظات وسكانها، والعملية التي جرت وفق اجتهادات المفوضية بعيداً عن القوى السياسية.

فضلاً عن ذلك العملية السياسية جرت للأسف إلى صراع اقرب ما يكون إلى الصراع الطائفي أو العرقي، من خلال تركيز القوى السياسية الداخلة في الانتخابات على هذه الأبعاد وان كانت لم تركز عليها علناً.

ولكن واقع الحال كان هناك طائفية وقومية الأمر الذي كان من الممكن أن يؤدي إلى مخاطر كبيرة جدا.ً قد يظن البعض من الداخلين أنهم سيحققون مصالح، لكن المفاسد التي تترتب عليها من زيادة الشك في ظل هكذا ظرف، أظن انه انصبّ في صالح الجهات التي لا تريد الخير للعراق.

هذه التخوفات كلها للأسف تحققت والدليل هو تعثر العملية والخلاف الشديد حول النتائج الأولية التي أعلنت.

السبيل: في موضوع المحاصصة الطائفية، لماذا تلومون الأطراف التي تبنت ذلك ما دام أن هذا الواقع أصبح حقيقة ليس بفعلهم بل بفعل الذي أراد ذلك؟

- في الحقيقة انه واقع موجود ولكن ليس بهذه الدرجة، لكن الانتخابات عملت نوعاً ما على ترسيخه شيئاً ما، ولا يعني وجود واقع سيئ أن نتماشى مع هذا الواقع ولكن في الوقت ذاته لا يعني هذا تخلي الإنسان عن انتماءاته الثانوية أو الجزئية.

إن الاهتمام الأساسي هو الوصف الأول وصف العراقيين، أما الأوصاف الأخرى فإنها تندرج في إطار هذا الوصف، وان سعي الجميع لتحقيق الوصف الأول وصف «العراقية»، بالضرورة كل الأوصاف الثانوية ستندرج في هذا الإطار.

نحن لا نقصي هذا الجانب ولا يمكن لأي إنسان إن يقصي انتماءه المذهبي أو العرقي ولكن نحن نغلب الانتماء الوطني في هذه الحقبة على هذه قضية.

السبيل: قلتم إن المقاومة قاطعت الانتخابات، والأنباء تحدثت عن تقديم المقاومة لشكل من أشكال الدعم اللوجستي للانتخابات من خلال التهدئة، في رأيكم هل هذا تحول في المقاومة أم هو نوع من عدم الخروج عن الإجماع؟

- إن تقدم المقاومة للانتخابات دعما لوجستياً لا أظن ذلك، من خلال متابعتي للانتخابات بدا أن موقف المقاومة اقتصر على تهدئة الأمور في يوم الانتخابات فقط وذلك من اجل إعطاء فرصة للمواطنين لتجربة خياراتهم السلمية، وأنا اعتقد المقاومة كانت حكيمة في ذلك.

والآن اكتسبت بعداً آخر وهو على الرغم من خلافها مع العملية السياسية وعدم اقتناعها بها، سمحت للشعب العراقي بأن يشارك في العملية السياسية، وأوصلت رسالة بأنها لا تقف أمام خيارات العراقيين، وهذه قضية مهمة جداً تعكس وتزيل الصورة التي حاولت بعض الجهات إلصاقها بها.

والقضية الثانية ان المقاومة نجحت في تهدئتها للأمور في إثبات أن العملية السياسية لم تجد شيئاً في ظل الاحتلال، والدليل المشاكل التي حصلت بعد ذلك.

المقاومة وقفت هذا الموقف وبحق ليس هذا الموقف هو الأول من نوعه، ففي الانتخابات الماضية أيضاً عملت المقاومة في غالب فصائلها على تهدئة الأمور وإتاحة الفرصة للعراقيين رغم المقاطعة الكبيرة التي سادت الأوساط التي تنتشر فيها هذه الفصائل، المقاومة ثبتت أنها مقاومة وطنية.

السبيل: في ظل ما أفرزته الانتخابات الأخيرة من احتقان كبير إلى ماذا ستعمد الهيئة وهل ستبقى في موقف المراقب؟

- أساساً موقف الهيئة ليس متفرجاً وفي هذه الأجواء الكل يترقب ما ستفسر عنه النتائج النهائية.

النتائج الأولية التي ظهرت أثبتت أن هناك تزويراً كبيراً و اتهامات كبيرة وان الأمور لن تسير كما كان متوقعاً من الذين دخلوا في العملية الانتخابية.

في البداية نحن نقول إن العملية حتى لو لم يكن هناك تزوير، فان تشكيل الحكومة سيستغرق وقتاً طويلاً قد يمتد لثلاثة أو أربعة اشهر. الآن هناك مشاكل كبيرة جداً فنحن نتخوف بعد مرور الانتخابات أن تمضي علينا أربعة اشهر مع حكومة تصريف مهام مع بقاء نفس الأجهزة وبالتالي لن يحقق الذين ذهبوا بقوة شيئاً.
الذي حصل أن هذه المخاوف ستبقى زائدا عليها مشاكل إضافية نتيجة ما حصل من تزوير في الانتخابات.

وبالتالي فان موقف الهيئة الآن موقف طبيعي لأننا نرقب ما حدث وننتظر ماذا ستسفر عنه وبعدها سيكون لنا موقف لأننا سكتنا في فترة الانتخابات، وقبل الانتخابات أعلنا موقفنا بوضوح ثم سكتنا لنتيح للناس أن تختار رأيها.

أما الآن بعد أن تظهر النتائج النهائية فاعتقد أن الهيئة سيكون لها موقف تضع فيه النقاط على الحروف، وتبين للشعب العراقي المخاطر التي نشأت من هذه الانتخابات والمخاوف من المخاطر القادمة.

السبيل: في حال تم تشكيل حكومة هل ستتعاملون معها كما الحكومات السابقة؟

- هذا أمر طبيعي نحن سنستصحب مواقفنا السابقة لأنه لم يحصل أي تغير جدي، لان الاحتلال ما زال موجودا، وبالتالي الشرعية لا يمكن أن تعطى لهكذا حكومات، وسيبقى موقفنا معها كما كان من الحكومات السابقة بغض النظر عمن اشترك فيها هذه المرة ولم يشترك، الموقف المبدئي وليس موقفاً آخر.

السبيل: عودة إلى موضوع مؤتمر الوفاق الذي تم في القاهرة، ماذا بعد ذلك؟

- حقيقة مؤتمر القاهرة كما قلنا لم نكن نعول عليه كثيراً ومع ذلك لم نهمله، وقلنا انه فرصة قد تبنى عليها خطوات لاحقة. الذي حصل أن مؤتمر القاهرة أسفر عن حد أدنى للتوافق ولم يحقق كل الطموح الذي نريده، ولكن نعتقد أننا حققنا إنجازات مهمة والتي منها الاعتراف بالمقاومة والتفريق بينها وبين الإرهاب، وإعادة العراق إلى البعد العربي فضلاً عن ذلك إيصال رسالة القوى المناهضة للاحتلال بكل صراحة إلى كل العالم من خلال الجامعة العربية.

هذه نتائج ايجابية وجيدة، ولكن بمجرد انتهاء أعمال المؤتمر تم نقض كل ما تم الاتفاق عليه، وجرت عمليات عسكرية قبل الانتخابات، وبالتالي اعتقد أن مؤتمر الوفاق العراقي الذي كان مقرر له أن يعقد أواخر شهر شباط وأوائل شهر آذار اعتقد انه لن يعقد، فقبل الانتخابات كان هناك بوادر على أن أطراف بدأت تتنصل من هذا الاتفاق والانتخابات والمعطيات كانت واضحة على ذلك.

واعتقد أن هناك مشكلة جديدة وهي مشكلة نزول الانتخابات ومشكلة تأخر تشكيل الحكومة ولذلك اعتقد أن فرص انعقاد مؤتمر بغداد قد تكون معدومة.

السبيل: بعد الاعتراف بالمقاومة في المؤتمر، هل لمستم من الجامعة العربية استعدادا لحوار أطراف من المقاومة العراقية؟

- في الحقيقة إننا وجدنا أطرافاً كثيرة كانت تتهيب من هذا الموضوع، ولكن تغيرت نظرتها.

بل أن أطرافاً شاركت في المؤتمر وكانت تمثل الحكومة تكلمت معنا في أثناء المؤتمر واعترفت بالمقاومة، وحتى هناك جلسات كانت تصف الاحتلال بالاحتلال، ولكن الصياغات النهائية للبيان تم تغييرها، وبالتالي لا يريدون أن يظهروا للعالم أنهم اعترفوا بذلك.

أما بالنسبة للدول العربية أظن أن حاجز الخوف والرعب في موضوع المقاومة والإرهاب قد بدأ بالزوال، وقد لمست من خلال بعض الجهات، بأن هناك نوعاً من التفهم لموضوع المقاومة وانه لا يوجد مانع لدى الكثير من الأطراف من اللقاء بالمقاومة.

السبيل: إذن ما الذي يتوجب على المقاومة فعله الآن لاستثمار هذه النتائج السياسية التي خرج بها المؤتمر؟

- أنا اعتقد أن المقاومة العراقية الآن وضعها يختلف عما قبل مؤتمر القاهرة، ووضعها قبل الانتخابات يختلف عن وضعها ما بعد الانتخابات، واستطاعت المقاومة العراقية أن تثبت بجهدها إنها عامل مؤثر وواضح في الانتخابات.

واستطاعت القوى السياسية التي تشترك مع المقاومة في مناهضتها للاحتلال أن تحصل للمقاومة مكاسب سياسية كبيرة وبالتالي على المقاومة أن تدرك أن مساحة التحرك الآن تختلف عن مساحة التحرك السابقة، والآن هناك نوع من المشروعية لها وبالتالي عليها أن تستغل هذا الموضوع الاستغلال الأمثل وان توصل رسالتها إلى العالم بالصورة الحقيقية، مع أنها كانت تحاول ذلك منذ سنتين أو ثلاثة. أنا اعتقد أن هذا الحاجز انكسر وبالتالي فان هناك آفاقاً كبيرة للمقاومة وبالتالي عليها أن تدرك هذا الشيء وان تسعى لاستثمار ما حصل.

السبيل: هل ترون أن مسألة الانسحاب بدأت تأخذ المنحى الايجابي بعد الانتخابات؟

- في الحقيقة أنا لا انظر لها بايجابية بالرغم من التصريحات الأمريكية، أنا اعتقد أن الكسب الذي حققناه هو اعتراف الجميع بالجدولة وهو المطلب الذي كنا ننادي به لفترة طويلة جداً ومعنا القوى الوطنية المناهضة للاحتلال، ونحن من أول من طرح الأمر على الأخضر الإبراهيمي منذ زيارته للعراق منذ سنة ونصف وقدمناه للجامعة في نهاية العام الماضي.

الآن كل الأطراف تتكلم عن الجدولة في داخل وخارج العراق حتى في داخل أمريكا، إذن هذا إنجاز ولكن هل يتحقق الإنجاز على ارض الواقع؟ أنا حقيقة أقول: لا، لأن أية حكومة قادمة ستطلب من قوات الاحتلال البقاء في العراق.

السبيل: ولكن ماذا عن قراءتكم للواقع الذي يشير إلى تزايد كبير في الخسائر الأمريكية وفي ظل الضغوطات الداخلية والخارجية على الحكومة الأمريكية؟

- هذا في حسباننا، والدليل على ذلك أن الأمريكان تواقون للخروج، ولكن هناك أبعاداً كثيرة.

يجب أن لا ننسى أن هناك انتخابات نصفية للكونغرس في الربع الثالث من هذه السنة، والرئيس الأمريكي من خلال خطاباته المتكررة عندما يقول للشعب الأمريكي لا تيأسوا من النصر في العراق، هذا دليل أن هناك يأساً، إذن هي محاولة ولكن هناك تكراراً للخطأ الأمريكي.

والأمريكان يكررون نفس الخطأ ويعتقدون بأنهم مع كل ورطة في المستنقع العراقي يستطيعون أن يخرجوا بحل سياسي توفيقي وان لم ترض عنه جمع الأطراف، وهذا ما حدث في الانتخابات الماضية والأخيرة، ومؤتمر القاهرة أيضاً الذي حاولوا أيضا حرفه عن مساره ولم يستطيعوا.

إذن القصد أن الأمريكان رغم تورطهم في المستنقع العراقي لكنهم إلى الآن يفكرون بالخروج جدياً، ولكن يريدون الخروج بشروطهم هم والى الآن لم يجدوا الجهة التي من الممكن أن تؤمن لهم هذا الخروج.

السبيل: الهيئة فتحت ملف وزارة الداخلية ولكنها مع القوى الأخرى لم تغلقه، إلى أين وصلت الهيئة في هذا الملف؟

- في الحقيقة إن هذا الملف ما زال مفتوحاً وهو ليس ملف وزارة الداخلية فقط بل ملفات كثيرة، مثل ملف وزارة الدفاع أيضاً وملف الفساد في كل الوزارات، ولكن ملف وزارة الداخلية كان أكثرها وضوحاً لارتباطه بحياة الناس الأمنية وبأبسط حقوق الإنسان في العراق، ثم إن اضطراب الوضع الأمني أسهمت فيه الأجهزة التابعة لوزارة الداخلية ووزارة الدفاع بشكل كبير جدا.

ثم إن الهيئة من منطلق مسؤوليتها الوطنية لا بد أن تشير وان تفضح هذه الأمور بكل ما تستطيع وهذا اقل واجب يمكن أن يقدم.

وسبق أن موضوع ملجأ الجادرية نشرت عنه صحيفة البصائر قبل أربعة اشهر من كشفه، وأنا أقول بكل صراحة إن المسؤول عن هذا الملجأ وجه كلاماً لـ«البصائر» من خلال أحد القريبين للهيئة، بأن هذا الكلام غير صحيح وأنه يجب أن تتوقف الهيئة، وإنها أشبه ما تكون برسالة تهديد مبطن ولم نتوقف عن هذا الموضوع لأنه من الواجب أن نكشف عن جميع الأمور.

والآن لما كشفت هذه الجرائم من الطبيعي أن تقوم جهات أخرى غير الهيئة بتبني هذا الموضوع، لأن الكلام أصبح يتحدث عن جريمة في وقت حرب، وليست نابعة من شهادات شخصية وإنما نابعة من أشخاص في موقع المسؤولية.

وأنا أقول ملجأ الجادرية هذا كان فيه أعضاء بارزون في الهيئة، وكنا لا نعلم عنهم شيئاً ووصلتنا إخبار أنهم قد وصلوا إلى حد الموت والى الآن لم يفرج عنهم، يعني فصول ملجأ الجادرية إلى الآن لم تنته والى الآن لم يطلق سراح أعضاء الهيئة وغيرهم ولكن القضية اخطر من ذلك وان هناك سجوناً لم يكشف عنها حتى الآن.

السبيل: كيف تنظرون إلى تصريحات زادة التي طالبت بإقالة وزير الداخلية العراقي بيان جبر؟

- أنا فقط أقول أين كان زلماي خليل زادة مما جرى ويجري، وهو لديه المعلومات الكافية والكاملة عن هذا الموضوع، وهذا أمر لا يمكن أن يختلف فيه اثنان.

ولكن أقول لماذا الآن بعد الاعتراف عن تزوير الانتخابات؟ أنا أظن أن ما يجري نوع من الموازنات التي تمهد لصفقة لإسكات الأطراف المعترضة على الانتخابات بطريقة أو بأخرى.

أجرى الحوار: عز الدين أحمد وأمجد العبسي
جريدة السبيل الأردنية
29/12/2005

أضف تعليق