\" عيد نزول القرآن\" تعبير اقتبسناه من العلامة محمد الطاهر بن عاشور، في معرض تفسيره لسورة القدر، وصف به ليلة القدر، حيث قال في كتابه المسمى التحرير والتنوير من التفسير (16 / 419) ما نصه:
"لا جرم أن ليلة القدر التي ابتدأ فيها نزول القرآن قد انقضت قبل أن يشعر بها أحد عدا محمد صلى الله عليه وسلم إذْ كان قد تحنث فيها ، وأنزل عليه أول القرآن آخرها ، وانقلب إلى أهله في صبيحتها ، فلولا إرادة التعريف بفضل الليالي الموافقة لها في كل السنوات لاقتُصر على بيان فضل تلك الليلة الأولى ولما كانت حاجة إلى تَنزّل الملائكة فيها ، ولا إلى تعيين منتهاها..." .
وأضاف يقول: "وهذا تعليم للمسلمين أن يَعظموا أيام فضلهم الديني وأيام نَعم الله عليهم ، وهو مماثل لما شرع الله لموسى من تفضيل بعض أيام السنين التي توافق أياماً حصلت فيها نعم عظمى من الله على موسى، قال تعالى : { وذكرهم بأيام اللَّه } [ إبراهيم : 5 ] فينبغي أن تعد ليلة القدر عيد نزول القرآن" .
فهو –رحمه الله- يؤكد ان ليلة القدر حقيقة بتعبير " عيد نزول القرآن" .
وفي تفسير الآية الرابعة من سورة القدر، وهي قول الله تعالى: {تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا..} قال ابن عاشور في التحرير والتنوير (16 / 420) : " أن هذا التنزل كرامة أكْرم الله بها المسلمين بأن أنزل لهم في تلك الليلة جماعات من ملائكته وفيهم أشرفهم وكان نزول جبريل في تلك الليلة ليعود عليها من الفضل مثل الذي حصل في مماثلتها الأولى ليلة نزوله بالوحي في غار حِراء .
وفي هذا أصل لإِقامة المواكب لإِحياء ذكرى أيام مجد الإِسلام وفضله وأن من كان له عمل في أصل تلك الذكرى ينبغي أن لا يخلو عنه موكب البهجة بتذكارها" .
اقول: اذا كانت ليلة القدر، وكل رمضان عيد نزول القرآن فإن الشارع قد ختمه بعيد الفطر، فعبارة "عيد نزول القرآن" تصدق على كل من ليلة القدر ورمضان كله، لكنها الصق بيوم الفطر منها بليلة القدر، وبرمضان؛ لأن التعييد يكون عقب الفراغ من الشيء، وبه يختم، وليلة القدر مبهمة في الشهر، وفي عشره الاواخر، وفي وترها، فالابهام لا يزول الا بدخول شهر شوال، وبه ينتهي رمضان، وحينئذ فقط يكون التعييد، وأصاب ابن عاشور –رحمه الله- عندما لفت أنظارنا إلى التعييد بنزول القرآن، لكننا نضيف بأن التعييد حاصل فعلا، وواقع حقيقة، وذلكم هو عيد الفطر، بأيامه الثلاثة.
واذا كانت ليلة القدر سبب عيد الفطر فلا غرو ان تكون عيدا مثله، بل هي روحه، فلولاها ما كان، ولك ان تقول: هي عيد تمهيدا وتوطئة ليوم الفطر، والعلاقة بينهما كتلك التي بين الإمساك والأذان، او بين الاذانين للفجر او الجمعة.
ان الاساس الصلب الراسخ والمتين لاعتبار نزول القرآن عيدا مقالة قيلت لعمر بن الخطاب –رضي الله عنه- في آية من كتاب الله، بل بعض آية، ورده المحكم المتقن عليها، ففي الصحيحين وغيرهما ان رجلا من اليهود هو كعب الاحبار، او ان هذا الرجل وناسا مِنْ الْيَهُودِ، قَالوا لَعمر بن الخطاب –رضي الله عنه-: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، آيَةٌ فِي كِتَابِكُمْ تَقْرَؤونَهَا لَوْ عَلَيْنَا مَعْشَرَ الْيَهُودِ نَزَلَتْ لاَتَّخَذْنَا ذَلِكَ الْيَوْمَ عِيدًا.
أي: لعظمناه وجعلناه عيدا لنا في كل سنة، لعظم ما حصل فيه !!.
قَالَ: أَيُّ آيَةٍ؟ قَيل: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ، وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي، وَرَضِيتُ لَكُمْ الإِسْلاَمَ دِينًا} [ المائدة : 3 ]. قَالَ عُمَرُ: قَدْ عَرَفْنَا ذَلِكَ الْيَوْمَ وَالْمَكَانَ الَّذِي نَزَلَتْ فِيهِ عَلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم: وَهُوَ قَائِمٌ بِعَرَفَةَ يَوْمَ جُمُعَةٍ".
ولابن حجر العسقلاني في موسوعته الحديثية، المسماة فتح الباري، تعليقات ضافية على الحديث، فقد قال –رحمه الله- في الفتح (1 / 105) : فإن قيل: كيف طابق الجواب السؤال لأنه قال: لاتخذناه عيدا، وأجاب عمر - رضي الله عنه - بمعرفة الوقت والمكان، ولم يقل جعلناه عيدا؟ والجواب عن هذا عندي: أن هذه الرواية اكتفى فيها بالإشارة، وإلا ففي لفظ ثان اخرجه الطبري انه قال: "نزلت يوم جمعة يوم عرفة وكلاهما بحمد الله لنا عيد" وفي لفظ ثالث عند الطبراني: "وهما لنا عيدان " واخرجه الترمذي من حديث ابن عباس - رضي الله عنهما- انه قرأ : { اليَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُم دينَكُمْ وأتممتُ عليكم نعمتي ، ورضِيتُ لكم الإسلامَ دينا } وعنده يهوديٌّ فقال : لو نزلتْ هذه الآية علينا لاتَّخَذْناها عيدا ، فقال ابنُ عباس : «فإنها نزلت يوم عيدين : في يوم جمعة ، ويوم عرفة» فظهر أن الجواب تضمن أنهم اتخذوا ذلك اليوم عيدا وهو يوم الجمعة، واتخذوا يوم عرفة عيدا لأنه ليلة العيد، وهكذا كما جاء في الحديث: "شهرا عيد لا ينقصان: رمضان وذو الحجة" فسمي رمضان عيد لأنه يعقبه العيد.
انتهى كلامه القيم الذي نقلناه بتصرف يسير، وان لنا بدورنا ان نعلق فنقول: ما روي عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه اشارة وتصريح، الاشارة وردت في صحيحي البخاري ومسلم، والتصريح في غيرهما، وعبارة الصحيحين اقوى وادق واليق بفقه عمر –رضي الله عنه- فهو لم يصرح بأن ذلك اليوم يوم عيد، وانما ذكر زمان ومكان نزولها، والمسلمون يعلمون هل يسمى كل من يوم عرفة والجمعة عيدا ام لا ؟! وفي تلك الاشارة المفهمة مراعاة لحرمة العيد، ولأذهان الناس، وذلك من فقه الفاروق.
ونقول ايضا: إذا كان يوم نزول آية او بعض آية من القرآن عيدا فما بالك بيوم نزول القرآن كله؟! .
لأجل ذلك شرع لنا صيام رمضان من باب الحفاوة بالقرآن، ثم ختم بالعيد، فالصيام وعيد الفطر بهذا الاعتبار يتصل احدهما بالآخر اتصال الشيء بنفسه، والعيد بني على الصيام، فهو عيد الصيام، ولما كان الصيام من باب الحفاوة بالقرآن، فالعيد عيد نزول القرآن.
واذا كان الامر كذلك فإن كلا من الصيام والعيد لا يتمان لنا الا بالاقبال على القرآن تلاوة وفهما وتدبرا وحفظا، وحبا وعشقا، وتحكيما وتسليما، وتجسيدا وتطبيقا واعيا، على صعيد الفرد والاسرة والمجتمع والدولة.
ولقد وصف القرآن كتابا انزله الله قبله هو التوارة بأنها (إماما) ؛ قال تعالى: { ... ومن قبله كتاب موسى إمامًا ورحمة } [هود:17]، لكنه وصف نفسه بأنه هو الكتاب ( المهيمن ) على الكتب السابقة بأجمعها، قال تعالى: { وأنزلنا إليك الكتاب بالحق مصدقًا لما بين يديه من الكتاب ومهيمنًا عليه } (المائدة:48).
فإذا كانت التوراة اماما فالقرآن امام ايضا؛ لأنه تضمن كل ما انزل الله من خير دائم فيها وزيادة عليها، وكذلك تضمن كل ما انزل الله من خير دائم في سائر كتب الله السابقة عليه، وزيادة عليها، فإذا كان كل منها (اماما) فالقرآن امام هؤلاء الائمة، وهو مهيمن عليها، والهيمنة هنا الرقابة والشهادة والحفظ والمرجعية والرعاية والسيادة والرئاسة والقيادة والحكم، وكل هذه المعاني وغيرها يستدعيها لفظ { ومهيمنًا عليه }فالقرآن هو الرقيب والشاهد والمرجع والراعي والسيد والرئيس والقائد والحاكم على كل كتب الله، فلنتخذه نحن اماما ورقيبا وشاهدا ومرجعا وراعيا وسيدا ورئيسا وقائدا وحاكما.
الا وان من الذ الادعية واحلاها وارجاها للقبول، واجمعها للخير –عندي- ان اقول: اللهم منزل القرآن، وفق امة القرآن، ليكون القرآن ساكنا في قلوبها، حاضرا في اذهانها، موجها لتصوراتها ورؤاها في الكون والحياة، وظلا ظليلا لها.. واجعلها قرآنا يمشي على الارض، به تسمع وتبصر، وتقول وتعمل، وتقضي وتحكم، وتربي وتعلم، وتقاتل وتكتب، وتنتج وتبدع، وتبني وتعلي، وترقى وتبقى، وتسود وتقود.. به تحمي ذاتها، وتحقق شخصيتها، وتحافظ على هويتها، وتصد الغارات والهجمات الفكرية والعسكرية عليها.. واجعل المستقبل للقرآن، ولأمة القرآن.
فقولي معي: رباه استجب!! .
عيد نزول القرآن ... د. ثامر براك
