أصدرت الأمانة العامة لهيئة علماء المسلمين رسالة مفتوحة إلى أبناء الشعب العراقي بمناسبة الإعلان الرسمي للرئيس الأمريكي عن انسحاب بعض قواته المحتلة وإنهاء المهام القتالية في العراق



أيها العراقيون الأصلاء
يا أبناء شعبنا الغيور
قبل يوم أمس ومن المكتب ذاته الذي أعلن فيه الرئيس الأمريكي السابق بوش حربه على بلدنا وشعبنا؛ أعلن الرئيس الأمريكي الحالي انتهاء المهام القتالية في العراق، مؤكدا أنه تم سحب ما يقرب من مائة ألف من مقاتليه، وأن نهاية العام القادم ستشهد سحب ما تبقى من القوات الأمريكية في بلدنا الغالي.
ومع أن المستعمر الأمريكي يعتمد في العادة لغة موهمة للعالم، ومع أن الرئيس الأمريكي يحاول أن يبعث برسالة إلى ناخبيه قبل الانتخابات النصفية للكونغرس؛ ليحقق من وراء ذلك أهدافا انتخابية بحتة، إلا أنه يمكن القول إن ثمة انسحابا ملحوظا لقطعات كبيرة من الجيش الامريكي، انسحبت في جنح الظلام بصمت كما يفعل اللصوص تماما، وأن مئات المواقع والقواعد التي كان يشغلها الأمريكيون تم إقفالها أو تسليمها لقوات الحكومة الحالية، وأن مئات الآلاف من القطع الحربية الثقيلة والخفيفة تم سحبها من أرض العراق، والدفع بها خارج حدوده.
وهذا في تقديرنا يشكل المعالم الأولى لهزيمة منكرة لقوات الاحتلال، تستحق المقاومة العراقية الباسلة أن توجه لها التهاني والتبريكات عليها، من قبل أبناء شعبها المظلوم، وأنصارها في المنطقة والعالم.
فهنيئا لشعبنا هذا النصر المؤزر.. وهنيئا لعالمينا العربي والإسلامي على دفع شر مشروع كبير وخطير كان يعد له بإحكام من قبلُ؛ ليبتلع كل الشعوب والمقدرات في المنطقة، ويعيد من ثم صياغتها على النحو الذي ينهي فيه تاريخها وقيمها، ويجعل منها بقرة حلوبا لقوى الطاغوت في العالم ، تُطعم لتُحلب، ومن ثم لتذبح في آخر المطاف.
لكن ما يجب التنبيه عليه أن المعركة لم تنته بعد، فمازال في العراق خمسون ألف جندي، مزودين بكامل تجهيزاتهم القتالية، ومدعومين بأسراب من الطائرات المقاتلة، والطائرات المروحية، ومازالت في العراق شركات الأمن التي يعول عليها المحتلون في سد النقص الناجم عن انسحاب قواتهم، والتي تزيد أعداد عناصرها على مائة وعشرين ألفا، وهؤلاء قتلة مأجورون، لا يقلون خطورة عن قوات الاحتلال النظامية، وكلا الأمرين يستدعيان من شعبنا اليقظة، ومن أبنائهم المقاومين مواصلة الجهاد ضد العدو الغازي، وأذرعه الداخلية والخارجية، التي وطنت نفسها لتعمل بأجر أو بغير أجر من أجل تثبيت أركان المشاريع الظالمة التي أرسى المحتل أسسها، والاتفاقيات المجحفة التي يرغب المحتل أيضا في إطالة أمدها وتطوير بنودها..فضلا عن أن الأمريكيين لا يؤتمنون أبداً، فإذا وجدوا ارتخاء في مقاومتهم فلا مانع لديهم من العودة وهم الساكنون في أرض الجوار، وحينئذ لن يعز عليهم تقديم المسوغات البلاغية، والمبررات الإعلامية لفرض بقائهم وإطالة أمد احتلالهم للعراق، ومن ثم فلا ينبغي أن يلتفت إلى الأصوات النشاز التي تدعو المقاومة العراقية إلى التوقف عن أداء واجبها بذريعة أن الاحتلال قد شرع في الرحيل والانسحاب.
أيها الإخوة.. أيها الأحبة، يا أبناء شعبنا الصابر
لقد أعلن الرئيس الأمريكي في سياق حديثه عن إنهاء عملياته القتالية على هذا النحو أن الحروب التي لانهاية لها ليست في مصلحة دولته وشعبه، وأنه ومن معه في مسؤولية الحكم مدعوون اليوم إلى الالتفات نحو بلدهم والاهتمام بمشاكلهم الكثيرة التي تفاقمت نتيجة هذه الحروب الطويلة، وتجاهل تماما ما خلفته هذه الحرب من آثار على الشعب العراقي الذي جعلت منه بلداً مدمراً بكل ما لهذه الكلمة من معان وأبعاد، ونشرت الفوضى في جميع أرجائه، واستنزفت طاقاته وخيراته، وسلمت مقاليد الحكم فيه لشراذم لا ترقب في عراقي إلا ولا ذمة،وقدمته بكل رخص للطامعين فيه من دول الجوار، ووضعته بالمحصلة أمام مستقبل مجهول،كقاطرة انحدرت إلى واد سحيق بسرعة عالية، لا يدري أحد متى ستتوقف، وكيف سينتهي بها الحال، إن قدر لها أن تتوقف!
وهذا دأب المستعمرين عبر التاريخ، وهذه أخلاقهم وسجاياهم فتباً لهم، وتباً لكل من راهن على وجودهم، وعلق آمالا عليهم، ودعا الشعب إلى الثقة فيهم، وفي مقدمة هؤلاء الخائبين الذين ساندوا المحتل في احتلاله، وقدموا له الدعم والإسناد لمشاريعه، وتباً لمن كانوا أدواته في عملياته السياسية المتعاقبة التي كانت ومازالت مجلب الخراب والدمار للعراق وشعبه.
يا أبناء شعبنا الصامد
مع أن العراق بانسحاب هذه القوات يضع خطواته الأولى على طريق الخلاص من الاحتلال البغيض، نرى لزاماً علينا أن نذكركم بأن الطريق مازالت طويلة، وأن الحاجة اليوم إلى وحدة الشعب وتماسكه للخروج من النفق المظلم الذي وضع فيه رغما عنه، أمسُُُُُُُُُُُُُُُُُُُُُُُُُُُُُُُُُُُُُُُ منها في أي وقت مضى، وأن الرهان على العملية السياسية وشخوصها في ظل الاحتلال يجب أن ينتهي، وأن على شعبنا أن يتطلع بصدق إلى أبنائه المخلصين من القوى المناهضة للاحتلال والظلم ومقاومته الشجاعة، التي أبت أن تلوث نفسها بدمه، أو سرقة أمواله أو بيعه للآخرين، فيلتف حولها، ويؤازرها، ويقدم لها ما يستطيع من دعم وإسناد، يتجلى هذه المرة في الإسفار عن المناهضة لما تبقى من الاحتلال وعملائه، ومباشرة الشعب في المطالبة بحقه المسلوب عبر فعاليات التظاهر، والاعتصام، والعصيان المدني وغير ذلك مما ستقتضيه ظروف المرحلة القادمة كل في حينه، فهذا هو الدرب الوحيد للخلاص، وإنقاذ ما تبقى من مقومات الحياة والنهضة، وإن آخر العلاج الكي كما يقول المثل السائر.
وإلا فإن من نصبهم الاحتلال سيبقون ـ من دون ذلك مسلطين ـ على رقابنا، يقتلون أبناءنا، ويمزقون بلدنا، ويسرقون خيراتنا، ويخدمون أسيادهم من أجل البقاء،كما أن الطامعين فينا سيعدون الفرصة مواتية لهم لبسط المزيد من نفوذهم، وتحقيق المزيد من أحلامهم المريضة، وأطماعهم الشريرة التي لا تنتهي عند حدود.
ولا يفوتنا في آخر هذه الرسالة أن نقول: إن الباب مازال مفتوحاً لكل من أراد التكفير عن خطاياه، والاعتذار عما بدر منه من مواقف خدمت الاحتلال، وآذت العراق وشعبه، وتقديم ما يثبت صدقه في توبته وعزمه على إبدال سيئاته حسنات، لأن هذا الباب لن يبقى مفتوحا إلى الأبد، فشعبنا سيحاسب كل الذين آذوه، ونالوا منه في ظل الاحتلال البغيض، والنفوذ المتعاظم لبعض دول الجوار.
وهذا هو ديدن الشعوب الحرة والأصيلة في النهاية، اللهم أتم علينا النعمة بنصر مؤزر لا يبقي للظالمين أثرا.. ويعيد إلينا حريتنا واستقلالنا، وأمننا ورخاءنا.. ويجعل منا ـ كما كنا عبر تاريخنا ـ مصدراً للخير والعطاء.
وبعد فتحيةً إلى شعبنا الأبي.. ومقاومته الباسلة.. ورحمةً من الله نازلةً ورضواناً على أرواح شهدائنا الأبرار.. والفرج القريب بإذن الله لمعتقلينا في السجون السرية والعلنية.. فك الله قيدهم.. وأعادهم إلى أهلهم سالمين غانمين.
وما النصر إلا من عند الله العزيز الحكيم
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
الأمانة العامة
23 رمضان /1431هـ
2 /9/2010م
رسالة مفتوحة بمناسبة الإعلان الرسمي للانسحاب الأمريكي المزعوم
