ما ميز الانتخابات العراقية الأخيرة لتشكيل برلمان عراقي وحكومة لمدة اربع سنوات هو انها بدأت بنفس اقصائي بين المتنافسين وانتهت بمثل ما ابتدأت به.
فمعظم القوى الكبرى او الكيانات السياسية كانت تشن حملات اعلامية احداها تستهدف الأخرى وتكيل لها شتى الطعون بهدف تهميشها واستقطاب اكبر عدد ممكن من الناخبين مستخدمين اسلوب الوعود المعسولة بالغد الاكثر اشراقاً وامناً ورخاءً، وما ان انتهت الانتخابات ولم يكن حبر الانتخابات قد جف على اصابع الناخبين حتى كانت بشائر الرغد والرخاء هي زيادة اسعار المحروقات بشكلٍ اذهل الجميع ودفع بأجور النقل والمواد الى ارتفاع مذهل، مما لايستطيع الكثير من المواطنين البؤساء من تحمل وطأته، ثم تلاحقت “انجازات” الانتخابات من فوز وبطريقة اقصائية لكيانات سياسية كانت تراهن على مستقبل الاستقرار الامني واستقرار العملية السياسية على اطراف فاعلة وفق امتلاكها قاعدة شعبية واسعة واستقر الحال كما لو كان العرب السنة لم يشاركوا في العملية الانتخابية بنتائج بائسة لم تحقق ما كانوا يصبون اليه ولم تعتد الهيئة العليا للانتخابات بمعظم الطعون المقدمة لها، واعتبرت ان العملية الانتخابية ناجحة بالمقاييس الدولية. وتلاحقت تصريحات الرئيس الامريكي وكبار المسؤولين بالاشادة بهذه الانتخابات ولم يعد بإمكان المتابع للشأن العراقي ان يرى امكانية ان تتوافق الاطراف التي اجتمعت في مؤتمر القاهرة لحل الكثير من الاشكالات ان تستمر على التوافق في ظل الاصرار بالسير على طريق الاقصاء والتهميش ،تماماً كما هو المثل العربي (ان كنت تريد غزالاً فخذ عنزاً).
ولاندري كيف يمكن ان نصدق ان هذه هي الديمقراطية التي تُتيح للناس اختيار ممثليهم والتي اجهد الرئيس الامريكي نفسه بالحديث عنها. هل هي ديمقراطية التزييف ام الاقصاء أم ماذا؟
ما يمكن فهمهُ هو ان هناك ثلاثة احتمالات يمكن ان تكون الاكثر وضوحاً في المشهد العراقي اذا ما استمر الاصرار على قبول نتائج الانتخابات من طرف ورفضها من اطراف اخرى، أولها انسحاب العرب السنة من العملية السياسية برمتها وهذا يعني عودة الامور الى نقطة الصفر قبل مؤتمر الوفاق في القاهرة، وسوف تشهد الساحة العراقية مزيداً من الدفع نحو امكانية نشوب حرب اهلية دامية ربما تأتي على الاخضر واليابس فلا يجني من جرائها الفرقاء سوى مزيد من الدماء والدمار، ربما تكون نهاية لكل الآمال المعقودة على اطفاء نار الفتنة الطائفية والتي اجهدت اطرافاً دولية عديدة على اذكائها وستذهب بالعراق حتماً الى حافة التقسيم بكل تأكيد، ويمكن الاستعانة بتجارب امم متعددة وشعوب سبقتنا في هذا المضمار، ولعل الحرب الاهلية اليوغسلافية خير دليل على تفتت الكيان اليوغسلافي الى كيانات هشة وصغيرة وليست ذات شأن في النطاق الاقليمي. وربما السكوت الامريكي اذا ما استمر بقبول نتائج الانتخابات كان دليلاً كافياً للدفع بهذا الاتجاه. وان تحقق ذلك فيمكن ملاحظة المشهد الآخر وهو استمرار جعل العراق منطقة الجذب لكل العمليات المسلحة التي تستهدف الولايات المتحدة بحيث يمكن ان تتجه هذه العمليات صوب العراق وبالتالي يمكن اغراق المنطقة واستنزافها لأقصى فترة ممكنة، لاسيما وان الجهات التي تنشّد الى الوضع العراقي ذات اهمية اقتصادية وجيوسياسية معروفة وبالتالي لامجال للحديث عن بيئة عراقية آمنة ولا عن بيئة اقليمية مستقرة.
اما المشهد الأخير، وهو ما نأمله ونتمناه، هو ان تنظر القائمة الاوفر حظاً في نتائج الانتخابات من وجهة نظر موضوعية وان تُعيد قراءة الواقع الموضوعي والمشهد المستقبلي بشكلٍ اكثر وضوحاً وأن لاتسمح للشكوك التي تدور حول امكانية استئثارها في السلطة دون غيرها ان تأخذ مجالها الى التحقق فالفرصة ما زالت قائمة وان امكانية اعادة الانتخابات وباشراف دولي هي الفيصل الذي يرضي الجميع الذين يريدون الخير للعراق ويدفعون باتجاه درء الخطر المحدق بمستقبله ولكي نقطع الطريق على جميع المتربصين ليس بمستقبل العراق فقط بل مستقبل المنطقة برمتها. وحين ذاك لايكون أي من الاطراف قد خسر شيئاً بل الجميع قد كسب بقاء العراق موحداً ومستقراً ومزدهراً.
استاذ العلوم السياسية
(جامعة بغداد)
مخاطر نتائج الانتخابات على مستقبل العراق--د. حسين حافظ
