هيئة علماء المسلمين في العراق

حروب جديدة---سعد محيو
حروب جديدة---سعد محيو حروب جديدة---سعد محيو

حروب جديدة---سعد محيو

مفاجأة 2006 الكبرى هو احتمال أن تفاجئ أمريكا العالم، ونفسها، بالتوقف عن كونها امبراطورية عسكرية وبالانضمام الى باقي سرب الدول الكبرى “المدنية”، أي تلك التي تركّز على الزبدة وتهمل المدفع. لكن، ما فرص مثل هذا الاحتمال؟
 
  صفر تقريباً!
 
  او هذا على الأقل ما أكدته أحداث 2005. فبرغم كل التحليلات التي توقعت ان يؤدي الفشل الأمريكي في تهدئة العراق الى اعادة نظر شاملة ليس في خطط واشنطن للشرق الاوسط، بل أيضاً في مجمل توجهاتها العسكرية الاستراتيجية في العالم، خرج البنتاغون في أواخر 2005 بوثيقة خطيرة سارت تماماً في عكس تيار هذه التحليلات.
 
  فقد اعلن الارشاد التوجيهي الذي وقّعه وزير الدفاع دونالد رامسفيلد أنه “من الان فصاعداً، مهمة التخطيط والتدريب في المؤسسة العسكرية الخاصة ببناء السلام بعد الحرب، ستكون بأهمية خوض الحرب ذاتها”.
 
  هذا الارشاد شكّل تحولاً جذرياً عن القواعد العسكرية السابقة، حين كانت المؤسسة العسكرية الامريكية تكره أية مسؤولية عدا شن الحروب الرابحة. لا بل يلاحظ الكاتب الأمريكي مارك سيبانفيلد أن البنتاغون “بات يطل بشكل متزايد على حربي العراق وأفغانستان على انهما نموذجان او طبعتان لحروب المستقبل، حيث يتعلق النجاح ليس فقط بالتفوق العسكري بل أيضاً بالقدرة على اعادة بناء “الدول الفاشلة”.
 
  ماذا؟
 
  العراق وأفغانستان نموذجان ناجحان؟
 
  ألم تؤد حرب العراق الفاشلة الى تعثّر كبير، تبعته مطالبات أكبر في الداخل الامريكي بالانسحاب في أسرع وقت ممكن من بلاد ما بين النهرين؟ وكيف يمكن ان تكون حرب أفغانستان ناجحة، فيما أسامة بن لادن وأيمن الظاهري والملا عمر المهزومون، ما زالوا يحاصرون حامد قرضاي المنتصر، في داخل قوقعة (كابول) تحرسها كل قوات حلف الأطلسي؟
 
  ليس ثمة سر هنا او غرابة. كل ما في الامر أن الدروس التي تعلمتها امريكا من هاتين الحربين، لم تقدها الى الاستنتاج بأن عليها ألا تتورط مرة اخرى في حروب أخرى، بل جعلتها على العكس مصممة على خوض المزيد من هذه الحروب، ولكن بوسائل أخرى.
 
  وثيقة البنتاجون وصفت هذه الوسائل الاخرى بأنها تعني “دمج خطط الحرب بخطط الاستقرار في مرحلة ما بعد انتهاء العمليات العسكرية”، عبر تطوير الجيش الامريكي من مجرد آلة حرب الى وسيلة عسكرية- مدنية لبناء الدولة- الامة في الكيانات السياسية “الفاشلة”. لكن الاسم الحقيقي لهذه الوسائل هو في الواقع حروب العولمة. كتب توماس بارنيت، أحد أبرز المحللين في وزارة الدفاع الأمريكية: “كل دولة تفشل في الانضمام الى العولمة، او ترفض الكثير من تدفقاتها الثقافية، ستجد في النهاية القوات الأمريكية فوق أراضيها”.
 
  كلام واضح؟
 
  بالتأكيد. وهو يعني بشكل أوضح أن امريكا ستخرج من حرب العراق في 2006 بخطط “اكثر تطوراً” لخوض المزيد من الحروب في الشرق الاوسط وخارجه.
 
  وعلى أي حال، هذا الدور العسكري في العالم الذي يعمل لمصلحة شركات العولمة العملاقة والامبرياليات الفرعية الاخرى، هو الذي يمنح امريكا الآن شرعية “الهيمنة” على موارد العالم الطبيعية وأرصدته واستثماراته لتمويل ليس فقط العجوزات الضخمة، بل أيضاً آلة الاستهلاك الأمريكية الأضخم في التاريخ البشري.
 
  ***
 
  .. وفي هذه الأثناء، وفيما امريكا توغل في انغماسها في ألعاب المدفع، تزداد الدول الكبرى الاخرى اندفاعاً في اتجاه الزبدة. لكن الى متى؟ ولمن ستكون الغلبة في النهاية: للمدفع أم الزبدة؟

أضف تعليق