العراق الجديد، مثال يحتذى للديمقراطية، هذا ما فعلته الإدارة الأمريكية وقواتها التي يحلو للبعض أن يسميها قوات صديقة وأنها حررت العراق،
ولا ندري ممن حررته، فربما تكون قد حررته من الاستعمار الصومالي. ستة اشهر انقضت على الانتخبات الحرة والنزيهة والديمقراطية ومازالت الحكومة السابقة قائمة ولا احد يدري على اي اساس، حُلَّ مجلس النواب السابق وانتهت مدة ولايته، وهو كما يقول منظرو هذه العملية السياسية اعلى سلطة تشريعية في البلاد، حُلَّ هذا المجلس لكن الحكومة مازالت قائمة ورئيسها نوري المالكي (يرعد ويزبد) وينفذ كل ما يريده في هذا البلد دون محاسب او رقيب، فهل هناك ديمقراطية افضل من هذه الديمقراطية؟!
الحكومة المنتهية ولايتها كما يحلو للبعض الاخر ان يسميها مازالت تتصرف وكأنها الحكومة المبتدئة ولايتها تواً، وهي تنفذ وبالتحديد رئيسها (المالكي) كل ما تريده خاصة فيما يتعلق بمنهج المداهمات والاعتقالات بالجملة، والقتل والتصفيات الجسدية بالجملة، ونهب الاموال والسرقة والابتزاز والرشوة بالجملة. العراق الجديد على هذه الحالة مفخرة ومثال يحتذى به على صعيد الامن وحقوق الانسان، فالتفجيرات تلتهم العراقيين بالجملة ويقال ان الامن مستتب، والغريب ان من يقول ذلك هم اتباع المالكي والمروجون لضرورة ان يستلم المالكي ولاية ثانية مبررين هذه الضرورة بأن الرجل استطاع ان يحقق الامن في العراق، وعندما يرد عليهم الناس الذين طفح الكيل لديهم وسئموا من مسرحية القتل والتشريد والاعتقال والنهب والفقر والجوع والمرض الجارية في العراق عندما يردون على المدعين بضرورة الولاية الثانية للمالكي مشيرين الى ان هذا الامن المستتب يقتل فيه يويماً مائة عراقي او يزيد وتُحرق فيه مائة سيارة او محل ويهدم فيه مائة بيت او يزيد، ويسرق فيه مائة محل او مصرف او دائرة او مؤسسة او يزيد، ويعتقل فيه مائه عراقي او عراقية او يزيد، يقول هؤلاء الادعياء ان هذا امر طبيعي وانه لايعدو كونه خرقاً امنياً يمكن ان يحصل في اي مكان من هذا العالم وفي اكثر دولة تقدماً ورقياً وديمقراطية.
اذن هذا هو العراق الجديد الذي انشأ برعاية (امريكية صهيوايرانية). قيل سابقاً ان بوش فشل في المخطط الذي احتلت قواته العراق من اجل تنفيذه لكنه نجح في تدمير العراق، فهل كان لبوش هدف آخر غير تدمير العراق واخراجه من معادلة الصراع الجدي مع اعداء الامة العربية والاسلامية بل واخراجه من معادلة الصراع مع قوى العدوان على كل شعوب الارض.
واذا كان بوش قد فشل في تحقيق مخططه في العراق والمنطقة فهل نجح اوباما حامل شعار التغيير، وتبني فكرة الانسحاب السريع من العراق، هل نجح هذا الرئيس الملون في ان يثبت للعالم انه جاد في تنفيذ الشعارات التي طرحها وهل توجد امكانية لتنفيذ هذه الشعارات او الخطط الستراتيجية كما يحلو للبعض تسميتها، وما هي ملامح هذه الخطط وهذه الستراتيجية وعلى الخصوص ما يرتبط منها بمصير العراق؟!.
المراقب للوضع في العراق لا يكاد يرى أية ملامح للموقف الامريكي من عملية تشكيل الحكومة التي يفترض ان تكون قد انتهت خلال شهر من الانتخابات.. الموقف الامريكي بالاضافة الى كونه يبعث على الريبة من الاهداف الامريكية النهائية وراء احتلال العراق الا انه يبدو من الناحية الواقعية ضعيفاً ومهزوزاً وغير ذي تأثير خاصة في هذه المرحلة التي تعلن الادارة الامريكية انها موشكةً لا محالة على اتمام الانسحاب من العراق، ولكن مؤسسات امريكية اخرى ذات تأثير في قرارات الستراتيجية الامريكية، يصرحون ويلمحون في كثير من الاحيان الى المسؤولية وانهم لن يتركوا العراق لوحده كما انهم يعزفون باستمرار على وتر التحسن الامني وجاهزية القوات العراقية، وهم يعلمون جيداً ان هذه القوات المسماة عراقية ليست جاهزة ولن تكون جاهزة في يوم من الايام لأن اصابع التدخل الخارجي تعمل وفق اجندة اللا أمن والتدمير وتمزيق الشعب العراقي، وأياً كانت خلفيات وانتماءاته هذه الاصابع الخفية التي تحرك خيوط اللعبة في العراق فإنها وان اختلفت فيما يتعلق بالمكاسب والمصالح الا انها لا تختلف في السيناريو العام الذي تتعامل من خلاله مع قضية العراق. لقد اظهرت السياسة الامريكية الفعلية في العراق بعد سبع سنوات من الاحتلال كما اظهرت التحركات والتصرفات الامريكية خلال وبعد الانتخابات ان الادارة الامريكية لم تأت بقواتها الى العراق من اجل تغيير النظام (الدكتاتوري) وان كان اسقاط النظام وتغييره الخطوة الاولى التي لابد منها للزحف نحو الاهداف التدميرية والتخريبية المفتوحة، وان هذا التصور لا يحتاج الى مزيد من الادلة، فالفوضى الخلاقة التي سمحت بها قوات الاحتلال في العراق وحالة فقدان الامن التي عملت عليها مخابراتها وعناصرها الخاصة بالتنسيق مع الجانب الايراني، ولا يمكن ان ننسى ان الادارة الامريكية هي التي سمحت للتدخل الايراني وهي التي وافقت على احتضان المليشيات الطائفية ووجهتها بالوجهة التي تريدها. ووفق رؤية الساحة العراقية اليوم وفي ظل ما يجري من (حوارات) بين ما يسمى (الكتل والقوائم) وعدم وجود اية اهمية لنتائج الانتخابات بما يضمن للقائمة الفائزة تشكيل الحكومة تجعلنا نفكر في اطار تصورين: الاول ان الولايات المتحدة التي استفادت من ادخال النفوذ الايراني الى العراق في ضرب المقاومة التي اعتقدتها انها سنية المنشأ والحاضنة تقف اليوم عاجزة عن لجم جماح هذا النفوذ وتحجيمه او وضعه في اطار محدد محسوب على اقل تقدير.
اما التصور الثاني والذي يميل اكثر المراقبين والمحللين الى الاعتقاد بأرجحيته وهو ان ما يرشح عن وجود ازمة في العلاقات بين الادارة الامريكية وحكم الملالي في ايران ليس الا تغطية ساذجة لما يجري من تنيسق واقعي بينها وبين حكم الملالي، وان الادارة الامريكية السابقة او الحالية لا تخلتف في نظرتها الستراتيجية للتدخل الايراني المفضوح في العراق في ظل الاحتلال الامريكي والتي كانت وراء الموافقة على ادخاله للعراق وانها ترى ان مجاملة هذا التدخل الذي وصل وربما يصل الى مستوى الهيمنة ومحاولة تحقيق الاهداف والمصالح الامريكية في المنطقة من خلال التنسيق السري في اعلى حلقاته بين الادارة الامريكية ونظام الملالي لا من خلال الاصطدام معها خاصة وان الحاجة تبقى قائمة الى وجود تهديد مستمر للاقطار العربية بشكل خاص وان سياسة تطبيع العلاقات بين العرب والكيان الصهيوني تتطلب ان يكون التهديد المحتمل بعيداً عن الكيان الصهيوني. وفيما يتعلق بملف الانسحاب الامريكي من العراق والذي كان ورقة (اوباما) في الفوز بالانتخابات والذي يشكل حرجاً كبيراً لاوباما كلما اقترب موعد الانتخابات الامريكية القادمة حيث يشعر اوباما ومساعدوه بأن عدم تنفيذ ما وعد به اوباما الشعب الامريكي خلال وبعد حملته الانتخابية سوف يجعله خارج نطاق المناقشة في الانتخابات القادمة.
وبغض النظر عما اذا كان اوباما جاداً في الشعارات التي يطرحها خلال الانتخابات الامريكية وبعدها ام انه استخدمها ورقة للمرور او تكتيكاً مرحلياً فانه بحاجة الى معاملة الموضوع مع عاملين مهمين لا يمكن تجاهل اي منهما، العامل الاول.. ان اوباما قد وضع نفسه بمحض ارادته او هكذا خطط له في امتحان صعب عندما تبنى شعار التغيير خاصة فيما يتعلق بالوضع في العراق وان الامر قد اصبح اكثر جدية بعد ان اوصله الامريكيون الى البيت الابيض وهم ينتظرون ان تتحول شعاراته الى واقع ملموس، وان اي انهيار في مصداقية اوباما او اي تراجع عن تحقيق شعاراته سوف تعني في مرحلة الانتخابات الامريكية القادمة الرحيل عن البيت الابيض. اما العامل الثاني الذي سيكون له تأثيره الكبير على اتجاهات تفكير الرئيس الامريكي فهو تأثير مؤسسات صنع القرار الامريكية التي يعلم جميع المعنيين بالشأن الامريكي انها ليست من النوع الذي يمكن تجاهله وانها يصعب التوفيق بين اتجاهاتها. فمؤسسة البيت الابيض على سبيل المثال والتي يفترض ان تكون المجال الحيوي لتوجهات الرئيس قد لا تخلوا في معظم الاحيان من وجود مستشارين يعملون خارج اطار هذه التوجهات ويتناغمون مع رؤى مؤسسات اخرى. اما (البنتاغون) وزارة الدفاع الامريكية فلا يشك احد في انها تكون من خلال تأثيراتها على القرارات العسكرية بشكل خاص ومن خلال علاقاتها بلوبي الصناعة العملاق وبخاصة صناعة الاسلحة يمكن ان تشكل التحدي الاكبر لتوجهات الرئيس وخططه. وهناك مركز الثقل الثالث وهو مؤسسة الخارجية الامريكية وامتداداتها سواء داخل الكونغرس الامريكي او في وزارة الخارجية وان كانت في احيان كثيرة لا تميل الى الاصطدام مع توجهات الرئيس فهي بحاجة الى خلق القناعات بهذه التوجهات.
ويبقى اللوبي الصهيوني المتداخل في مؤسسة ال بيت الابيض ودوائر البنتاغون ودوائر الخراجية عاملاً مؤثراً في كل القرارات وعلى مختلف الاصعدة. يضاف اليه دور دوائر المخابرات الامريكية في تسهيل امرار القرارات من خلال تقادير الموقت والاستنتاجات التي تضعها والتي ترجح هذا الخيار عن الاخر.
من هذا المنطلق يمكن النظر الى تصريحات الاطراف المختلفة حول موضوع الانسحاب الامريكي من العراق والتناقض الواضح بين هذه التصريحات، فبينما يؤكد بعضها وجود انسحاب فعلي وحتمي وفق ما خطط له، يكاد البعض الآخر يؤكد ان ما يجري هو انسحاب صوري او اعادة انتشار بحكم الحاجة الفعلية للقوات في افغانستان وبهدف تقليل كلفة الاتفاق العسكري في العراق التي اثقلت كاهل الخزينة الامريكية ويبقى الخيار الامريكي مجهولاً كما هو خيار تشكيل الحكومةالعراقية!!
أوباما والتغيير وتحديات الوضع العراقي...كامل العبيدي
