قبل ربع قرن عاش الجيش الاميركي أياما عصيبة، تشبه بنتائجها ما يعيشون هذه الايام في العراق، وفي أواخر أيام ابريل من عام 1975،
شهدت السفارة الاميركية في العاصمة الفيتنامية الجنوبية (سايجون) حركة نقل سريعة للجنود الاميركيين، وما أن يغادر الجنود بتلك المروحيات المخصصة لهروبهم حتى يشعروا بالطمأنينة، هروبا من الجحيم الفيتنامي الذي صنعه المقاومون الفيتناميون (الفيتكونج) واطلق الاميركيون على عملية هروب جنودهم السريعة اسم (عملية نتف ريش النسر). أما في العراق فأطلقوا عليها (عملية ضياء الفجر) ومهما حاولوا تفسير معنى هذه التسمية إلا أنها في واقع الحال لا تخرج عن اطار الهروب مع ضياء الفجر الاول، وهذا ما حصل في العراق.
يتنفس الجنود الاميركيون الصعداء، بعد ان يتأكدوا من خروجهم من ارض الجحيم العراقي، بعد ان زرع المقاومون العراقيون الرعب في قلوبهم، بعض من هؤلاء الجنود تحدثوا باقتضاب الى وسائل الاعلام، معبرين عن سعادتهم الغامرة، لأنهم كما يتصورون قد (ولدوا من جديد)، ففي الأمس كانوا يتخوفون من عبوة تنفجر على جانب الطريق، وتقتل من تقتل وتعوق البعض الآخر، أو تتساقط على رؤوسهم الصواريخ التي يطلقها المقاومون العراقيون مستهدفة قواعدهم ومعسكراتهم المبثوثة في العراق، إدارة البيت الأبيض اطلقوا على حربهم قبل سبع سنوات عنوان (تحرير العراق) واليوم يطلقون (ضياء الفجر)، وفي واقع الحال يدرك الاميركيون قبل غيرهم أن خروجهم من العراق ـ كما يصفه الكثيرون ـ لا يختلف بنتائجه عن تلك الهزيمة المروعة التي عاشها الاميركيون في اواخر ابريل عام 1975، عندما سارعت المروحيات الاميركية لنقل بقايا الاميركيين من سطح السفارة الاميركية في سايجون، وأطلقوا عليها عملية (نتف ريش النسر)، وفي واقع الحال فإن الهزيمة الاميركية في العراق، قد تكون اكبر، إلا ان الاميركيين استفادوا كثيرا من تجربة فيتنام، ولم يتركوا الامور تسير وفق تقديرات السياسيين وحدهم، بل استمزجوا جميع الآراء والافكار، وتأكدوا في وقت مبكر، ان المراهقة السياسية التي مارسها المحافظون الجدد في خطط احتلال العراق، يجب أن لا تستمر، لذلك وصلت رائحة الهزيمة الى انوف قادة البيت الابيض والبنتاجون في وقت مبكر جدا، وأستطيع الجزم انه بالاضافة الى قلة نادرة جدا جدا من الشخصيات العراقية، التي قرأت بداية الهزيمة الاميركية اواخر عام 2005، فإن الغالبية من قادة البنتاجون والمخابرات الاميركية ومستشاري البيت الابيض قد اقتنعوا وبما لا يقبل الشك، أن الهزيمة ترفرف فوق رؤوسهم، وان التفكير بالهروب المبكر قد فرض عليهم، وتدارسوا جميع الخطط الكفيلة بتحقيق الهروب المنظم، شريطة أن لا يكون بنفس عملية (نتف ريش النسر) التي ارغمهم مقاتلو الفيتكونج عليها في ليلة سوداء، والفرق بين عملية (ضياء الفجر) وسابقتها في فيتنام، ان الجنود الاميركيين هربوا بالمروحيات في حين هرب جنودهم من العراق بالطريق الصحراوي، ويتضح حجم الخوف لدى الاميركيين من سرعة الهروب، إذ تحقق خروج (هروب) قواتهم قبل أسبوعين تقريبا، من الموعد الذي حدده الرئيس الاميركي باراك اوباما في خطابه الذي ألقاه في الثاني من أغسطس وحدد فيه نهاية الشهر لخروج آخر قوة قتالية من العراق.
لقد لازم القادة الاميركيون الخوف من عملية نتف ريش لقواتهم أكبر مما حصل في فيتنام، لذلك بدأوا بالهروب الخفي والسريع، وبحلقات متواصلة منذ مدة طويلة، إلا أنهم يدركون أن هزيمتهم في العراق شنيعة، وليقارن الجميع بين الخطاب الذي جاؤوا به الى العراق في ربيع 2003 والخيبة التي يعيشون في صيف 2010.
عملية (نتف ريش النسر) في العراق...وليد الزبيدي
