يحظى الانسحاب الجزئي الأمريكي من العراق بغطاء إعلامي كثيف إلى الحد الذي لا يترك فرصة أمام الكثيرين لمعرفة الحقائق والدوافع والأهداف التي تقف خلف هذه الخطوة الأمريكية،
وبعيدا عن الصخب الإعلامي الذي تمارسه الآلة الإعلامية الأمريكية والذي أصبح جزءا لا يتجزأ من إستراتيجيتها العسكرية في إعماء الرأي العام سواء الأمريكي أو الرأي العام العالمي وفي مقدمته الشعوب المقهورة .
إبتداءا علينا توصيف ما يجري من انسحاب هل هو حقا إنجاز أمريكي كما يصفه الرئيس الأمريكي أم إنه إعادة انتشار وهروب أو على الأقل طبقا للقاموس العسكري انسحابا مدبرا ، فحجم الخسائر المادية والبشرية الباهظة التي تكبدتها هذه القوات في وقت مبكر وانهيار المعنويات وإرادة القتال جعلت من قرار الفرار من العراق أمرا محتما ولو بأقل ما يمكن من ماء الوجه الذي تجسد فيما بعد بتوقيع الاتفاقية الأمنية في آخر عهد الرئيس بوش .
لقد رفع الديمقراطيون والرئيس أوباما شعار الانسحاب من العراق كعنوان لحملتهم الانتخابية ، ولان الشعب الأمريكي لم يعد يرى في هذه الحرب سوى جريمة مستوفية لكافة شروط الإبادة الإنسانية تم انتخاب أوباما الذي وعد بالتغيير وبانسحاب مسؤول من العراق ينتهي في عام 2011 . ولكن هل حقا في آلية صنع القرار الأمريكي يستطيع الرئيس أن يتخذ مثل هذه القرارات ، أم انه مجرد أداة تنفيذ ليس إلا ، ويبقى قرار الحرب والسلم وميزانيتهما منذ عرف العالم أميركا بيد محور الصناعة النفطية – العسكرية ، فغزو العراق لم يكن مجرد صدفة أو حماقة أرتكبها الرئيس السابق بوش أو بسبب ذرائع امتلاك العراق أسلحة ذات تدمير شامل وعلاقة مزعزمة مع تنظيم القاعدة .
من الواضح إن الإدارة الأمريكية ستحافظ على ثبات مصالحها الإستراتيجية في العراق بأي ثمن ولكنها ستتلاعب بالوسائل وطريقة الإخراج ، بمعنى آخر الخروج من الباب بضجة إعلامية والدخول خلسة من الشباك ، والسيناريو المعد لانجاز مثل هذه الثنائية بسيط وممكن ، فمن جهة ستقوم بانسحابات حقيقية جزئية للإيفاء بمتطلبات الاستحقاق الانتخابي القادم وخداع كلا الشعبين الأمريكي والعراقي من خلال التظاهر بالإيفاء بالوعود الانتخابية التي قطعها الرئيس الأمريكي على نفسه بإنجاز الانسحاب وفق التوقيتات, ومن جهة أخرى فإن إبقاء خمسين ألف جندي من قوات النخبة مدعومة بقوة جوية ضاربة ومعززين بمئة ألف من جنود المرتزقة حسب المصادر الأمريكية كفيل بأن يبدد أية أوهام لدى البعض في أن تتخلى أميركا عن مصالحها الإستراتيجية في العراق ، لاسيما وان الحكومة العراقية الموالية لها قد وقعت اتفاقية تجيز تمديد بقاء وتدخل القوات الأمريكية، ولم تكتف هذه الاتفاقية بإضفاء الشرعية على بقاء هذه القوات وإنما ستحمل الشعب العراقي كلفة بقائها على اعتبار أنها باقية بناء على طلب الحكومة العراقية المنتخبة !
الانسحاب الأمريكي .. بين الحقيقة والوهم... د . خالد المعيني
