هيئة علماء المسلمين في العراق

نظافةُ الأيدي ..عبد الدائم السلامي
نظافةُ الأيدي ..عبد الدائم السلامي نظافةُ الأيدي ..عبد الدائم السلامي

نظافةُ الأيدي ..عبد الدائم السلامي

يُقال إنّنا نعيش لنأكل ونُمتّع بطونَنَا بما بقى من خيرات الأرض \"وبعدها سنأكل خيرات السماء\"، بدليل أنّ جلّ الناس يقبلون على المقاهى ليلَ نهارَ ويتزاحمون أمام المطاعم أكثر مما يقبلون على المكتبات ودور المسرح والسينما.
ولكن أنْ "نَعِيش لنأكلَ" ليس مَعرَّةً وجب إخفاؤُها عن الآخرين، فالآخرون أنفسهم يأكلون ويشبعون، وإنْ بدرجات أقلَّ، بفضل انتشار ثقافةِ التَّخْسِيسِ. ذلك أن فعلَ الأكلِ نعمةُ وُجُودٍ حافظ عليها الإنسان وأضفى عليها مظاهر الحضارة والتمدّن، فقسّمها إلى وجبات يختلف عددها من شعب إلى آخر حسب الحاجة والإمكانات. بل إن فى الأكل متعةً تشارك فى تحصيلها جميع الحواس بإشراف دقيق للعقل، فإذا غابت حاسة ما كاللّمس أو الشمّ مثلا قَلَّتِ المتعةُ، لذلك يذهب البعض إلى أن استعمال الملعقة والشوكة والسكين مخصوص بأصحاب الأيادى الوسخة!
والأكل فلسفة تحكمها طقوس، يتجاوز فِعْلُهَا إشباعَ البطون إلى حالات من ذوبان عناصر الأرض فى الكائن الحيّ أو التحامه هو بها فى حركة دائرية مغلقة نسميها اختصارا دورة الحياة. ويتعدّى مفهوم الأكل المادى بموجب هذا الفهم إلى مستوى معنوى تشمل دائرته الفنّ والأدب والجمال والحلم والزمن والتاريخ والإنسان.
ويبدو أنّ العَالَمَ المُتَأَمْرِكَ المُعَوْلَمَ قد مَلَّ استعمالَ الشوكةِ والسكين خوفًا من إِمْكَانِ اِتِّسَاخِ أَيَادِيهِ البيضاء، فمال إلى طريقةٍ فى الأكل جديدةٍ يستعمل فيها، عندما تكون مُكوّناتُ الوَجْبَةِ دَسِمَةً مصادِرُها دولٌ ضعيفةٌ عسكريًّا وشعوبٌ غنيةٌ لها حضارةٌ عريقةٌ وأراضٍ خصبةٌ تُنبِتُ النِّفْطَ ومشتقّاته، تستعمل قُفَّازاتٍ بَشَرِيَّةً من الخونة والمعارضين الأذيال تمنع عنه دَمَ ضحاياه من الأبرياء والمشرّدين وتخرجه من متن تاريخ الجرائم إلى عصر الديمقراطية، لا بل إنّ هذه القفّازات تتجاوز دَوْرَ الحفاظ على نظافة أَيَادِى أسيادها، لتصير حَوَامِضَ تُسَاعِدُ على سهولة هضم وجباته البشرية والسياسية مانعةً بذلك أنْ يُصَابَ أصحابُها بِمَغْصِ المقاوَمَات الوطنية أو بكوابيس الصواريخ البدائيّة المصنوعة من قبل أيادٍ مجروحةٍ...
المصدر :العرب اون لاين
27/12/2005

أضف تعليق