رسالة الروائي والكاتب المكسيكي كارلوس فوانتيس الى الرئيس بوش واحدة من آلاف وربما ملايين الرسائل التي كتبها مثقفون عابرون للقارات واللغات. وقد سبق للكاتب الأرجنتيني بورخيس قبل رحيله ان كتب بدوره
عن عمى القوة ببصيرة نفاذة رغم فقدانه للبصر، ويبدو ان الرسائل التي ترسل للبيت الأبيض لا تصل، ولا يعيدها سعاة البريد الى مرسليها، وربما كان آخر صندوق بريد مهجور في حديقة ذلك البيت قد تحول الى عش غراب.
امتياز رسالة المكسيكي فوانتيس الى الرئيس بوش دقتها، وبلاغتها السياسية الواقعية، فهو يقارعه بالحجة قبل ان يقرّعه أخلاقياً وسياسياً، ولسوء حظ الولايات المتحدة انها نكبت بالعديد من الرؤساء الذين حولوا عاصمة بلادهم الى عاصمة للهجاء الشعري والسياسي، وما كتبه لوركا وسنجور وكورسو وغيرهم عن نيويورك يجعلها أشبه بذلك الصندوق الاسطوري المليء بالشرور، لكن هجاء أمريكا لا يعني على الدوام هجاء الأمريكيين فهم ككل شعوب العالم منهم المخدوع والمضلّل وذو المصلحة في السطو على الآخرين.
رسالة المكسيكي فوانتيس تبدأ من أول الحكاية ومن بدء تولي بوش الابن منصب الرئاسة لكنها لا تصل الى نهايتها لأن الرئيس ما يزال يحكم وما يزال يخطئ، ويزل لسانه بما يستحق ألف اعتذار واعتذار.
وما يقوله الروائي فوانتيس عن الحرب ضد العراق قد لا يتجاسر عرب كثيرون على قول واحد في المائة منه، لأن الأفواه ليست طليقة، وقد تكون مملوءة بما يعوقها عن النطق، اضافة الى كون هذا المثقف اللاتيني وريث حمولة شقاء هائلة، منذ زائر الفجر كولومبوس حتى زائر المساء حفيده الأشد بياضاً منه.
والرئيس بوش لا يرد على رسائل من هذا الطراز وقد لا يقرأها أيضاً، وان قرأ ملخصات لها فهو على الأرجح لن يفهم أهم ما يرد فيها، لأن رسائل المثقفين الى الساسة رمزية، وبها قدر كبير من الشهادة، فهي ممهورة بتواقيع خالدة، وستضاف بمرور الأيام الى الأعمال الكاملة لهؤلاء الذين رفضوا الامتثال، ولم يلوذوا بالصمت، في زمن شحت فيه المناعة.
يفند فوانتيس منطقياً وبالمحاجة العقلية كل الذرائع التي قدمها الرئيس بوش للحرب ضد العراق، فهو يقول مثلاً إنه اقترف هذه الحماقة كي لا يتكرر الحادي عشر من سبتمبر/ أيلول مرة أخرى، وهنا نجد نموذجاً للتضاد بين المقدمات والنتائج، فقد تكرر الحادي عشر من سبتمبر/ أيلول في مدريد ولندن وأماكن أخرى بدرجات متفاوتة، وما ظنه الرئيس تلقيحاً ضد الارهاب تحول الى ارهاب آخر، أنكى وأشد، وله تمدد اخطبوطي عبر القارات كلها.
ان التركة التي ستنتقل من الرئيس بوش الى من سيعقبه ستكون ثقيلة، ومنها هذه الرسائل التي قد تقرأ بأثر رجعي، وقد يصل الرد متأخراً عشرة أعوام او قرناً عن موعده الى المرسل، فالتاريخ لا يعبأ باللحظات العابرة، وبالأشخاص العابرين أيضاً، وثمة رسائل كتبها أرامل في الحرب العالمية الأولى، وصلت الى الأزواج الموتى بعد ثمانين عاماً، لكن عبر شهود من الورثة الأحياء.
تنتهي رسالة المكسيكي فوانتيس بعبارة قد تتحول ذات يوم الى أيقونة أمريكية إذا صحت الولايات من سباتها، يقول إن أمريكا أصبحت الآن رهينة أخطاء الرئيس بوش، وبمعنى آخر فإن الولايات المتحدة قد تعرضت هي الأخرى الى اختطاف وعلى العالم بأسره ان يسهم في انقاذ أمريكا من براثن ساستها وجنرالاتها، لأنهم الأعداء الذين ولدوا من صلبها في لحظة انحرف فيها التاريخ عن مجراه.
هي رسالة من ملايين الرسائل التي لم تعثر على المرسل إليه.. ولم يعدها السعاة الى مصدرها، فبقيت معلقة ومؤجلة شأن الكثير من الأشياء في زمن الزهايمر السياسي
الهيئة نت +وكالات
27/12/2005
صندوق بريد أم عش غراب؟........خيري منصور
