هيئة علماء المسلمين في العراق

\"عقدة\" أمريكا في العراق.. حالة خاصة جداً.. جون موللر
\"عقدة\" أمريكا في العراق.. حالة خاصة جداً.. جون موللر \

\"عقدة\" أمريكا في العراق.. حالة خاصة جداً.. جون موللر

أخذ التأييد الأمريكي العام للحرب في العراق المسار نفسه الذي أخذه في حربي كوريا وفيتنام، حماسة جارفة في بداية اندلاع الحرب، يعقبها تدن واضح في التأييد بسبب تصاعد عدد الضحايا؛ الأمر الذي أجج العقدة العراقية، ويمكنه أن يجهض السياسة الخارجية الأمريكية على مدى العقود القادمة، ويذهب بعقيدة \"بوش\" الأحادية أدراج الرياح. كانت هذه خلاصة مقال "العقدة العراقية" أو The Iraq Syndrome الذي نشر مؤخرًا في مجلة "فورين آفيرز" الأمريكية لـ"جون موللر" أستاذ العلوم السياسية بجامعة "أوهايو" حيث يشرح كيف أصبحت للحرب العراقية خصوصية ما مقارنة بالحرب الكورية أو الفيتنامية.

ويتناول "موللر" تقييم الجمهور الأمريكي للحروب الخارجية الأمريكية بوجه عام، وموقفه من قضية "الانسحاب" من العراق تلك القضية التي أثارت جدلاً واسعًا في الوسط الأمريكي لا يُقارن بمثيله في أي حرب أمريكية سابقة.

خصوصية حرب العراق

"منذ عام 1945 والقوات الأمريكية تدخل في حروب خارجية لا حصر لها إلا أن حروب كوريا وفيتنام والعراق كانت الأشد وطأة حيث كانت الولايات المتحدة تخسر أكثر من 300 جندي أمريكي في العملية العسكرية الواحدة".

ويبدأ "موللر" باختبار فرضيته التي تقول: إن هناك علاقة موجودة دائمًا بين تصاعد عدد "الضحايا" الأمريكيين وانخفاض تأييد الجمهور الأمريكي للحرب. وفي هذا السياق يرى الكاتب أن حرب العراق تمثل حالة خاصة؛ لأن تدني التأييد الجماهيري الأمريكي لحرب العراق كان أسرع كثيرًا من نظيره في حربي كوريا وفيتنام. ففي بداية 2005 حينما وصل عدد "الضحايا" في العراق إلى 1500 أمريكي شهدنا صعودًا عظيمًا لعدد الأمريكيين الرافضين للحرب إذ رأى حوالي 50% من الجمهور الأمريكي أن الإدارة الأمريكية ارتكبت خطأ فادحًا بدخولها حرب العراق، وهي النسبة نفسها الرافضة لحرب فيتنام في عام 1968 حينما ارتفع عدد "الضحايا" الأمريكيين إلى 20 ألفًا وليس 1500 فقط.

ويُفسر "موللر" هذا التغير لدى الجمهور الأمريكي بمكانة الحرب ذاتها لديه، فمكانة حرب العراق تختلف عن غيرها. فالجمهور الأمريكي قد وضع حرب العراق في الاعتبار أكثر من حربي كوريا وفيتنام؛ لأن التبرير الذي قدمه "بوش" لدخول الحرب - مكافحة الإرهاب واقتلاع أسلحة الدمار الشامل - لم يأتِ على هوى الشعب الأمريكي بعد أن ثبت خطؤه.

لِمَ انخفض التأييد؟

ولا يترك "موللر" أمر عدد الضحايا على إطلاقه؛ لأنه لا يزال هناك كثير من الأمريكيين يؤيدون الحرب رابطين إياها بأهداف "عظمى" مثل "الحرب على الإرهاب" أو "خلع صدام حسين" الذي طالما تمناه الجمهور الأمريكي منذ حرب الخليج الثانية عام 1991. كذلك يعتمد الأمر بالنسبة لعدد الأمريكيين الرافضين أو القابلين للحرب العراقية على كيفية صياغة الاستطلاع الموجه للمواطن الأمريكي، فعلى حسب صيغة السؤال يكون الرفض أو القبول ومن ثَم تكون نتائج الاستطلاعات.

لقد حاول بعض المحللين ربط التأييد المتدني للحرب العراقية بعوامل أخرى غير تصاعد عدد "الضحايا" فوجدوا مثلاً أن صور التوابيت المحملة بالجثث الأمريكية ليست بالضرورة عاملاً في ترسيخ حقيقة تصاعد عدد "الضحايا"؛ لأن منع مثل هذه الصور لن يحذف تلك الحقيقة من أذهان وعقول الشعب الأمريكي.

كذلك رأى أولئك المحللون أن تصاعد المعارضة الأمريكية للحرب ليس مرتبطًا بوجود حركة أمريكية مناهضة لها، فلم توجد مثل هذه الحركة على مستوى الشارع الأمريكي سواء في الحرب الأمريكية بالعراق أو في نظيرتها بكوريا.

ومع ذلك فقد تصاعد الغضب الشعبي الأمريكي تجاه الحربين. ولا ينفي هذا أن وجود مثل هذه الحركة قد يسهم كثيرًا في تصاعد غضب الشعب الأمريكي حيال الحرب، كما حدث في حرب فيتنام، بمعنى آخر إن تصاعد الغضب الأمريكي حيال الحرب لا يرتبط بوجود أو عدم وجود حركة أمريكية مناهضة.

وبالمثل ينفي هؤلاء المحللون وجود علاقة قوية بين تدني التأييد الأمريكي للحرب وقدرة المعارضين للحرب على تقديم بدائل سياسية. فقد انتخب كل من الرئيسين "دوايت أيزينهاور" و"ريتشارد نيكسون" على أساس كونهما معارضَين للحرب في كوريا وفيتنام إلا أنهما لم يُقدما خططًا عملية للخروج من مستنقع الحرب أي أن وجود رؤية رافضة للحرب على يد هذين الرئيسين الأمريكيين لم يثنِ الشارع الأمريكي عن مسيرته الغاضبة تجاه الحرب، وهو ما يوضح أمرًا في غاية الأهمية، كما يقول "موللر": إن الحروب تؤذي الحزب السياسي المبادر بالحرب ليس لأن الحزب المعارض يأتي برؤية متناقضة متسقة، وإنما لأن عدم الرضا عن الحرب يُترجم إلى انعدام ثقة الشعب في الحزب المبادر.

معيار النصر

على الرغم من أن الرئيسين "بوش الأب والابن" قد بذلا كل جهدهما لـ"بيع" حرب العراق سواء في عام 1991 أو في عام 2003 فإن أكثر ما ألهب حماسة الشعب الأمريكي لخوض الحربين هو رؤيته للجنود الأمريكيين وهم ذاهبون إلى الحرب، وهو ما يُسميه "موللر" تأثير "التجمع حول العلم" أو"rally around the flag" effect.

وبالمثل كان الإمساك بصدام حسين وإجراء انتخابات بالعراق بمثابة الأحداث الشهية التي تلهب حماسة الشعب الأمريكي من وقت لآخر ورفعت عدد المصوتين الأمريكيين للحرب بشكل ملموس، وأيضًا بشكل مؤقت إذ سرعان ما تعاقبت الأحداث "غير الشهية" - مثل كشف انتهاكات "أبو غريب" في 2004 - لتحدث انتكاسة ملموسة أيضًا في عدد المؤيدين إلا أننا لا نستطيع القول بأن الأحداث "الشهية" لن تغير موقف معظم المتضررين من الحرب الذين يشعرون بعمق الضرر أكثر من أي أحد آخر.

وإذا كان مشهد الجنود الأمريكيين وهم ملتفون حول العلم الأمريكي وما يعرف بـ"الأحداث الشهية" في أثناء الحرب معيارين أساسيين لدى الشعب الأمريكي في تأييده أو عدم تأييده للحرب، فإن "النصر" لا شك يعتبر معيارًا ثالثًا.

ويذهب بعض العلماء والخبراء إلى حجة تقول: إن تحقيق النصر على المستوى الأمريكي هو المعيار الحقيقي لتأييد الحرب وليس عدد الضحايا، فكلما رأى الشعب الأمريكي الجنود الأمريكيين منتصرين غانمين اتجهوا إلى تأييد أكبر للحرب إذ إنهم لا يعبئون حقيقة بعدد "الضحايا" طالما أن جنودهم منتصرون.

وفي نهاية الأمر، كما يشير موللر، فإن المواطن الأمريكي لا يفرق معه الشخص الفيتنامي أو الكوري أو العراقي، فهو يؤيد الحرب طالما حدث تهديد لمنظومته بشكل عام، وهو لم يؤيد حربي كوريا وفيتنام إلا من أجل دحض الشيوعية.

لا انتصار في العراق!!

وإذا كان الانتصار معيارًا حقيقيًّا للتأييد فإن الكاتب لا يتنبأ بأي انتصار كبير كالذي تحقق في عراق 1991 الذي لن يتكرر ثانية، ويُرجع ذلك إلى أن مشكلة العراق الحالي أكبر من مجرد إنهاء "عنف" أو وأد مقاومة.

فمنذ بداية الاحتلال الأمريكي للعراق والمشاكل تتراكم وتتعقد بدءًا من صغر حجم القوات الأمريكية الغازية وعدم التعقل الأمريكي في وضع السياسيات الإدارية الأولى وتدشين حكومة عراقية فاشلة على يد الإدارة الأمريكية مرورًا بفساد المسئولين والموظفين الحكوميين العراقيين والانقسامات الإقليمية والصراعات الدينية وتصاعد معدل الجرائم والأداء السيئ لرجال الشرطة العراقية والتغرير السياسي والمشاحنات العميقة بين مختلف الفصائل العراقية والتعسر الاقتصادي... إلخ.

ولا تعكس كل هذه المشكلات أي بادرة انتصار أمريكي في العراق سواء على المستوى القريب أو المستوى البعيد. وهو الأمر الذي يوضحه الانقسام الأمريكي الحاد على حرب العراق الراهنة، ذلك الانقسام الذي لم تشهده أي عملية عسكرية أمريكية على مدى نصف قرن، كما يُقر "جاري جاكوبسون" أستاذ العلوم السياسية بجامعة "كاليفورنيا" الأمريكية.

جدلية الانسحاب

يُركز "موللر" على قضية الانسحاب الأمريكي وما يثار عنها من جدل عنيف في الوسط الأمريكي. فمن ناحية يقف المسئولون الأمريكيون مُعارضين لفكرة "الانسحاب" استنادًا إلى فكرة "الفتنمة" التي يسقطونها - بسبب وبدون سبب - على الوضع العراقي فيتصورون أن انسحاب القوات الأمريكية من العراق سيُفضي إلى "حمام دم" كما حدث من قبلُ في فيتنام، ويتصورون أيضًا - وعلى رأسهم "بوش" - أن الانسحاب الأمريكي سيُقوي شوكة "المُسلحين الإسلاميين" الذين سينظرون إلى الانسحاب باعتباره انتصارًا أكبر وأعظم من الانتصار الذي حققه الأفغان عند طردهم للسوفييت، بل سيكون هذا الانسحاب كما يتوقع المسئولون الأمريكيون بمثابة انتصار لنظرية "بن لادن" التي تقول:
إن الإرهابيين يمكنهم هزيمة الولايات المتحدة عبر إلحاق الضرر المتكرر الذي سيؤدي إلى سقوط عدد صغير من الضحايا، لكنه يحدث أثرًا مدويًّا.

وقد يبرر أولئك المسئولون توقعهم هذا بما يرونه على صعيد المقاومة العراقية التي لن تنكسر بعد "الانسحاب" كما لم تنكسر نظيرتها الفيتنامية.

ومن الناحية المناقضة يقف المؤيدون لفكرة "الانسحاب" - ينضوي "موللر" تحت لوائهم - مقيمين حجتهم على أساس أن المقاومة العراقية تختلف كلية عن المقاومة الفيتنامية، ومن ثَم ينبغي ألا نقيس على الأخيرة، وذلك لعدة أسباب منها:

أولاً: أن المقاومة العراقية - على الرغم مما قدمته من تضحيات - أقل عددًا وشعبية من المقاومة الفيتنامية.

ثانيًا: أنها أقل تنظيمًا كحركة سياسية عن مثيلتها الفيتنامية.

وأخيرًا: فإنها لا تتمتع بنفس القدر من الدعم الدولي الذي تمتعت به المقاومة الفيتنامية.
وهذه النقاط الثلاث كلها حسب وصف موللر!!. 

يضاف إلى ذلك أن الانسحاب الأمريكي لن يؤدي بالضرورة إلى كارثة سياسية أمريكية حيث يقول موللر: إن الشعب الأمريكي أثبت قدرة فائقة في امتصاص المصائب، ويضرب مثلين على ذلك، فيقول: إن الشعب الأمريكي صوَّت للرئيس "دونالد ريجان" (ولاية ثانية) في عام 1984 على الرغم من قيامه بسحب القوات الأمريكية من لبنان في نفس العام بعد مقتل 241 أمريكيًّا بفعل عملية "إرهابية"، وكذلك صوَّت الشعب ذاته للرئيس "بيل كلينتون" في عام 1996 على الرغم من قيامه بسحب القوات الأمريكية من الصومال في عام 1994. فالشعب الأمريكي - كما يقول "موللر"- ينسى سريعًا.

توابع العقدة العراقية

كما نمت عقدة فيتنام وترعرعت فإن عقدة العراق في طريقها لذلك، وكما أدت العقدة الأولى إلى خلوّ الحرب الباردة من أي محاولات "فيتنامية" أخرى من جانب الإدارات الأمريكية المتعاقبة، فإن العقدة الثانية ستؤدي غالبًا إلى خلو العقود القادمة من أي محاولات "عراقية" من جانب الإدارة الأمريكية الحالية وما يعقبها من إدارات.

فعلى حسب استطلاع أمريكي أُجري في مستهل هذا العام في ولاية "ألباما" الأمريكية رفض ثُلثا العينة عودة القوات الأمريكية إلى العراق إذا ما قررت واشنطن سحب قواتها حتى ولو حدثت حرب أهلية.

ويشير موللر إلى أن العقدة العراقية بدأت بالظهور على الرئيس الأمريكي ذاته الذي باتت عقيدته الأحادية محل تساؤل وشك بمعنى أن العقيدة الأحادية "البوشية" ذهبت أدراج الرياح وصارت هي أيضًا ضحية للعقدة العراقية. وتبين للرئيس "بوش" ولجميع الطاقم الحكومي الأمريكي أن القوة الأمريكية يمكن ردعها على يد مواطنين عراقيين مدربين على خوض حروب غير منظمة.

وإذا كانت عقدة العراق قد أخلفت من ورائها تجرؤ العراقيين على ردع القوة العظمى فإنها أيضًا جرأت كلاًّ من كوريا الشمالية وإيران على تلك القوة العظمى التي باتت غير قادرة على صد الدولتين الآسيويتين عن مشروعهما النووي لا سيما بعد تولي الرئيس الإيراني الجديد الذي أعلن صراحة عن أنه لا يضع الولايات المتحدة في أدنى اعتبار أي أن أكبر مستفيد من عقدة العراق هم أعضاء "محور الشر"!!.

ــــــــــــ
المقال نشر تحت عنوان The Iraq Syndrome في مجلة "فورين آفيرز" الأمريكية نوفمبر/ ديسمبر 2005.

الكاتب: جون موللر وهو أستاذ العلوم السياسية بجامعة "أوهايو" الأمريكية آخر مؤلفاته كتاب "مخلفات الحرب" أو Remnants of War 

قراءة: شيرين حامد فهمي وهي باحثة دكتوراة بكلية الاقتصاد والعلوم السياسية بجامعة القاهرة.

إسلام أون لاين
26/12/2005

أضف تعليق