ثمة سؤال يطرح نفسه مؤداه: هل فرض الله –تعالى- على عباده صيام شهر رمضان المبارك شكرا على نعمة، واحتفالا بمناسبة، هي نزول القرآن الكريم فيه؟!
وللجواب على هذا السؤال نحيل القارئ الى آيات الصيام، وتحديدا قول الله –تعالى-: (شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآَنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ...) إلى قوله: (... وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ) [البقرة: 185] .
فعند ادنى تأمل لفاتحة الآية وخاتمتها، نجد ان فاتحتها تنص على أن الله –تعالى- اختار شهر رمضان دون غيره وقتا محددا لإنزال كتابه، الذي هو شرعة ومنهاج هذه الامة، ودستور الحياة، وفضلا عن هذا الاعلان الصريح فإنها تنطوي على تنويه بفضل شهر رمضان على غيره من الشهور. واما خاتمتها (...وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ) فإنها تطالب المكلفين بشكر المنعم –سبحانه- على تلك النعمة، متمثلة بذلك الكتاب الكريم، الذي يهدي للتي هي أقوم، وقد يكون القرآن تعيينا هو المراد بالنعمة التامة في قول الحق –تعالى- : (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا...) [المائدة: 3] .
ولك ان تقول: ان شكر نعمة النعم، هو الاحتفال بمفهومه الاسلامي الواسع في مناسبة هي بحق مناسبة كل المناسبات، والاحتفال بمفهومه الاسلامي الواسع عبارة عن اداء عبادة ما وطاعة وقربة الى الله –تعالى- ولها صور متعددة في مقدمتها الصيام، والسجود، والصلاة، والصدقة، وتلاوة القرآن، ونحوها، ودونك التفصيل:
اولا- من مفردات الاحتفال بمفهومه الاسلامي الأوسع الصيام، ومن امثلته:
1. صوم النبي -صلى الله عليه وسلم- يوم عاشوراء في ذكرى انتصار أخيه موسى ومن معه من المؤمنين على فرعون وجنوده، فقد كان الاحتفال بنصر عسكري عبارة عن صيام.
2. صوم النبي -صلى الله عليه وسلم- يوم الاثنين؛ احتفالا بذكرى عزيزة على نفسه، وعلى كل نفس مؤمنة هي ذكرى مولده ومبعثه، جاء في الحديث: سئل النبي صلى الله عليه وسلم عن صوم يوم الاثنين ؟ فقال : " ذلك يوم ولدت فيه وأنزل علي فيه" .
ومثل القول فيهما يقال عن صوم رمضان.
ثانيا- من مفردات الاحتفال بمفهومه الاسلامي الشامل السجود المعروف بـ سجود الشكر، ومن امثلته:
1. عن ابي بكرة -رضي الله عنه- قال: "كان النبي -صلى الله عليه وسلم- إذا أتاه أمر يسره أو بشر به خر ساجدا شكرا لله تعالى " وفي لفظ آخر لحديثه: "أنه شهد النبي -صلى الله عليه وسلم- أتاه بشير يبشره بظفر جند له على عدوهم فقام فخر ساجدا فأطال السجود..." فالنبي -صلى الله عليه وسلم- كان يسجد شكرا لله اذا اتاه نبأ انتصار جيوشه، او أي خبر، او بشرى سارة.
2. وعن سعد بن ابي وقاص -رضي الله عنه- قال: خرجنا مع النبي -صلى الله عليه وسلم- من مكة نريد المدينة -وفي اثناء الطريق- نزل ثم رفع يديه فدعا الله ساعة، ثم خر ساجدا فمكث طويلا. ثم قام فرفع يديه ساعة، ثم خر ساجدا. فعله ثلاثا، وقال : "إني سألت ربي، وشفعت لأمتي فأعطاني ثلث أمتي؛ فخررت ساجدا شكرا لربي، ثم رفعت رأسي فسألت ربي لأمتي فأعطاني ثلث أمتي؛ فخررت ساجدا شكرا لربي، ثم رفعت رأسي فسألت ربي لأمتي فأعطاني الثلث الآخر فخررت ساجدا لربي" فسجود النبي -صلى الله عليه وسلم- هو احتفال على طريقته بمناسبة هذا العطاء الرباني غير المجذوذ، وتشفيعه في امته كلها جميعا.
3. وسجد أبو بكر الصديق –رضي الله عنه- حين بلغه خبر مقتل مسيلمة الكذاب. وسجد علي بن ابي طالب –رضي الله عنه- حين وجد كبير الخارجين عليه، حُرْقَوصِ بنِ زُهَيْرٍ، الملقب بـ ( ذُو الثُّدَيَّةِ) صريعا. وسجد كعب بن مالك –رضي الله عنه- في عهد النبي -صلى الله عليه وسلم- لما بشر بتوبة الله عليه .
ثالثا- من مفردات الاحتفال بمفهومه الاسلامي الاشمل الصلاة، ومن امثلتها:
1. للمسلمين عيدان، عيد الفطر والذي يتبع شهر رمضان، وعيد الأضحى الذي يقع في العاشر من شهر ذي الحجة الهجري، والذي يتبع وقفة الحجاج المسلمين على جبل عرفات، يبدأ كل عيد بصلاة العيد، ووقتها بعد شروق الشمس.
فالعمود الفقري للاحتفال بالعيدين الصلاة.
2. إضافة لهذين العيدين المجيدين للمسلمين هناك عيد يتكرر كل أسبوع هو يوم الجمعة، يجتمع فيه المسلمون ظهر يوم الجمعة ليؤدوا صلاة الجمعة المفروضة الواجبة، ويستمعوا إلى خطبة الجمعة الشاملة للوعظ بالتذكرة ومناقشة أمور الساعة، حيث بعد الصلاة يتفرق المسلمين ليلاقوا أحبتهم وأصدقائهم لتناول طعام الغداء معهم أو مع أفراد أسرتهم أو ينفضوا إلى عملهم وتجارتهم.
فالعمود الفقري للاحتفال بالجمعة الصلاة.
رابعا- من مفردات الاحتفال بمفهومه الاسلامي العام اقتطاع جزء من الممتلكات بصورة عامة لله، كالصدقة، والعتق، ونحر الذبائح، ومن امثلتها:
1. وليمة العرس: في الاحاديث ان النبي -صلى الله عليه وسلم- اولم في الزواج، واوصى كل مؤمن قائلا: " أولم ولو بشاة ".
2. العقيقة: عق -صلى الله عليه وسلم- عن الحسن والحسين كبشا كبشا.
خامسا- من مفردات الاحتفال بمفهومه الاسلامي الاعم تلاوة القرآن:
لشهر رمضان خصوصية ليست لسائر شهور السنة، وهي انه شهر القرآن، فرمضان والقرآن صنوان لا يفترقان، إذا ذكر احدهما ذكر الآخر، وكان جبريل يلقى النبي في كل ليلة في رمضان فيدارسه القرآن، أي تتم عملية مراجعة القرآن في ليالي رمضان، وفي عام وفاته راجعه مرتين، وفي هذا دليل على استحباب تلاوة القرآن ودراسته في رمضان، واستحباب ذلك ليلا، لما سبق من مراجعات (نبوية- جبريلية) ولأن الليل تنقطع فيه الشواغل، وتجتمع فيه الهمم، ويتواطأ فيه القلب واللسان على التدبر كما قال –تعالى-: (إن ناشئة الليل هي أشد وطئا وأقوم قيلا) [المزمل:6]، وكان سلف هذه الامة يكثرون من تلاوة القرآن في رمضان، وكان بعضهم يختم القرآن في قيام رمضان في كل ثلاث ليال، وبعضهم في سبع، وبعضهم في كل عشر، واليك صور من معيشتهم في كنف القرآن في رمضان:
1. كانت عائشة -رضي الله عنها- تقرأ في المصحف أول النهار في شهر رمضان فإذا طلعت الشمس نامت.
2. وقال ابن عبد الحكم: كان مالك إذا دخل رمضان ترك قراءة الحديث ومجالسة أهل العلم، وأقبل على تلاوة القرآن من المصحف.
3. وقال عبد الرزاق: كان سفيان الثوري إذا دخل رمضان ترك جميع العبادة وأقبل على تلاوة القرآن.
4. وكان للشافعي في رمضان ستون ختمة، يقرؤها في غير الصلاة، بمعدل ختمتين في اليوم الواحد على الاقل.
5. وكان الزهري إذا دخل رمضان قال: فإنما هو تلاوة القرآن وإطعام الطعام.
وأنت -ايها القارئ المؤمن- ينبغي أن يكون لك وِرْد من تلاوة القرآن، يحيا به قلبك، وتزكو به نفسك، وتخشع له جوارحك، وبذلك تستحق شفاعة القرآن يوم القيامة. قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: " الصيام والقرآن يشفعان للعبد يوم القيامة، يقول الصيام: أي رب منعته الطعام والشهوة، فشفعني فيه، ويقول القرآن: منعته النوم بالليل فشفعني فيه. قال: فيُشفَّعان" .
فإذا اردت -ايها القارئ المؤمن- شكر تلك النعمة التامة، والاحتفال بهاتيك المناسبة، فاكثر من تلاوة القرآن، فرمضان شهر القيام كما انه شهر الصيام، والقيام يكون بالقرآن.
بقيت هاهنا ملاحظة: هي اننا لم نرد في مقالتنا هذه الاحتفال المعروف الذي تسالم عليه عقلاء البشر، والداخل ضمن ما يمكن ان نطلق عليه: (المشترك الانساني) وانما عنينا الاحتفال بمفهومه الاسلامي الذي عبرنا عنه بـ (الواسع) و (الشامل) و (الاعم) ونحوها، اذ الاسلام رقى الاحتفال عبر ربطه بالله، فالصيام لله، والسجود لله، والصدقة لله، والصلاة لله، والتلاوة لله، ولم يعد الاحتفال مجرد لهو ولعب، واقر الاسلام بعض صور الاحتفال المتعارف عليه بين البشر، وليس ادل على ذلك مما يأتي: عن عائشة - رضي الله عنها - : " أن أبا بكر دخل عليها ، وعندها جاريتان في أيام مِنى تُدَفِّفان وتضربان، والنبيُّ -صلى الله عليه وسلم- مُتَغَشّ بثوبه ، فانتهرهما أبو بكر ، فكشف النبيُّ -صلى الله عليه وسلم- عن وجهه، فقال: دَعْهما يا أبا بكر، فإنها أيام عيد، وتلك الأيامُ أيامُ مِنى" واضافت عائشة : ان السُّودان كانوا يلعبون بالدَّرَق والحِرَاب في المسجد يوم العيد. قالت: فإما سألتُ رسولَ الله -صلى الله عليه وسلم- ، وإِما قال : تَشْتَهين تنظرين ؟ قلتُ : نعم ، فأقامني وراءه، وكان يسترني، وهو يقول : دُونَكم يا بني أَرْفِدَةَ ، حتى إِذا مَلِلْتُ قال : حَسْبُكِ ؟ قلتُ : نعم، قال : فاذهبي" .
واخيرا: بعد ان عشنا مع مفهوم الاحتفال ذي الابعاد الايمانية، وسوق ادلته ومستنداته، اترك للقارئ الاجابة على سؤالنا الذي طرحناه في البداية: هل الصيام احتفال بمفهومه الإسلامي الواسع؟!...
هل الصيام احتفال بمفهومه الإسلامي الواسع؟!... د. ثامر براك
