السيناريوهات المفتعلة التي تمليها سلطة الاحتلال على أرباب العملية السياسية في العراق لم تعد تلقى سبيلاً للولوج إلى عقول العراقيين، خاصة بعد ثورة الصراعات المخزية التي عكست تناحر القوى السياسية حول تشكيل حكومة الاحتلال الخامسة.
ومن هذه السيناريوهات ما حدث صباح أمس الثلاثاء في مذبحة جديدة سقط فيها أكثر من 60 قتيلاً وعشرات الجرحى أثناء وقوفهم أمام أحد المراكز الحكومية للتطوع في صفوف الأجهزة الأمنية.
بالتأكيد فإن الاتهامات التي وجهتها حكومة المالكي ضد جهات معينة جاهزة ومهيئة ومعد لها سلفاً، لكن المقاربات التي رافقت هذه المذبحة تقطع باليقين أن الحادث مفتعل ضمن مخطط الاحتلال في هذه المرحلة بأيدي الأجهزة الحكومية أنفسها، فحين نتابع تصريحات أدلى بها رئيس أركان الجيش الحالي يوم 11/8 لوسائل الإعلام المختلفة، وحين نطالع التصريحات المتجددة لسياسيين أمريكيين عملوا سابقاً في العراق؛ نجد أن المشهد يأخذ صورة واضحة تطابق تماماً ما كنا نقوله سابقاً حول التفجيرات الكبرى التي تقع في العاصمة بغداد وتستهدف مفاصل محددة فيها، وأن المالكي الذي ما يزال متمسكاً بالسلطة وطامعاً بتجديد ولايته هو المتهم الرئيس في هذه الجرائم، وبغض النظر عن المسؤولية الملقاة على عاتق الأطراف الأخرى التي تتصارع والمالكي فإن أجهزة حكومة الاحتلال الرابعة هي المسؤولة عن حادث مقتل "المتطوعين" والمدانة فيه، بالإضافة إلى الحوادث الأخرى التي سبقتها منذ ما بعد إجراء الانتخابات في آذار الماضي إلى يومنا هذا، أمثال ما جرى في الأعظمية مؤخراً من أحداث تم فبركة مقدماتها من أجل انتهاك حقوق الإنسان فيها وصب ألوان العذاب على من اعتقلتهم القوات الحكومية من أهاليها، وما حصل في الأنبار وما زال يحصل كاستهداف منازل عناصر وضباط في الشرطة والجيش الحكوميين، وغير ذلك في مناطق أخرى مثل الموصل وكركوك.
الشاهد في هذه المسألة هو أنه ينبغي على المتابع والمهتم بالشأن العراقي أن يطابق واقع الحال هذا مع التصريحات التي صدرت عن (بابكر زيباري) الذي يشغل منصب "رئيس أركان" الجيش الحكومي بقوله: "إن الجيش العراقي لن يكون قادراً على تولي الملف الأمني بصورة كاملة قبل اكتماله، وأن على السياسيين إيجاد أساليب أخرى لتعويض الفراغ ما بعد 2011؛ لأن الجيش لن يتكامل قبل عام 2020، ولو سئلتُ عن الانسحاب لقلتُ للسياسيين يجب أن يبقى الجيش الأمريكي حتى تكامل الجيش العراقي "، ثم تأتي صحيفة نيويورك تايمز لتنشر تقريراً مثيراً للاهتمام جاء بالتزامن مع تصريحات رئيس الأركان الحالي؛ يقول: "إن الواقع في العراق قد يقف عائقاً أمام انسحاب القوات الأمريكية بحسب الجدول الزمني المقرر لذلك، لأن العديد من المسؤولين الأمريكيين والعراقيين يعتقدون أن الوجود الأمريكي يصب في مصلحة البلدين"، وعززت الصحيفة تقريرها بتصريح للسفير الأمريكي السابق في بغداد (رايان كروكر) يقول فيه:"سنبقى لفترة طويلة جداً من الزمن على الأرض حتى لو كان ذلك دعماً لأنظمة التسلّح الأمريكية" وهو يشير إلى الأسلحة التي يشتريها الجيش الحكومي في العراق من الولايات المتحدة التي تحتل البلاد.
ثم جاءت حادثة الهجوم الذي استهدف متطوعين يريدون الانضمام إلى الجيش الذي لن "تكتمل جاهزيته" قبل 10 سنوات من وجهة نظر قادته الذين يلحّون على بقاء قوات الاحتلال من أجل إكمال "الجاهزية" المزعومة، تضليلاً للرأي العام وطمعاً في تحصيل مصالح جديدة ..فمن المستفيد ؟
جيش الاحتلال يسعى للبقاء، وإدارته تتفنن في صنع المبررات اللازمة لذلك، طالما البوق الحكومي جاهزا لإعلان تلك المبررات بعد أن تتم صياغتها بتدبير متفق عليه بين جميع أقطاب العملية السياسية وإدارة الاحتلال، أمّا الشعب العراقي المسكين فهو واقع بين مطرقة سطوة الأجهزة الحكومية والصراعات السياسية وسندان مخطط الاحتلال وبرامجه التي لا تخدم إلا إيّاه .
بقي أن نشير إلى أن ثمة رأي يتداول في الشارع العراقي ينبغي أن يؤخذ بنظر الاعتبار حتى وأن بدت الساذجة فيه بنقطة ما؛ لأن الشعب العراقي هو صاحب الكلمة وهو الأدرى بمصلحته لذلك فإنه ينظر إلى الأحداث بغير منظار القوى السياسية التي ما فارق الكذب أقوالها وسلوكها... يقول العراقيون: إن أمريكا تدفع المالكي إلى التشبث بالكرسي كما يتشبث القرد بالغصن، وتتعهد له بأنها معه وستقف إلى جواره، وأن عليه أن لا يتخلى عن موقفه هذا مهما كان الثمن لأنه رجلها في العراق...! وفي الوقت نفسه فإنها تدفع علاوي إلى مزيد من الجعجعة والمطالبة بحقه "الإنتخابي" الذي كفله له الدستور، وتتعهد له بأن الحكومة القادمة لن تكون إلا له، لأنه رجلها في العراق ..! وإن على الرجلين مهام متجددة دوماً تهيئ الأجواء لاستمرارية البقاء .. فما الذي ينتظره أبناء الشعب العراقي الجريح مجدداً ضمن هذا السيناريو..؟
أقول إذا كان الحال هكذا فإن الأثمان الباهظة التي تدفع من أجل تنفيذ بنود برنامج الاحتلال سوف لن تسلخ جلود العراقيين فقط، وإنما ستتشكل الحكومة الخامسة ولن تجد أحداً تحكمه ..!
ومـاذا بـعد الـ\"متطوعين\" ؟...جهاد بشير
