زيارة وزير الدفاع الأمريكى للعراق استغرقت وقتا طويلا، على غير عادته فى الزيارات المفاجئة التى لا تتجاوز بضع ساعات ويكون فيها خائفا ومربكا ومتعجلا العودة الى واشنطن، وزيارته الى الفلوجة
وإشادته بشرطتها وأهلها وعشائرها واعلانه انطلاقا منها عن بداية سحب الألوية العسكرية الأمريكية فى الربيع القادم، كل هذه المعطيات تؤكد أن ادارة بوش أعادت قراءة الواقع العراقى جيدا وفهمت أن الحل العسكرى فشل وسيفشل ـ الآن وغدا ـ فى وقف المعارك فأصبحت تبحث عن لملمة حل سياسى يجمع مختلف الأطياف من أجل الوصول الى حكومة وطنية ائتلافية خاصة أن الانتخابات تلاعبت بها الصهاريج الايرانية ولم تفرز تنوعا حقيقيا على الأرض.
إن التغير فى الرؤية الأمريكية مهم جدا، لأن فيه، أولا، اعترافا بفشل الخيار العسكرى بما سيجنّب العراق وأهله مزيدا من الدمار والتقتيل المنظم وفضائح التعذيب، فضلا عن أنه سيحول دون توسع الفرز الطائفى وتجذره بما يقود الى تقسيم فى النفوس والعقول قبل التقسيم على الأرض كما هو حاصل فى الشمال مع الأكراد الذين يحتكمون على فيدرالية بمثابة الدولة ويلعبون على كل الحبال للحصول على المزيد من المكاسب.
النتيجة الثانية لهذا الاعتراف الأمريكي، أن خطاب الحرب على الارهاب داخل العراق وتبرير حصار المدن والأحياء ودكّها على رؤوس أهلها بمحاربة القاعدة سيتراجع، وهو اعتراف ضمنى أن المعركة سببها الأول هو الاحتلال وأن من يقاومونه هم من أهل العراق، وفى كل التجارب الاحتلالية عبر العالم، نجد دائما أن الاحتلال ينهزم فى النهاية ويلتجيء الى الحوار والحل السياسى وإنْ غلّفه بخطاب من التعالى ولوّح بخطط للنصر على الورق!.
وهذا أيضا سيقود ـ إن أراد الأمريكيون أن يتقدموا بالحل الى الامام ـ الى وقف العمل بقانون اجتثاث البعث ومنع آلاف العراقيين من الوظائف والعمل السياسى والتشريع للاغتيالات والاعتقالات المنظمة ضدهم مع أن الكثير منهم انتمى للبعث السابق اضطرارا لا اختبارا، ونحن نعرف أن الانتماء الى الأحزاب الحاكمة فى الوطن العربى لا يكون اختياريا، وأغلبه اضطرارى خوفا من الاستثناء فى الوظائف والمنافع أو حتى فى افتعال القضايا والتهم ضدهم، وإذا أراد الأمريكيون تغييرا حقيقيا يحفظ لهم الود فلا بد من تشريك كل العراقيين فيه دون علامات حُمر أو تصفية حسابات.
كما أننا نأمل أن توقف الادارة الأمريكية اطلاق أيدى الشيعة فى الأرض فسادا وتقتيلا وسرقة لمقدرات العراق ورهنه لايران فضلا عن اكتساح الجيش والشرطة والادارة عموما.. وأن تجرى مصالحة مؤسسة على التوازنات والمنطق وتقسّم المؤسسات والوزارات والتوظيف داخل الجيش والشرطة من أعلى مستوى الى أدناه وفق كوتا محددة ودقيقة لكل طائفة ومذهب وعرق حتى تكون الحكومة الوطنية الافتراضية قادرة على الحياة وتجمع حولها كل العراقيين، أما الهروب من الشيعة ومعاداتهم والارتكان للسنة أو رموز خفية من العسكر القديم فلن يعيد الوضع إلا للخراب وان كان سيغير اللاعبين.
إن أى طبخة لا تراعى التوازن ستطيل أمد الأزمة على العراقيين والأمريكيين على حد سواء.
المصدر:العرب اونلاين
26/12/2005
رامسفيلد أيّ طبخة! مختار الدبابي
