قال الله تعالى في كتابه العزيز (وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً).
لعل الكثيرين ممن وضعوا مبادئ حقوق الانسان وقوانينها ومعاهداتها من سياسيي ومفكري الشرق والغرب من غير المسلمين يجهلون هذا التقرير الرباني الدقيق والسامي لحقوق هذا المخلوق الصادر عن الخالق العظيم خالق جميع المخلوقات، حيها وجمادها، فليس ثمة وصف بعد هذا الوصف الرائع في القرآن الكريم لمكانة الانسان يمكن ان يُعتمد كأساس لحقوقه وكرامته وحقه في الحياة بما قدر الله تعالى له ان يحيا. ومع ذلك لابد من القول ان المفكرين السياسيين وخبراء القانون الذين اسسوا لقوانين ومعاهدات حقوق الانسان قد فعلوا خيراً في بيئة وظرف دولي كانت تنتهك فيه هذه الحقوق بفعل الصراعات والحروب، وهكذا اصبح الجميع دولاً ومؤسسات دولية ومنظمات مدنية تتغنى بهذه الحقوق وتدعو لها، كما ان هناك العديد من المحاكم في العالم تنظر بجدية الى اية تهمة تتعلق بانتهاك حقوق الانسان.
ولقد كان من بين ادعاءات مقترفي جريمة ابادة الانسان في العراق من خلال العدوان عليه واحتلاله نكتة (حقوق الانسان العراقي) وتخليصه من الحكم الدكتاتوري، ولقد تم الترويج لهذه الفرية بعد ان سقطت الاقنعة عن سابقاتها من ذرائع العدوان كاسلحة التدمير الشامل وعلاقة العراق بتنظيم القاعدة وتهديد السلم في العالم الى غيرها من الاكاذيب التي اضحى حتى مروجوها يسخرون منها اليوم. وبعد ان احتل الامريكيون واعوانهم العراق تحت شعار حقوق الانسان اذاقوا الانسان العراقي اقسى ما يمكن ان يتعرض له الانسان في هذا العالم من اصناف القتل والعذاب والاهانة والاغتصاب وانتهاك المقدسات المادية والمعنوية وساووا في الانتهاك بين الرجل والمرأة والطفل كما اعتمدت الحكومات التي نصبوها على العراق والمتشدقة بحقوق الانسان والحريات اعتمدت انتهاك حقوق الانسان منهجاً ومبدأ من مبادئ حكمها فتجاوزت حتى الجرائم التي ارتكبها الاحتلال. والغريب ان عرابي العملية السياسية البائسة في العراق امعاناً منهم في الضحك على ذقون العراقيين قد اخترعوا وزارة لا توجد في كل حكومات دول العالم اسموها وزارة حقوق الانسان وبوجودها مع عشرات المنظمات المدنية لحقوق الانسان ينتهكون حقوق الانسان العراقي ابشع ما يكون الانتهاك، فقتل الانسان العراقي طفلاً كان او شيخاً، امرأة كان او رجلاً يعد عملاً اسهل من شرب قدح الماء يمكن ان يفعله خلال لحظات اي شرطي او جندي من قوات هذه الحكومة في الشارع او في المعتقل في الدوائر والمؤسسات والوزارات وحتى في المستشفيات والجامعات والمدارس، فقتل الانسان العراقي من صلاحية السلطة التنفيذية من اعلى هرمها الى أصغر فرّاش فيها. ناهيك عن أتباع الحكومة من احزاب ومليشيات وعصابات، اما فيلق القدس ومخابرات ايران فهي الوصية رقم واحد على تنفيذ احكام قتل الانسان العراقي مفرداً او بالجملة. في العراق اليوم يشرد الانسان ويعتدى على كرامته ويهجر من داره وتصادر ممتلكاته وداره وينتهك عرضه ويعتقل هو وزوجته وابنته وابناؤه ويزجون في غياهب السجون تحت يافطة حقوق الانسان التي ابتلعتها يافطة الحرب على الارهاب. وداخل السجون والمعتقلات تتوفر ارقى حقوق الانسان فحشر مئات المعتقلين في زنزانات لا تتسع لاكثر من عشرة اشخاص، يراعى فيها ان تكون صلبة الارضية تكون فيها درجة الحرارة اعلى مستوى يمكن ان تكون عليه في هذا العالم، وتوفر الحكومة افضل الارزاق بالمبالغ الطائلة التي تسرقها من خزينة الدولة لياكلها الحراس والمرتزقة في السجون او تذهب معظم الاموال الى جيوب المسؤولين يعد تنظيم قوائم مزورة بشراء المواد الغذائية، اضافة الى ان الحراس والعاملين في السجون يصادرون المواد الغذائية التي يرسلها ذوو المعتقلين الى اولادهم يصادرونها ويقتاتون عليها.
اما التحقيق مع المعتقلين فيجري بصورة (جد مهذبة و انسانية وضمن ضوابط القانون وبحضور محامي المعتقل كما يجري في بلدان الغرب!)، المعتقل في العراق من لحظة اعتقاله حتى مكوثه في السجن يتعرض لكل ما يمكن ان يقوم به مرتزقة الحكومة من ضرب وشتم واغتصاب وثقب بالمثاقب وكي بالسكائر وتعليق بالمراوح وحرمان اي حق من حقوق الحياة. وتنفذ اجهزة الحكومة احكام اعدام بحق المعتقلين بوسع اصغر مرتبة من جنود المعتقلات اصدارها بحقهم، فتجري تصفية المعتقل جسدياً وبعد فترة ترسل جثته الى اهله او يستدعى اهله لاستلامه من الطب العدلي دون ان يذكر سبب الوفاة او يرفق معها تقرير طبيب يوصف الحالة والمضحك انه على ذويه ان يدفعوا رشوة لاستلام جثته من الطب العدلي؟!.
وفي هذه المرحلة التي استمرت فيها سلطة الحكومة دون اية شرعية وتصارعت القوى السياسية في ظل الاحتلال على كراسي الحكم والمكاسب المادية، نجد ان انشطة الحكومة الحالية تتسارع في تصفية الكثير من المعتقيلن خشية تبدل الاوضاع وانكشاف جرائمها بحقهم،ويرغم اهالي المغدورين على السكوت وعدم اثارة الموضوع ويقدم العذر دائماً بأن المعتقل مريض وقد توفي في المستشفى، بينما يرفض الاطباء في المستشفيات الكشف على المتوفين من المعتقلين ويصرحون بأنهم قد وصلوا موتى الى المستشفى. مئات المعتقلين بل الألوف منهم تمت تصفيتهم بهذه الطريقة البشعة داخل المعتقلات، ومع ان كل المنظمات الانسانية الدولية ومنظمات المجتمع المدني المعنية بحقوق الانسان اثارت وتثير موضوع حقوق الانسان وخاصة انتهاك حقوق المعتقلين في العراق الا ان احداً لم يجرؤ على وضع حد لمجازر المعتقيلن وتبقى قوات الحكومة الامنية فوق كل قانون وفوق كل حق وفوق كل شرع. المضحك المبكي ان وسائل اعلام الحكومة تعرض في حواراتها العديد من ازلام السلطة يتبارون في التبجح بحقوق الانسان اليوم ، كل متحدث وناطق باسم الحكومة واحزابها لابد ان يعرّج في كل مقابلة تلفزيونية او حوار لابد ان يعرج ضمن مكاسب الحكم الجديد على فقرة الحريات وحقوق الانسان.
في الاشهر الستة الاخيرة ازدادت ظاهرة قتل المعتقلين تحت ذريعة مرضهم وموتهم في المستشفيات بينما يؤكد اهاليهم ان ابناءهم لم يرسلوا الى اي مستشفى ولم يثبت مرضهم في اي تقرير اضافة الى آثار التعذيب الواضحة على جثثهم والتي ادت بالتاكيد الى وفاتهم، كما يؤكد اهالي المعتقلين الذين استلموا جثث ابنائهم ان حجم الجثة ووزنها لا يساوي اكثر من نصف وزن وحجم الجثة في الحالات الاعتيادية مما يدل على كون المعتقل قد تعرض للتعذيب والتجويع وابشع حالة يمكن ان يحتجز فيها الانسان من حيث المكان ووسائل الحياة مما ادى الى ضمور جسمه وانكماش اعضائه وتشقق الجلد. فأين اصحاب الضمائر من العراقيين وغيرهم. اما ما يجري اليوم من مداهمات وحصار على احياء معينة في المدن العراقية وفي بغداد على وجه الخصوص كما حل في حي الاعظمية فيندى له الجبين وتتصرف قوات الحكومة التي لا تعدو كونها مليشيات طائفية تلبس لباس قوات الامن والجيش تتصرف بانحلال تام عن كل المقاييس الاخلاقية والقانونية والانسانية وتستبيح كل شيء معنوياً كان او مادياً خلال مداهمة هذه الاحياء فلا حرمة للمساكن ولا حرمة للشيخ الكبير ولا رجل الدين ولا حرمة للطفل او المرأة ولا حرمة للمقدسات والاعراض، الكلمات النابية على لسان قوات الحكومة والشعارات الطائفية تنهال من افواههم وايديهم وارجلهم تمارس دورها في النيل من شباب هذه الاحياء اضافة لاسلحتهم لمن يمكن ان يرفض هذا السلوك او يتصدى له او يحاول الدفاع عن كرامته. ومع كل هذا يبقى العراق الجديد عراق حقوق الانسان ويبقى العراق الجديد البلد الوحيد الذي توجد فيه وزارة لحقوق الانسان.
ان اي كلب في دول الغرب يحضى بالرعاية والحماية من قبل السلطات ومن قبل المنظمات المعنية بحقوق الحيوان ما لا يحصل على (1%) منها الانسان العراقي. الا يعد ذلك مكسباً للانسان العراقي الذي يكفيه ان تكون لديه وزارة اسمها وزارة حقوق الانسان. فالانسان اليوم في العراق وفي ظل هذا الوضع الكارثي الذي افرزه الاحتلال وحكوماته لم يعد بالامكان تسميته انساناً. ولا حتى حيواناً لان حقوقه لا تساوي حقوق قرد في غابات افريقيا او حوت في اصقاع محيطات الجليد.
ما أهون الإنسان وأهون حقوقه في ظل دولة القانون...كامل العبيدي
