الأمل الأخير للسلام في العراق قد دُهِس حتى الموت هذا الأسبوع بعد \"نصر\" التَحالف الديني الشيعي في انتخابات 15 ديسمبر/ كانون الأول الذي سيضع السلطة للسنوات الأربع القادمة في أيدي فرقة متعصّبة من الأطراف الشيعية الأصولية المدعومة من إيران، وقبل كل شيء بيد المجلس الأعلى للثورة الإسلامية في العراق الذي دعم بشكل سري وبسوء وحقد من آيته السيستاني، وهو مدعوم أيضاً من قوة شبه عسكرية عدد أعضائها يقدر بـ 20,000 تسمى لواء بدر، وبكلا الدعم العلني والسرّي من دائرة المخابرات الإيرانية وهيئة الحرس الثورية فإن المجلس الأعلى للثورة الإسلامية في العراق سيخلق معقلاً ثيوقراطياً (حكومة دينية) في معاقلهم العراقية الجنوبية ويَستعمل قوَّتَه في بغداد لحكم ما تبقّى من الدولة العراقية بالقوة.
إنّ عواقب "نصر" المجلس الأعلى للثورة الإسلامية في العراق متعددة؛ لأنه ليس هناك أي أمل في حلول وسط، ولا فرصة لمحادثات سلام بين فئات العراق، ولا فرصة لوساطة دولية، وليس هناك قوة معتدلة يمكنها أَن تردم هوّة التقسيمات الفئوية أَو الطائفية؛ لذا فالمحطة القادمة: الحرب الأهلية.
ليس هناك أيّ أمل في البحث عن الحلول الوسطية في كارثة الانتخابات العراقيِة. إنّ رئيس الوزراء القادم من المحتمل أن يكون عادل عبد المهدي الناطق ذو الكلام السلس للمجلس الأعلى السفاح في العراق ورئيسه عبد العزيز الحكيم القائد السابق للواء بدر ورجل الدين الذي أصدر النداءات المُتعطشة للدماء بأنه لا حَلَّ إلا بالقضاء عسكريا على المقاومة.
وستنتشر العديد من سجون التعذيب السرية التي يديرها المجلس الأعلى الذي يقود وزارة الداخلية العراقية، وفرق الموت التابعة للمجلس ستبدأ بتحضير قوائمها من الأهداف للاغتيالات.
الدستور الطائفي الخلافي الذي صُدِمَ العراق به في أكتوبر/ تشرين الأول بأصوات الكتلة الدينية الشيعية سيكون سليماً محفوظاً تحت "حكومة دائمة" جديدة للعراق تحت قيادة المجلس.
أما الأكراد الذين ابعدوا أنفسهم في شمال العراق فإنهم سيتقهقرون أبعد إلى جيبهم مقتنعين بالمضي تدريجيا نحو الذي يتمنّونه حيث سيكونون دولة شبه انفصالية. ففي وقت سابق من هذه السنة وبعد الانتخابات الانتقالية في 31 يناير/ كانون الثاني رتب الأكراد صفقتهم مع الشيطان الشيعي في تبادل مصلحتين حيويِتين (لهم) وهما:
أن العراق لن تكون عنده قوة إرادة لحكومة مركزية موجودة عملياً فحجزت للمناطق الإقليمية،
وأن العائدات من حقول النفط العراقية المستقبلية ستذهب إلى تلك المناطق، وليس إلى الحكومة المركزية.
كلّ حاجة الأكراد الآن هي السيطرة على كركوك أَيّ هم يعملون بالقوة وبالعنف وبالتَصفية العرقية التي تستهدف السكان العرب في كركوك.
إنّ السنة يتهمون عملية الانتخابات بالتزوير ويُهدّدون بالمقَاطعة أو الانسحاب من الجمعية الجديدة، ويتوقّع بشكل مفتوح بأنّ العراق سينزلق الآن إلى الحرب الأهلية.
وعملياً لا توجد هناك مجموعة من التحالفات السياسية الآن يمكن أن تَضمن للسنة سهما عادلا من القوّة في العراق الجديد. فإن كلّ زعيم سني من ناشط في حزب البعث إلى الأكثر فدائيّة من رجال الدين السنة المحافظين يعرفون أنّ حكومة أو نظاماً تحت قيادة كتلة المجلس الأعلى والحكيم سيعني حرباً. وكنتيجة لهذا فإن الذين اقترحوا التَعاون مع الحكومة الجديدة سيصبحون متفرجين من وراء السياج، وهؤلاء - دون شك - سينضمون إلى المقاومة.
التمرّد سيستمرّ، ويقوّي هذا الاحتمال أن الأكثر إدراكاً بين مسؤولي المخابرات الأمريكية والخبراءِ العراقيين يعرفون كَيف يقَرأون الموقف، وهم يعتقدون في الغالب بأنه يائس. "أنا أَكره القَول بأن 'اللعبة انتهت' "كما يقول Wayne White الذي قاد مساعي استخبارات وزارة الخارجية الأمريكية في العراق حتى الربيع الماضي. وقال: "لكن نحن فقدناه". ليس هناك آلية للسنة الآن لإعادة القليل من التوازن في العراق. والأحزاب الدينية الشيعية ليس لها حافز لتَقديم تنازلات مهمّة لا للسنة ولا للمقاومة.
وما يزيد في القلق - حقيقة - هو أنّ العناصر المعتدلة في العراق تتَراوح ما بين مرشح وكالة المخابرات المركزية المفضّل أياد علاوي إلى عربة وزارة الدفاع الأمريكية المُختاَرةَ أحمد جلبي الذي نفخ بعيداً. لذا وكما تَمنيتُ في وقت سابق (وكتبتُ في هذا الفضاءِ قبل أسبوعين تحت عنوان "مسمّى أمل العراق الأخير الصغير"، وثانية الأسبوع الماضي في "النقطة الخطر في العراق") فإن أيّ فرصة يمكن لذلك الشخص مثل علاوي أَن يظهر لك صاحب نفوذ بحيث يمكنه أَن يردم هوة التقسيم بين الشيعة الدينيين والمقاومة بقيادة السنة هي دون جدوى.
إن مؤتمر سلام جامعة الدول العربية الذي خطط له وحدّد انعقاده في أواخر شهر فبراير/ شباط أَو أوائل شهر مارس/آذار من المحتمل أنه لن يحدث، وأن العنف سيشتدُّ.
أما بالنسبة لبوش فإن النَتائج الآنية مشكلة صعبة بشكل لا يطاق تقريباً، فإن البيت الأبيض سيبدو في نظر العالم مضحكاً بينما يبيع انتخاب العراق المُصاب بالفضيحة والموغل بالاحتيال كولادة للديمقراطية لا سيما حينما تَبدأ حكومة دينية شيعية وحشية بالتَشكيل.
وإن المقاومة المستمرة ستَجعل الأمر مستحيلاً على الرئيس للاستشهاد بالتقدّم في الحرب. فعندما يبدأ الرئيس بوش بطلب تخفيض للقوات الأمريكية في العراق - كما يجب أن يكون - فإنه لن يتوقع أن بإمكانه أن يرى عراقاً يسوده السلام أو عراقاً هادئاً لكي يمكنه الإشارة إليه.
إن صعود قوّة إيران في العراق يُقدّم لغزاً عجيباً محيراً للرئيس، فإن بعض المحافظين الجدد - المتلهّفين بالطبع - سيبدأون مجادلتهم بأن الولايات المتحدةَ ليس لها خيار إلا بأخذ الحرب الفاشلة في العراق إلى إيران لتحطيم أولئك الذين يقضّون مضاجع الاحتلال الأمريكي في العراق. أما الآخرون في إدارة بوش الذين يضعون أقدامهم على الأرض على الأقل فإن مشكلة القوّة الإيرانية في العراق تعقّد قدرتَهم بشكل واسع ليخرجوا بحلول إيجابية على مشروع عراق إدارة بوش.
إنّ كارثة الانتخابات تَعني أنّه من المهم جداً الآن للولايات المتحدة أن تفتح سبيل المحادثات المباشرة مع المقاومة العراقية حتى إذا كان هذا يعني تَحدّياً للنظام برئاسته الدينية الشيعية؛ لأن الولايات المتحدة - التي يُسنِدُ جنودها الـ160,000 الشيعة في الحكم - لم تَعُدْ تَستطيعُ تَحمّل إعطاء المجلس الأعلى للثورة الإسلامية في العراق وشريكه الأصغر الدعوة قوّةَ نقض على قدرتها للتفاوض على وقف إطلاق نار بالمعارضة لكي تسحب القوات الأمريكية.
لكن ذلك يعني أيضاً أن كلّ يوم تَبقى القوات الأمريكية في العراق فإن الولايات المتحدةَ تَخلق يوماً آخر للقوات الدينية الشيعية لتَقْوية أيديهم لبناء مقاومتهم الشعبية ولعمل خطط لتَصفية السنة من مناطق الأغلبية الشيعية. (وهذا بالطبع قد تم بمساعدة الجيش الأمريكي حيث إن المليشيات الشيعية اندمجت في الجيش العراقي الجديد).
إن الخروج من العراق بأسرع ما يمكن كما حدّده جاك Murtha، فإن الولايات المتحدة يمكنها على أقل تقدير أن تَضمن بأنّ الشيعة لا تزداد قوتهم بشدة، وهذا قَد يمنع المقاومة بقيادة السنة من الانجراف نحو الأصولية. وعندما لا تتوفر هناك خيارات جيدة ثمّ الفطنة تقترح بأن الوقت قد حان لاختيار أهون الشرّين.
روبرت دريفيوس Robert Dreyfuss
www.robertdreyfuss.com.
http://www.tompaine.com
22 ديسمبر/كانون الأول 2005
ترجمة: كهلان القيسي
وكالات
24/12/2005
العراق \"اللعبة انتهت\".. روبرت دريفوس
