هيئة علماء المسلمين في العراق

المارينز يفجرون الكلية وفاطمة تجبر قوات الاحتلال علي الانسحاب.. هيفاء زنكنة
المارينز يفجرون الكلية وفاطمة تجبر قوات الاحتلال علي الانسحاب.. هيفاء زنكنة المارينز يفجرون الكلية وفاطمة تجبر قوات الاحتلال علي الانسحاب.. هيفاء زنكنة

المارينز يفجرون الكلية وفاطمة تجبر قوات الاحتلال علي الانسحاب.. هيفاء زنكنة

قبل شن العدوان الانكلو ـ امريكي علي العراق، باقل من شهرين، وبتاريخ 24 كانون الثاني (يناير) 2003، نظمت وزارة الخارجية الامريكية اجتماعا دعت اليه 17 تربويا واكاديميا وشابا امريكيا، من اصل عراقي، لمناقشة الوضع التعليمي في العراق، ولوضع برنامج فعال لتهيئة العراقيين للنجاح في المجتمع الديمقراطي، في مرحلة ما بعد سقوط نظام صدام حسين، حسب تصريح المكتب الصحافي لوزارة الخارجية الامريكية. اطلق علي اللقاء اسم مجموعة العمل في المجال التعليمي. وهو جزء من برنامج اوسع شمل تنظيم كل مظاهر الحياة الاقتصادية والاجتماعية والسياسية في العراق، تحت الاشراف المباشر لوزارة الخارجية الامريكية. شاركت في اللقاء التعليمي سيدتان هما زينب السويج، رئيسة الكونغرس الاسلامي الامريكي وعضوة نساء من اجل عراق حر ، النسوية المدعومة امريكيا، وهند رسام كالهين، مساعدة رئيس قسم دراسات العلوم السياسية في كلية مرسي بنيويورك. وكانت السيدة كالهين قد غادرت العراق في عام 1964 للدراسة. وتم تعيين السويج وكالهين، مباشرة بعد الغزو، اثر عودتهما الي العراق، مسؤولتين ومستشارتين في برنامج رايز، لاعادة اعمار المدارس وتأهيل المعلمين.
صرحت رسام، بعد اللقاء في وزارة الخارجية الامريكية، بان المهمة الاساسية في مجال التعليم، هي اعادة فتح المدارس وتوفير المحيط الآمن ووجبات الطعام الصحية، والعلاج النفسي للاطفال الذين ربما سيتأثرون نفسيا بالحرب. أما السويج فقد تحدثت باسهاب عن ضرورة تغيير المناهج الدراسية وتوفير مجال العمل والاجواء الطبيعية للمعلمين ليتمكنوا من تدريس الاطفال، باسلوب التفكير النقدي، موضوعات الديمقراطية، الحرية، التسامح، ورعاية الاخرين. وتم اقتراح وجوب تفعيل العلاقة بين اولياء امور الطلبة والمدرسة وفق نموذجين متبعين في المدارس الامريكي. وصرحت السويج بان معدل الامية كان منخفضا في العراق الا انه ارتفع تحت نظام صدام. وهو كلام يتناقض تماما مع كل التقارير الصادرة عن منظمات الامم المتحدة بصدد التعليم في العراق وآخرها تقرير الحقائق الصادر عن اليونسكو بتاريخ 28/3/2003، الذي يؤكد بان النظام التعليمي في العراق قبل عام 1991، كان واحدا من افضل النظم التعليمية في المنطقة، حيث بلغت نسبة التسجيل في المدارس الابتدائية مئة بالمئة، وكذلك نسبة تعلم القراءة والكتابة للرجال والنساء معا. ونص التقرير علي ان التعليم العالي، خاصة في المؤسسات العلمية والتقنية، كان بمستوي المقاييس العالمية وبكوادر ذات مستوي رفيع.
واوضح التقرير، المكتوب بعد ايام من الغزو، الي ان تجربة اليونسكو في مناطق النزاع والحروب، تبين بان للتعليم دورا اساسيا في دعم عملية السلام واستعادة الوحدة الوطنية والامل بمستقبل افضل. فكيف تعاملت ادارة الاحتلال الامريكية، وهي التي جعلت من تطبيق حقوق الانسان، غطاء ثانيا للاحتلال، مع نصائح اليونسكو وبرنامج السيدتين السويج وكالهين في مجال التعليم؟
من المعروف ان حق التعليم هو حق أساسي من حقوق الانسان، ناضلت من اجله الشعوب طويلا، وكرسته وفق القوانين والمواثيق الدولية، من اجل حماية تكوين الانسان، وتطور قدراته العقلية، والمجتمعية، والمساهمة الفعالة في بناء مجتمعه وبلده والعالم. التعليم، وهذه بديهية، اداة للتطور وتحقيق العدالة وبناء المجتمع الحر. لذلك تكافح الدول النامية من اجل حق التعليم ووضع المناهج الملائمة لتطوير الانسان والمجتمع وعموم البلد. لذلك، ايضا، تحارب الدول الاستعمارية التعليم، الا ما تسمح به هي وفق سياستها وبرامجها، وتعيقه بمختلف الاساليب لتقمع رغبة الشعوب المستعمرة في التطور وبناء مستقبل افضل. اليوم تواصل سلطات الاحتلال محاصرة التعليم، باشكال جديدة، لانه يتنافي مع جوهر وجودها كقوة احتلال تتغدي علي احساس الفرد بالعبودية.
لقد تم، تحت انظار القوات الغازية، وبرعايتها احيانا، حرق ونهب وتحطيم 84 بالمئة من مؤسسات التعليم العالي في العراق، بعد الاحتلال مباشرة. حالها حال كل ما له علاقة بموروثنا الفكري والثقافي والتاريخي والحضاري. باستثناء وزارة النفط. ومازالت المدارس والمعاهد، بعد مرور مايزيد علي العامين والنصف من الغزو، تعاني من الاهمال والخراب وقلة التجهيزات ان لم يكن انعدامها. كما استشرت ظاهرة عقود الاعمارالزائف، حيث يحصل المتعاقد الاجنبي علي عقود الاعمار بملايين الدولارات، ويمنحها لمتعاقد محلي تابع لاحد الاحزاب السياسية المتنفذة بالآلاف، الذي يمنحها بدوره الي العمال العراقيين بالمئات. وبسبب غياب لجان المراقبة والمحاسبة علي نوعية العمل، يكتفي العمال بطلاء الجدران وتبليط ساحة المدرسة ومغادرة المدرسة باسرع وقت ممكن. تاركين وراءهم المدارس الابتدائية المزدحمة بالاطفال بلا مرافق صحية، بلا مياه صالحة للشرب، بلا مراوح سقفية، وغالبا ما يخوض الاطفال في مياه المجاري العفنة للوصول الي الصفوف مما يعرضهم للمخاطر الصحية الجسيمة.
ينص قرار لجنة الامم المتحدة للحقوق الثقافية والاجتماعية والاقتصادية، الصادر عن الهيئة الراصدة للميثاق الدولي للحقوق الثقافية والاجتماعية والاقتصادية، بان التعليم علي كل المستويات يجب ان يكون حائزا علي ثلاث ميزات وهي، ان يكون متوفرا، سهل المنال، وذا مستوي مقبول. ولاينطبق اي من الشروط الثلاثة علي التعليم في العراق المحتل. اذ ادت حالة الفوضي وانعدام الأمن وكثرة حوادث الاختطاف والتفجيرات والقصف العشوائي، الي جعل الوصول الي المدارس عملا يهدد حياة التلاميذ والطلاب، مما سبب ابقاء نسبة عالية من التلاميذ في بيوتهم حرصا علي سلامتهم. وتتضاعف النسبة في حالة الفتيات، حرصا علي حياتهن ولارتباط سلامة الفتاة بمفهوم شرف العائلة. كما أدت حالات حصار المدن وقصفها من قبل القوات الانكلو ـ امريكية، الي هرب السكان المدنيين واقامتهم في الخيام في ضواحي المدن ورفضهم، احيانا، العودة الي المدن خوفا من التعرض للقصف ثانية وثالثة، مما انعكس سلبا علي تعليم الاطفال فضلا عن حرمانهم من الخدمات الاساسية للحياة والرعاية الصحية. ويشير آخر تقرير للهلال الاحمر العراقي، الصادر في منتصف الشهر الماضي، ان هناك ما يزيد علي 800 عائلة تسكن في الخيام في عراء المنطقة الغربية.
وقد جعلت قوات الاحتلال والقوات العراقية المتعاونة معها، الوصول الي بعض الكليات والجامعات عملا مستحيلا لكثرة نقاط التفتيش واغلاق الطرق وتحويل المرور من شارع الي آخر، فيتطلب وصول الطالب الي كليته الساعتين مثلا بدلا من نصف الساعة.
وازداد الحال سوءا مع تزايد حملة الاغتيالات المستهدفة للاساتذة الجامعيين وعمداء الكليات ورؤساء الاقسام والعلماء، التي ادت الي اغتيال المئات ودفعت العديدين الي الهجرة محافظة علي سلامتهم وسلامة عوائلهم. في الوقت نفسه تم فصل آلاف المعلمين والاساتذة لاسباب سياسية وتعيين معلمين ومدرسين واساتذة حسب ولائهم الحزبي والعرقي والطائفي لا الكفاءة.
تشير معظم تقارير المؤسسات المعنية بشؤون التعليم وخاصة اليونسكو بان علي الدول والحكومات ان توفر التعليم لجميع مواطنيها بلا تمييز. ويفرض حق التعليم، مثل بقية حقوق الانسان، علي الدول والحكومات ثلاثة مستويات من المسؤولية وهي مسؤولية الاحترام أولا، والحماية ثانيا والتوفير ثالثا. بناء علي ذلك، ما الذي فعلته الحكومة العراقية في مجال التعليم، خاصة وان العراقي قد تربي علي احترام التعليم الي حد التقديس، أي انه يمتلك الحافز ويحمله في داخله؟ كيف تعاملت القوي السياسية المنخرطة في مسار برنامج الاحتلال السياسي مع موضوعة التعليم؟ لنتفحص مثالا واحدا.
لقد تجاهلت كل الكيانات السياسية المؤقتة المتنازعة فيما بينها خبر تفجير القوات الامريكية، بالكامل، بناية كلية المعارف في الجامعة الاهلية الواقعة وسط مدينة الرمادي، غربي العراق. وكانت الكلية قد تأسست عام 1993 وتضم خمسة اقسام علمية. وصرح احمد عبدالملك، عميد الكلية، لمراسل الشرقية، ان القوات الامريكية فجرت هذه الكلية بسبب وقوعها بالقرب من القاعدة العسكرية الامريكية في كلية الزراعة. واوضح ان القوات الامريكية وضعت العراقيل امام مسيرة هذه الكلية حيث صادرت جميع ممتلكاتها ووضعت الاسلاك امام بنايتها الجديدة. واشار الي ان ادارة الكلية سبق ان ناشدت الحكومة العراقية ووزارة التعليم العالي والبحث العلمي ومنظمات المجتمع المدني واتحاد الجامعات العالمية التدخل لوضع حد لتصرفات القوات الامريكية ضد الكليات في محافظة الانبار.
وما يزيد من ألم الفاجعة هو قراءة خبر سبق التفجير حيث اعلن البنك الدولي بتاريخ 29 تشرين الثاني (نوفمبر) بانه قد وافق علي منح أول قرضٍ للعراق بعد أكثر من ثلاثين عاماً، لتمويل المشروع التعليمي الطارئ الثالث بتكلفة تبلغ 100 مليون دولار أمريكي. ويشير التقرير الي أن : نظام التعليم يواجه تحديات نجمت عن التأخر الهائل في تشييد المدارس وصيانتها، وتنمية الموارد البشرية، ووضع السياسات وتطوير الأنظمة. وقد علق بيتر باكلاند، رئيس فريق العمل المعني بهذا المشروع عن انخفاض معدلات الالتحاق بالمدارس، بقوله: لا شك أن ازدحام المدارس يشكّل أحد العوامل الرئيسية، كما أن حوالي 20 في المئة من المدارس الابتدائية والثانوية تعمل بنظام فترتين أو حتي ثلاث فترات دراسية.
ان ما هو مطلوب من سياسيي العراق الجديد ولجان نزاهتهم، وسلطات الاحتلال ومستشاريها التعليميين، والبنك الدولي، الذي سيكبل العراقيين بقروض لن يشم رائحتها أحدا منهم، الاجابة علي بضعة أسئلة، علي غرار: لماذا بقي مبني المجمع العلمي العراقي المحروق اثر الاحتلال، وهو مبني الهيئة الاكاديمية ذات البحوث القيمة، مهدما، وكل ما يحتاجه لاعادة ترميمه، حسب تقرير اليونسكو بتاريخ ايار (مايو) 2005، مبلغا لايتجاوز 825 ألف دولار امريكي؟ لماذا تضاعفت نسبة الاصابة بسوء التغذية بين اطفالنا وزيادة تسرب الاطفال من المدارس في ظلكم؟ لماذا تم تفجير كلية المعارف وهي جزء من حرم جامعي بدون ان يرتفع صوت سياسي عراقي واحد احتجاجا؟
ولمن يبرر الصمت والتخاذل متذرعا بصعوبة الاوضاع وقسوتها ساحكي قصة السيدة فاطمة حميد هاشم، مديرة اعدادية البتول للبنات في مدينة الصدر ببغداد. حيث شنت القوات الامريكية غارة علي المدرسة فاجبرتهم المديرة علي الخروج. ثم عادت القوات مرة اخري، الا انهم اختاروا في المرة الثانية، مخاطبة المديرة من وراء سور الاعدادية، خشية رد فعلها. وبرروا ذلك بالقول لمترجمهم بانها مديرة صعبة ومن الاوفق تجنب الاحتكاك بها.
المصدر : القدس العربي
24/12/2005

أضف تعليق