بين وقت وآخر تتصدر الأخبار عالمياً وإقليمياً أنباء عن صفقات أسلحة بعشرات المليارات من الدولارات لتسليح وتحديث جيوش عربية، وسرعان ما يتم توصيف تلك الصفقة بـ\"صفقة القرن\"!!.
ولعل من حق المرء أن يتساءل هل القرن المقصود هنا هو ببعده الزماني أم باستحقاقاته العقلية؟!. ذلك لأن مردود تلك الصفقات على الدولة والمجتمع سلبي للغاية، وفيه من تضييع المقدرات الاقتصادية والإمكانيات الشراءية ما يشبه تماماً اللعب بالقمار وعلى مستوى خيالي.
فالأسلحة التي تُشترى لا تستخدم على الأغلب، وبعد سنوات - وربما أشهر - من التخزين تتحول إلى "خردة" قد تحتاج إلى ميزانية حتى يتم تفكيكها والتخلص منها!!. أضف إلى ذلك أن شروط الشراء لا تتيح للمشتري أو لا تسمح له ببيع أسلحته إلا بإذن البائع وموافقته!!.
ترى كيف كانت ستصبح أحوالنا على المستوى العلمي والتصنيعي والتقني لو كان ربع أو حتى عُشر ما أُنفق على مشتريات السلاح قد بُذل واستُثمر في مجالات البحث العلمي ولإنشاء بنية تحتية علمية قادرة على مجاراة المنافسة في الأسواق العالمية والوصول إلى حدّ الاكتفاء الذاتي في كثير من المجالات المختلفة بدلاً من الاعتماد على الاستيراد والبقاء القاتل ضمن دائرة الاستهلاك المؤدي إلى حتمية التبعية؟!.
نحن نعيش في عالم سريع التطور, ربما يكون الثابت الوحيد فيه هو التغير, فقد تحولت قضايا التجسس بين القوى العالمية في جانب كبير منها إلى ساحة التجسس العلمي والتقني. فبمقدار ما يكون تقدم دولة أو أمّة في المجال العلمي والتقني يتقدم دورها وتتعزز مكانتها على الساحة الدولية تأثيراً ونفوذاً. مع كل ذلك وعلى الرغم منه فإن ما يُنفق في غالبية الدول العربية الثرية منها والفقيرة في مجالات البحث العلمي يكاد لا يُذكر على الإطلاق لا سيما إذا ما قورن بما أنفق وما يزال ينفق على تكديس السلاح شراءً واستيراداً!!.
المبالغ التي أُنفقت على تسليح الجيوش العربية تعدّ خيالية في كل المقاييس والمعايير، وعلى الرغم من كل ذلك فإنك تجد تلك الجيوش مترَهّلة وعاجزة تماماً عن صدّ عدوان أو دعم حليف!!. فالمعاهدات العربية - التي تتعلق بالدفاع المشترك وما شابه ذلك - لا يتم احترامها أو التقيد بها. وحين يتهدّد بعض الدول العربية خطر سواء كان واقعاً أو موهوماً فإنه تسارع للاستنجاد بالدول الكبرى طالبة منها الغوث والعون!!.
وهنا يأتي السؤال المؤلم: لماذا إذاً كانت تلك النفقات؟! ولمن؟! ولماذا تعدّ الجيوش الجرارة وتنشأ الكليات الحربية وتعقد الدورات العسكرية؟!.
مهمة الجيوش العربية أو غالبيتها العظمى - على ما يبدو - تنحصر في حماية الأنظمة الحاكمة والمشارَكة في الاستعراضات العسكرية في الاحتفالات الوطنية أو التي تسمى بذلك!!, كما أنها من الممكن أن تستخدم في حل النزاعات الحدودية وبشكل محدود مع الدول العربية الأخرى!!. أما الغاية الأساسية من صفقات الأسلحة فهي - على ما يظهر - لتوزيع العمولات على الشخصيات المتنفذة في المؤسسات الحاكمة ولدعم اقتصاديات الدول الكبرى حتى توفر هي الأخرى الدعم السياسي والدولي للأنظمة الحاكمة مع تحصينها من دعوات الإصلاح والديمقراطية المزعومة!!.
ولو طُبّقت في بلادنا ديمقراطية - ولو كانت عرجاء - فإني أكاد أجزم بأن أيّاً من صفقات الأسلحة التي تتم مع الدول المتشدّقة بالدعوة إلى الديمقراطية ما كان لها تنعقد أو تُنجز!!.
من المؤسف أن الكثير من الدول العربية تعاني من قصور واضح في الخدمات الأساسية لمواطنيها وتشتكي من ترهّل فاضح في بناها التحتية المتآكلة فيما تنفق المليارات على أسلحة لن يتم استخدامها على الأرجح!!.
لقد آن الأوان ليتكلم مثقفو الأمة ومفكروها ويسموا الأشياء بأسمائها رافضين بشكل جليّ تبديد ثروات الأمة وتدمير مقدراتها؛ لأن ذلك يهدّد حاضرها ومستقبل أجيالها القادمة.
إن المليارات التي تنفق على شراء السلاح لا تستحقّ أن توصف بـ"صفقات القرن"، ولكن تستحقّ أن توصف بجرائم القرن الاقتصادية والتنموية!!.
الهيئة نت
24/12/2005
مشتريات الأسلحة العربية.. صفقات أم صفعات؟!.. ياسر سعد
