حاول الاحتلال الامريكي كسب شريحة من الشعب العراقي عن طريق تسويق نظرية المظلومية وانه انما غزا العراق من اجل نصرة هؤلاء المظلومين الذين صوّر لهم انهم قد ظلموا من شريحة ثانية كانت تحكم العراق،
وقد صدّق الكثير من هؤلاء هذه الفرية بعد ان راح اعوان الاحتلال خاصة من تربى منهم في احضان ايران يكرسون هذه الحالة عن طريق الكثير من الاجراءات والقرارات التي اصدروها لمنح مكاسب خادعة لهؤلاء المظلومين تعويضاً لهم عن ما اسموه حقبة الظلم والدكتاتورية، وعلى هذا الاساس سوّغت هذه القرارات والاجراءات لشراذم من الرعاع وعديمي الوعي حمل راية الثأر والاقتصاص من شركائهم في الوطن وكانت هذه اولى لبنات ذبح الروح الوطنية العراقية حيث تحول الكثير من هؤلاء الى مناصرين للاحتلال تمكن الاحتلال فيما بعد من توجيههم للتصدي للمقاومة العراقية ورفضها خاصة بعد ان صوّر الاحتلال واعوانه المقاومة الباسلة بانها مجموعات تابعة للنظام السابق تضررت من الوضع الجديد وفقدت مصالحها في محاولة لافراغ المقاومة من صدقيتها ومكانتها المشرفة بين ابناء الشعب ولقد سمع الكثير من العراقيين من تحدث عبر الفضائيات والصحف طاعناً بالمقاومة ومروجاً لفكرة زرعها الاحتلال واعوانه مفادها انه لا توجد مقاومة وان ما يجري من تصدي للاحتلال انما هو نوع من انواع الارهاب يمارس ضد الشعب وضد قوات الاحتلال التي منحها دور حماية الشعب وضمان امنه في دعوة كاذبة ومزيفة، لقد ادرك الاحتلال واعوانه بوقت مبكر ان الموقف الموحد الرافض للاحتلال والمقاوم له انما ينطلق من روح وطنية عالية لا يمكن ان تغلب اي مكسب او هدف ثانوي عرقياً كان او طائفياً حزبياً كان او مناطقياً على الهدف الاسما وهو هدف التحرير وطرد الاحتلال، وعلى هذا الاساس عمل على ضرب الروح الوطنية عن طريق شق صف الشعب ومنع تكون الموقف الموحد من الاحتلال، كما ان الاحتلال ومن وضعهم على كراسي الحكم في العراق حولوا حالة المقاومة الى تهمة وجريمة من خلال القوانين والتشريعات التي اصدروها وسلطوا سيف ارهاب القوة على ابناء الشعب العراقي وملؤوا المعتقلات بمئات الالوف وقتلوا مئات الالوف وافقروا الناس وجعلوهم في حالة من الفاقة اشغلتهم عن شرف مقاومة الاحتلال وجعلتهم يتحاشون شبهة الصاق تهمة المقاومة أو تأييد المقاومة بهم، ثم جاءت خطة انتهاك الكرامة العراقية من خلال انتهاك اعراض العراقيين رجالاً ونساءً وانتهاك حرماتهم من مساجد ودور عبادة وانتهاك حرمة كتاب الله امام الانظار، وبالتدريج اصبح ما يجري مقبولاً ولا يجد ردود الفعل المطلوبة من الشعب عليه وهكذا جرى ترويض العراقيين واخضاعهم للقبول بالاهانة وتغليب السلامة على المبادئ والواجبات الوطنية فضعفت الروح الوطنية، ومع ان المقاومة قيادات وقواعد قد استمرت في منهجها بفعل ما تحمله من وعي وادراك لمسؤولياتها الا ان ضرب وجوه المجتمع العراقي ونخبه الواعية بواسطة التقتيل او التشريد او الاعتقال حرم الشعب من القيادات المهمة التي يمكن ان توحّد جهوده وتوجه طاقاته نحو الاهداف الوطنية وبهذا الاسلوب تمكن الاحتلال من اضعاف قاعدة الشعب التي يمكن ان تسند المقاومة وتحتضنها.
اما على صعيد التربية الوطنية المبرمجة فقد ادرك الاحتلال واعوانه انه بحاجة الى المزيد من الوقت لتخريب وطنية الناشئة فعمل على التخطيط لالغاء الروح الوطنية للاجيال القادمة من خلال تخريب مناهج الدراسة في موضوعات التاريخ والتربية الوطنية والجغرافية في المراحل الابتدائية والمتوسطة والمواضيع السياسية والاعلامية في المراحل المتقدمة والجامعية والدراسات العليا، ثم اتجه الاحتلال الى ضرب المؤسسة الدينية ومنعها من اداء واجبها الوطني في توجيه الشعب نحو الجهاد وطرد الاحتلال وتمت تصفية خيرة علماء الدين الذين اتخذوا موقفاً واضحاً من الاحتلال.
وكحصيلة لهذا الضغط النفسي والمادي فقد الجيل حاضنة التربية الوطنية في البيت فلم تعد الام ولا الاب قادرين او راغبين في غرس الروح الوطنية في ابنائهما ولم يعد المعلم والمربي في المدرسة او الروضة قادراً او راغباً في غرس مبادئ هذه الروح وفي ذات الوقت غرس الاتجاه المعاكس افكاره الهدامة السامة في الناشئة عن طريق مؤسساته الاعلامية الكثيرة والكبيرة وعن طريق شذاذ الآفاق الذين عملوا بشكل مبرمج على هدم المبادئ وتدمير الترات الاصيل للشعب العراقي وطمس الهوية العربية للعراق وفرض تاريخ ومصطلحات تربوية جديدة غريبة على الفكر والترات العراقي الاصيل. ومع ايماننا ببقاء جذوة الوطنية في ضمائر العراقيين تنبه الى ضرورة بذل اقصى الجهود للتعويض عن ما يفقد منها والتصدي لحالة الهدم.
لقد كان العراقي والعراقية مثالاً رائعاً في الوطنية وحب الوطن وكان العراقي والعراقية في قمة الاستعداد للتضحية مقابل رمز اسمه الوطن وكانت الجندية شرفاً رفيعاً ووساماً على صدر كل من لبس (الخاكي) وفي هذا المجال وعلى هذا الصعيد تحضرني واقعة شهدتها واريد ان اذكر بها الجيل الحالي والاجيال اللاحقة واعتقد انها يمكن ان تكون مثالاً حياً للوطنية العراقية وحب الوطن، واقعة بطلتها امرأة عراقية مسيحية من البصرة اسمها (ام زينب). التقينا بـ(ام زينب) عام (1975) في باكستان حيث كنا في زيارة وكانت المراة تبحث عن كل عراقي يمكن ان تشم رائحته فتمكنت من خلال السؤال الى الوصول الى محل سكننا هناك واستضافتنا في بيتها لتحكي لنا وهي تبكي قصتها المؤثرة.. قالت (ام زينب) بعد ان ارتنا صورتها عندما كانت ابنة ستة عشر ربيعاً وكانت تعمل في صالون حلاقة في مدينة البصرة عندما دخل الانكليز خلال الحرب العالمية الثانية الى العراق عن طريق البصرة وكان ضمن جيوشهم الهنود والباكستانيون. اشارت (ام زينب) الى زوجها الجالس امامنا (شيخ وحيد) وهو عقيد متقاعد في الجيش الباكستاني واستطردت لقد شاهدني (شيخ وحيد) في صالون الحلاقة عندما كان يتجول في سوق العشار وكان برتبة ملازم في الجيش البريطاني فاعجب بي وطلب الزواج مني وخطبني من اهلي لكنهم رفضوا، واستمر الملازم (وحيد) في ملاحقتي فهربت الى اخوالي في بغداد، فلحقني الى بغداد وبعد ان تضايق اخوالي من شدة ضغطه وملاحقته وخوفاً من جيش الاحتلال طردوني فقررت السفر الى (مصر) فلحقني الى المطار وذكّرني بصعوبة المخاطرة وانه لا يريد الا زواجاً رسمياً وشرعياً بالحلال وهكذا اقتنعت بالفكرة وتزوجت منه على يد رجل دين مسلم وبعد ان انتهى واجبه في العراق اصطحبني الى باكستان وقد اعتنقت الدين الاسلامي دون اي ضغط منه وولدت له ابنة جميلة سميتها (زينب) حرصت على تربيتها تربية عراقية وعلمتها اللغة العربية مع عدم كفاءتي فيها.. وعندما وصلت (ام زينب) الى هذه الفقرة من كلامها اشارت الى زوجها الجالس امامنا وهي تبكي ودموعها تنزل على خدودها قائلة (هذا الرجل (شيخ وحيد) رجل ممتاز وزوج رائع ووفي لم يقصر في حقي يوماً ما لكنه ارتكب جريمة كبيرة بحقي فلم يسمح لي بالذهاب الى العراق او رؤية العراق منذ غادرته وان السفارة العراقية -وهنا اجهشت بالبكاء- سحبت مني هوية الاحوال المدنية باعتبار اني اصبحت باكستانية بعد ان تزوجت رجلاً باكستانياً) وبعد ان منعها البكاء والدموع من الاستمرار في الكلام سكتت للحظات ثم مسحت دموعها وقالت موجهة كلامها الى زوجها (الشيخ وحيد): ((شيخ وحيد) انا لا ابرئ ذمتك واذا انا متُ لا تدفني في باكستان ارم جثتي في البحر وستعرف جثتي طريقها الى العراق وسوف تتقاذفها امواج البحر حتى تستقر في ميناء البصرة). لم نملك ساعتها رباطة جأشنا امام هذا الموقف فأجهشنا بالبكاء وكأننا في مأتم نساء. واعتقد ان الكثير من العراقيين زاروا باكستان في سنوات السبعينات وتعرفوا الى (ام زينب).
خلاصة القول هذه لقطة حقيقية للروح الوطنية العراقية، فلا تفرطوا بما حرص عليه الاجداد والاباء، ولا تقبلوا ايها العراقيون ان تكونوا اقل وطنية من المرأة الضعيفة المسكينة الغريبة عن اهلها (ام زينب)
لا وطن بدون وطنية.. فاحذروا موت الروح الوطنية...ج2 ..كامل العبيدي
