تعلمنا منذ الصغر كما تعلم من سبقنا من العراقيين كما تعلمت كل شعوب الارض ان الوطنية نبتة وكائن حي تنمو وتترعرع وتكبر كلما حصلت على الرعاية وكلما رويت بماء التربية العذب الصافي،
كما يمكن ان تضعف وتذبل كما يذبل الورد اذا قطع عنها الري وربما تموت، وتعلمنا منذ الصغر كما تعلمت شعوب الارض ان الوطنية هي سور الوطن وحصنه الحصين وانه لا وطن بدون وطنية ولا شعب بدون وطن عماده الوطنية، ومن هذا المنطلق وعلى هذا الاساس وكلما تمعنا في التاريخ القديم والحديث وجدنا ان اعداء الشعوب من مستعمرين وغزاة كانوا يستهدفون تدمير الحالة الوطنية للشعوب التي احتلوا اوطانها كوسيلة لدوام سيطرتهم على هذه الاوطان وان مصير بقاء استعمارهم للبلدان الاخرى يعتمد على مدى نجاحهم في سحق الحالة الوطنية لشعوب هذه البلدان، وانهم انما طردوا منها سواء طالت مدة استعمارهم او قصرت فانما هي بفضل استمرار جذوة الوطنية متوقدة في هذه الشعوب، ولعل هذا السبب من اهم الاسباب وراء استمرار اصرار الشعب الفلسطيني على حقه في الحياة واقامة دولته على ارضه السليبة رغم اختلال التوازن في معادلة الصراع مع العدو الصهيوني ورغم كل التضحيات الجسيمة على مدى اكثر من ستين عاماً دفعت ثمنها اجيال من الفلسطينيين شاركهم فيها بعض اخوانهم من العرب، ولقد عزز الاسلام الحالة الوطنية لدى الشعوب المسلمة عندما فرض الجهاد واجباً شرعياً للدفاع عن الاوطان في حالة تعرضها للغزو ومخاطر العدوان الاجنبي. واذا كانت الشعوب تتسابق للدفاع عن اوطانها تحت رابطة الوطنية ورايتها الواحدة فانه يندر ان يشذ احد ابنائها عن هذه القاعدة فيعاون العدو على تدمير الروح الوطنية لمواطنيه من اجل تمكين الاجنبي من تحقيق اهدافه من الاحتلال والاستعمار.
ولقد كانت حال العراق اقدم بلدان العالم حضارة من الحالات الفريدة في التمسك بالوطنية على مر العصور بحيث اصبحت مضرباً للامثال، فلطالما تمكن العراقيون قديماً وحديثاً بفضل وطنيتهم العالية من طرد المستعمرين والغزاة من ارضهم، ومهما اختلف مستوى ثقافة وتعليم ابناء الشعب العراقي ندر ان يتخلف حتى جاهلهم واميهم عن ركب الوطنية وما يصدر عنها من وما يترتب عليها من دواعي التضحية والمبادرة الطوعية في تنفيذ مسؤوليات وواجبات هذه الوطنية المطلوبة من كل فرد من افراد هذا الشعب حتى ان النساء والاطفال لم يتخلفوا عن غيرهم من الشباب والرجال وعُدَّ ذلك عيباً وعاراً وثلمة في شرف المتخلفين عن ركب الوطنية رجالاً ونساءً.
اما ما نجده اليوم في العراق تحت الاحتلال فان ظروف الاحتلال ومكاسب اعوانه ومؤيديه المادية والمعنوية قد جلبت الكثيرين واجتذبتهم وسهلت لهم نزع رداء الوطنية وسوغت لهم التنازل عن قيم الرجولة والارث الخالد للآباء والاجداد، هذا الارث الذي لم يكن عابراً ولم ينقطع تواصله حتى يمكن ان يقال ان طول المدة انسى الاحفاد مآثر الاجداد.
وليس الخطر في مخططات الاحتلال لتدمير الروح الوطنية العراقية فهذا امر مفروغ منه والعدو عدو مهما كان منبعه ومصدره واهدافه واضحة لا غبار عليها حتى وان غطاها بشعارات كنشر الديمقراطية وتخليص الشعب من الدكتاتورية، لكن ا لخطر كل الخطر في المحسوبين على الشعب العراقي والذين تولوا زمام الامور بفعل تمكين الاحتلال فاندمجوا وانصهروا بمخطط الاحتلال والقوى الاخرى خارج الحدود بل اصبحوا بدلاء للاحتلال والقوى المتربصة خارج الحدود في تحطيم الحالة الوطنية العراقية والعمل الدؤوب على ايصال الشعب العراقي الى حالة (اللاوطنية) ولقد كان من اولى وسائل المحتل في ضرب الحالة الوطنية، تمزيق الشعب الى طوائف، واثارة روح الاقتتال بينهم، وبث النزاعات العرقية والطائفية والعشائرية، وتنمية الولاءات، ما دفع الكثير من المغفلين او الباحثين عن مكاسب تحققها الطائفية والعرقية والجهوية الى الاندفاع حد قبول ظلم اخوانهم في الوطن وتقتيلهم وتهجيرهم والاندفاع الى حد قبول التضحية بالنفس من اجل الولاءات الطائفية بدل التضحية من اجل الوطن والهوية الوطنية. ولعل اعوان الاحتلال الذين اوصلهم الى سدة الحكم قد وجدوا في ضرب الحالة الوطنية وسيلة للاحتفاظ بكراسي الحكم ومكاسبه عكس اية سلطة في بلدان العالم تجد في الحالة الوطنية ضمانة لسيادة الوطن وسياجاً رصيناً تحتاجه باستمرار لدرء المخاطر عن الاوطان.
ان سيف العدوان الذي سلط على العراقيين والقوة الغاشمة التي استخدمها الاحتلال في قهرهم وانتهاك حرماتهم وكرامتهم وتسخيره جزءاً من مكونات هذا الشعب واستخدامه كأداة تحت مسمى قوات حكومية من قوات جيش او قوات امنية في التصدي لكل مواطن شريف يدافع عن ارضه وشرفه منذ الاحتلال وتسويغ ما تفعله هذه القوات برجال ونساء الشعب العراقي من جرائم يندى لها الجبين، تسويقه على انه حرب على الارهاب وواجب وطني، يضاف اليها حالة المعاناة اليومية من انعدام الحاجات الاساسية للانسان العراقي وتهديده في مصادر عيشه وتهديد امنه الشخصي باستهدافه واستهداف اسرته واقاربه واستهد اف كل ما له ارتباط بكرامته وشرفه ومقدساته، كانت من اهم العوامل الضاغطة التي اوصلته الى حالة من فقدان الوعي وفقدان التوازن المطلوب لتحديد خط الوطنية التي لا يمكن النزول عنه. ولقد استغل الاحتلال واعداء العراق خارج الحدود حالة التحريض على نظام الحكم السابق والربط بينه وبين كل اثر تدميري وكارثي ولّده الاحتلال في التضليل لخلق حالة من طمس الهوية الوطنية تحت عباءة التخلص من الدكتاتورية كما اشاع حالة الفوضى وما يرافقها من سلب ونهب وتجاوز على الحقوق والممتلكات الشخصية والعامة وسلب حق الحياة من الناس بقتلهم واعتقالهم وتشريدهم لتدمير الميزان الدقيق الذي يمكن ان يستند اليه الناس في تحديد الصحيح من الخطأ وتحديد الوطني من اللاوطني وتوصيف الحالة للفعل المرتكب فاختلطت على الناس الامور واصبح الحديث عن الوطنية امراً غير مطلوب بل انه غير مرغوب فيه واحياناً تهمة يمكن ان يدفع الناس حياتهم وشرفهم ثمناً لها.
ووفق هذا التوجه ووفق هذا التطور وعلى اساس التخلص من آثار النظام السابق التي هي في الاساس جزء من حضارة العراق وانجازاته ومتراكم عمل ابنائه لا يمكن ربطها بنظام معين ولا بفترة حكم، نقول وفق هذا المنهج عملت مؤسسات السلطة في عراق الاحتلال المسيطر عليها من كتل واحزاب معروفة بلا وطنيتها ومعروفة بأن معيارها للوطنية هو مقدار تمسكها بالطائفية المرتبطة بأجندات الاجنبي، عملت على وضع برنامج عمل دقيق يشرف عليه خبراء المخابرات الاجنبية من صهيونية وايرانية اضافة لمخابرات الاحتلال الامريكي في شن حرب نفسية شعواء على الحالة الوطنية العراقية بدف تدميرها، وقد خططت لضرب هذه الحالة بدء بمناهج التعليم خاصة ما يلقن منها للاطفال في المراحل الاولى من حلقات التعليم الروح الوطنية ومبادئ التربية الوطنية والتي يعلم الجميع انها انما تستقى من تاريخ البلد واخبار الاجداد والدول التي نشأت منذ القدم على هذه الارض، فالمتتبع لحلقات هذا المخطط يلاحظ المنهجية المرحلية في تغيير مناهج التربية الوطنية ومناهج التاريخ وحتى الجغرافية وازالة معظمها وحرف الآخر عن اهدافه المرتبطة بالهدف الاعلى وهو بناء اساس الوطنية في الطفل العراقي. ان الحلقة الثانية من مخطط استهداف الروح الوطنية للعراقيين تكمن في استهداف عناصر قوتها المتمثلة بالنخب القيادية في المجتمع من علماء واساتذة ونوابغ في مجالات العلم وقيادات عسكرية قديمة معروفة بكفائتها ووطنيتها كل هذه العناصر التي تشكل القدوة والامثلة التي يحتذى بها في مجال التربية الوطنية وعلى هذا الاساس نجد استمرار حملة الاغتيال والتشريد لهذه النخب ولا يمر يوم يمكن ان يخلو من اخبار اغتيال الاساتذة او الاطباء او الضباط الكبار في الجيش الذي اصبح يسمى (سابقاً) والذي يُعد دون ما شك احد عناصر الوطنية العراقية ومحركها في نفوس الشباب بفضل تاريخه المشرف في مقارعة اعداء العراق والذود عن حياض الوطن. فالاحتلال واعوانه يعلمون انه لا وطن بدون وطنية وان شعباً لا يمتلك الوطنية لا يساوي حتى قطيع الغنم. وللحديث بقية...
لا وطن بدون وطنية.. فاحذروا موت الروح الوطنية...كامل العبيدي_الجزء الاول
