الاحتلال الأمريكي للعراق ورديفه الإيراني تمكنا خلال مدة ليست بالطويلة وبفضل ما قيل عنه إنه انتشار سابق ومنظم لعملائهما على الأرض كانت الغاية منه التمهيد لتقبل هذين الاحتلالين وما سينجم عنهما من آثار سياسية أو اجتماعية أو قانونية أو اقتصادية،
ووفق هذا المخطط تمكن الاحتلالان الأمريكي والإيراني للعراق بعد عام 2003 من تعميم الكثير من المفاهيم وتسويقها للشعب العراقي عبر العديد من الألسن الناطقة باسم الاحتلالين والتي أسمت نفسها قيادات وطنية ساعدت على التنظير للعملية السياسية التي يقودها الاحتلال.
ولغرض خلق سوق لتجارة هذه المفاهيم خطط الاحتلالان لانشاء العديد من وسائل الاعلام تحت شعار حرية الرأي والديمقراطية سواء منها ما كان مرئياً ومسموعاً مثل الفضائيات ومواقع الانترنت او ما كان مسموعاً كالاذاعات او ما كان مقروءاً كالصحف والمجلات كما وأنفق الاحتلال الامريكي والايراني في سباق محموم لترويج بضاعتهما الفاسدة الكثير من الاموال لانشاء هذه المحطات والصحف والمواقع حتى اصبح ما يصدر وما يبث في العراق منها يفوق بلداناً كثيرة عريقة في ديمقراطيتها، ووفق هذا الواقع ايضاً تعددت اسماء الاحزاب والحركات السياسية التي كانت تعبر عنها هذه الفضائيات والصحف وكانت السنة الاولى والثانية من اعوام الاحتلال مجالاً لتدريب الألسن السيئة على الخطاب السياسي الجديد الذي اراده الاحتلال واعطاء فرصة لمن لا يعرف صناعة الكلام ان يتعلمها ويمارسها على حساب العراقيين ومستقبلهم وثقافتهم وتراثهم وقيمهم، فامتلأت الفضائيات بالافواه الناطقة باسم الاحتلالين والمعبرة عن نهجهما ورؤاهما لما يمكن ان يكون عليه مستقبل العراق وخاض الجميع في جملة من المصطلحات الغريبة على المنطق السياسي والاجتماعي او القديمة التي وضعت في قالب جديد وتأويل جديد لمؤداها، وعلى سبيل المثال لا الحصر حشرت الفدرالية في الدستور العراقي وراح عملاء الاحتلال ومنظّرو التقسيم يتغنون بها حتى اصبحت فاكهة الموسم وكان عامة الشعب لا يفقهون معناها ولا ما ترمي اليه فاعتقدوها مكسباً ربما يُدرّ عليهم الخير الكثير والمال الوفير، ولم يعلموا انما هي شعار لتقسيم العراق وتفكيكه وان الفدرالية ماهي الا نظام إداري وضع لتوحيد الكيانات المتفرقة التي لا تمتلك مقومات الدولة لتشكل دولة متكاملة مع ابقاء بعض خواص هذه الكيانات ومنح حكامها صلاحيات لتأمين الخدمات ومتطلبات الحياة بعيداً عن الخوض في مسؤولية الامن القومي والدفاع والسياسة الخارجية بضمنها العلاقات الخارجية والتصرف بالموارد القومية للاتحاد، وعلى العكس من ذلك فقد روج منظرو الاحتلالين الامريكي والايراني لتقسيم العراق وتبعهم عملاؤهم عبر مصطلح الفدرالية التي ارفقوها بمصطلح الاتحادية موحين بأن الاتحادية عمل للتوحيد بينما هو في حقيقته مشروع للتجزئة وربط الاجزاء بخيوط أوهى من خيوط العنكبوت.
وكما قال مؤخراً احد عّرابي التقسيم واصفاً الفدرالية بانها العلاج لازمة الكهرباء والماء ونقص الخدمات وهي الدواء لمرض البطالة وانها لا تهدف سوى الى زيادة صلاحيات الاقاليم بمعنى واضح وصريح وهو اضعاف مركز السلطة والقرار في الدولة المتمثل في الحكومة التي اصبح يطلق عليها مركزية او اتحادية بما يوصلها في النهاية الى اسم وعلم وحرس لمقرها ما يسهل على الاقاليم اعلان انفصالها وفق حق تقرير المصير وسط جهل جماهيري لخطورة مستقبل البلد.
لقد عمل قادة الاحزاب الكردية شمال العراق وقادة الاحزاب الموالية لايران جنوب العراق على تكريس هذه المفاهيم رغم رفض الشعب في تلك المناطق لها وتصويتهم ضدها، لكنهم بقوا متمسكين بفقرات الدستور التي شرعنت هذا المنهج الخطير، حتى اصبحت فقرة الفدرالية شرطاً للقيادات الكردية في قبول اي تفاهم مع اية كتلة يمكن ان تكلف بتشكيل الحكومة، واصبح محافظوا المحافظات ورؤساء ما يسمى مجالسها الذين لا يفقهون من علم الادارة والسياسة شيئاً يهددون اثر كل ازمة بالانفصال او قطع ما تختص به محافظاتهم من موارد ومنها النفط والكهرباء عن المركز، وربما تناغم بعض الناس الجهلاء في هذه المحافظات مع هذه المطالب ظناً منهم انها تحقق لهم مكسباً وانهم احق بالتصرف بهذه الموارد طالما انها تنبع او تمر في محافظاتهم. ان اخطر ما في هذه الافكار ان تتشبع بها عقول الناس بفعل حملة التضليل الاعلامي الواسعة والمنظمة في الخارج والداخل.
اما المصطلح الآخر فهو مصطلح حديث ارتبط بمصطلح الفدرالية وهو مصطلح (المناطق المتنازع عليها) هذا المصطلح الخطير الذي يشكل بؤرة للصراع والتقاتل بين المحافظات او الاقاليم كما اسموها وربما بين السكان على خلفيات عرقية كما يجري حالياً بين القيادات الكردية فيما يسمى بكردستان العراق وبين ما يجاورها من اقليم غالبيته عربية او تركمانية هيمنت على الكثير من المناطق فيها وسط ضعف الحكومة المركزية وعدم وجود قوات مسلحة وطنية قوية هيمنت على الكثير منها مليشيات في الاحزاب الكردية (البيش مركه) او استخباراتها (الاسايش) وراحت تنتقل وتقتل دون وجه حق المواطنين العرب والتركمان وتزجهم في غياهب السجون وتخص بالوظائف وخاصة المفاصل القيادية منها للاكراد على حساب العرب والتركمان. او كما مخطط له ان يجري بين الشيعة والسنة في التنازع على مناطق في الوسط والجنوب مثل ما يحدث من محاولات لادارة محافظة كربلاء في اقتطاع مناطق واسعة من محافظة الانبار في مقدمتها منطقة النخيب، وتكمن خطورة هذا المنهج في تحشيد الجماهير مناطقياً او عرقياً او طائفياً كما يُحشَّد مؤيدو فرق كرة القدم.
وعلى هذا الاساس استغل الكثير من المتنفذين المحسوبين على احزاب السلطة في العراق ضعف المركز المبني على هشاشة النظام الجديد وافتقاره الى الاسس الوطنية والشرعية على التصرف بموارد المحافظات والاقليم فتكشفت فضيحة تهريب النفط العراقي الى ايران من شمال العراق وجنوبه برعاية السلطة في الشمال والجنوب وراح الطرفان يتبادلان الاتهامات بينما تقف وزارة النفط موقف المتفرج وربما اكتفت بتصريح بسيط لا يجرح مشاعر الجار الطيب (ايران) او بجرح مشاعر المتنفذين الذين يكونون في الغالب من نفس الفئة الحزبية او الطائفية او العرقية للوزير او الحكومة برمتها، وهكذا يجري بيع العراق واقتصاده.
اما مصطلح المكونات فقد استغل ابشع استغلال لتكريس واقع التجزئة المحتمل فكل السياسيين يتحدثون اليوم عن مكونات الشعب وكأن الشعب العراقي عبارة عن لملوم من المكونات الهزيلة وليس شعباً موحداً عريقاً ذا ثقافة وتاريخ مشترك ومصير مشترك وقيم وتقاليد مشتركة، ومع ان تنوع الشعب كان على مد ى التاريخ مصدر اثراء لثقافاته وتراثه فقد اصبح اليوم مهدداً حقيقياً لوحدته وفق ما يطرح من مفاهيم تركز على حقوق كل اقلية لوحدها وحقوق كل طائفة بمعزل عن شركائها في الوطن وتقسيم هذه الحقوق وفق مبدأ القوة في مراكز السلطة الحاكمة اليوم والتي ربما تتبدل غداً لتكرس مكاسب لطائفة او اقلية اخرى. اما على صعيد الديمقراطية نفسها فقد ادخل مصطلح التوافق السياسي كبدعة ديمقراطية جديدة للمحاصصة الطائفية والعرقية تحولت في مرحلة الانتخابات الجديدة وحورت الى شراكة وطنية او مشاركة وطنية اشتق منها مصطلح تقاسم السلطة على اساس مصطلح آخر جديد هو(الاستحقاق الانتخابي) وهو مقبول ديمقراطياً، لكن اضيف اليه مصطلح اخر يجره الى خندق التقاسم الطائفي والعرقي للسلطة سمي بتقاسم السلطة وفق الاستحقاق التمثيلي للمكونات وهكذا يجري التنظير لتسويق مصطلحات ومفاهيم جديدة وغريبة وغير محددة يمكن ان تجر البلاد الى حيث لا تحمد عواقبه ولا يمكن حساب المدى الذي يمكن ان تصل اليه فيما لو انفتحت ابواب الشر على حسب ما تريده الاجندات الخارجية التي جندت الكثير من القيادات التي تدّعي السياسة وقيادة المجتمع، وتلعب الاجندات الاجنبية وفي مقدمتها الصهيونية والفارسية وربما اطراف عربية معلومة على وتر تقسيم العراق وتوظف امكاناتها وامتداداتها داخل العراق للتسويق لهذه المفاهيم المغرضة وهنا تتجلى مسؤولية المثقفين الوطنيين في التصدي لهذه المفاهيم وفضحها قبل ان تؤتي اكلها.
مفاهيم ديمقراطية على طريق التقسيم....كامل العبيدي
