\"الخطوات الست\": هي عنوان الرسالة الثامنة من رسائل النور للشيخ سعيد النورسيّ ضمن مجموعة كتاب: \"صيقل الإسلام\"،
ألّفها رداً على احتلال الإنجليز لإستانبول، ففنّد أباطيلهم، وشدّ من عزائم المسلمين في تلك الأيام المظلمة، حيث أن القوات الإنكليزية قد احتلت العاصمة العثمانية إستانبول في 16 آذار/مارس (1920م)، فألّف النورسي كتابه: "الخطوات الست" يهاجم فيه الإنكليز المحتلين بعنف.
ومن أجل ثقافة ضد الاحتلال رأيت من المناسب أن أقرأ مع الأخوة القراء والأخوات القارئات هذه المادة المختارة التي لا يسع لأي بلد محتل أن يتجاوزها، ففيها من عظيم الفائدة ما سنراه في هذه السطور، وفيها من النفع الكبير ما لا يخفى أثره بعد القراءة المتمعنة لها.
أقول أولاً إن الشيخ النورسيّ تميّز بمواقفه من حيث كونه العالم العامل، والمجاهد المحتسب، والداعية الصدوق المخلص، فقد رأى بعضاً من العلماء، وثلة من المحسوبين على الدعوة، يقفون إلى صف الإنكليز في تمرير أفكار مسمومة على عوام المسلمين، فقام بتأليف هذه الرسالة مبيناً فيها مكايد الغزاة المحتلين، وداحضاً شبهاتهم ووساوسهم الشيطانية، ومبعداً في الوقت نفسه عن المسلمين موجات اليأس والقنوط.
ويجب أن نعلم قبل قراءة هذه الرسالة، أن هذه الكلمات ما وصلتنا إلا بعد معاناة كبيرة، فقد طبعت سراً من دون أن تحمل اسم المطبعة ولا سنة الطبع، وقام أتباع النورسيّ بنشرها في خفاء سري تام، وألفها النورسيّ باللغة التركية، وعرّبها بنفسه، ثم قام االأستاذ إحسان قاسم الصالحيّ بصياغتها عربياً من جديد بعد المقابلة مع النص التركيّ.
وأما سبب تأليف هذه الرسالة فهو احتلال الانكليز لتركيا عاصمة الخلافة العثمانية الإسلامية، وخروج البعض للترحيب بجنود الاحتلال والتصفيق لهم، والتلويح بالقبعات والأيدي للمحتلين ونثر الورود عليهم، وفي هذا الجو البائس شعر النورسيّ بألم عميق، وركبته حالة حزن صامتة، فكتب هذه الرسالة، وما أن دخل القائد الإنكليزي إلى البلاد حتى سُلِمَت إليه هذه الرسالة، فقرر الإنكليز إعدام سعيد النورسيّ بسبب نشاطه الدائب في فضح سياسة المحتل وتأليب الناس ضدهم، لكنهم تريثوا في تنفيذ قرار الإعدام خشية استثارة غضب الأمة وتصعيد المقاومة.
بدأ رسالته بقوله تعالى: }ولا تتبعوا خطوات الشيطان{ سورة البقرة:168، ثم قال: "إعلم أن لكل زمان شيطاناً إنسياً هو وكيل الشيطان، وقد لبس صورة إنسان فرد أو روح جماعة"، ثم بعد هذا التصوير الذي جعل من المحتل شيطاناً يمشي على الأرض، أراد أن نتعامل معه على أساس الشيطنة، وذلك باتخاذه عدواً من خلال خطوات ست، وهي:-
الخطوة الأولى: إنه يوسوس بالذات، أو بالوسيلة، فيقول صراحةً أو يجعل غيره يردد ما يقوله: ((أنتم تعترفون أنكم مستحقون لهذه المصيبة)).
وهذه الخطوة من الأهمية بمكان، حيث أن الكثيرين يرون أن الاحتلال مصيبة مقدرة بقضاء الله وقدره وكانت بسبب ذنوبنا، وهذه من تلبيسات إبليس على الناس، حيث ردّ النورسيّ هذا التصور الخطأ من باب أن الرضى بقضاء الله وقدره شيء، والرضى بالاحتلال شيء آخر، فالرضى بما يعمل المحتل وإطاعته طوعاً إنما هو ردة عن الإسلام وإعراض عنه، فكان حريصاً على أن يفرق الناس بين مصيبة الاحتلال وبين الاحتلال نفسه، فالمصيبة بسبب ذنوبنا نعم، ولكن الاحتلال احتلال لا نمكّنه من أنفسنا ولا نرضى به لأنه كما عبّر عنه بقوله: "من أعظم الجنايات".
الخطوة الثانية: يوسوس بالذات أو بالوساطة، فيقول: ((إنكم قد اتفقتم مع من هو مثلي في الكفر، فَلِمَ تتجنبون من المصافاة معي وموالاتي؟)).
هذا منفذ شيطاني آخر، حيث تتم الوسوسة في أجواء الإحتلال، حيث يريد الشيطان أن يوصل لنا رسالة مع وجود المحتل الكافر، مفادها: أنكم قد اتفقتم وتعاونتم مع كافر مثلي، فلماذا لا تتفقون وتتصافون معي، وتوالوني مثلما والايتم غيري، وهذا الكلام منطقي فلماذا التفرقة بين الشطان والمحتل وهما على ملة كفرية واحدة؟
فيحدد الشيخ النورسيّ موقفنا من الشيطان والمحتل في عدم الاتفاق معهما؛ لأنهما في خندق واحد ضدنا، وينصح بتجنب المصافاة معهما والحذر من موالاتهما، والسعي الحثيث في البراءة منهما، ويفرق بين صفة الكافر لكفره، وبين صفة الكافر المحتل، فهما شيئان متغايران، فالكافر نتعاون معه ولا نعاديه أو نخاصمه، ونجالسه ونصافحه، بل ونقبّل يده لمعاونة الإسلام ودفع عدو الاسلام المعتدي خدمة للإسلام، أما الكافر المحتل والشيطان فلا يمكن معاونتهما، ولا بدَّ من معاداتهما ومخاصمتهما، بل ومس أيديهما -فضلاً عن تقبيلهما- جناية على الإسلام وعداء له.
الخطوة الثالثة: يوسوس بالذات أو بالوساطة فيقول: ((إن من ساسوكم إلى الآن أفسدوا واستهانوا بحقكم وشوشوا عليكم الإدارة وظلموكم، اذاً فلستم أهلاً للادارة، فاتخذوني وصيّاً عليكم وارضوا بحكمي وإدارتي شؤونكم)) .
وهذا تدخل شيطاني آخر في شؤوننا، حيث يثبت لنا الشيطان بصدق -وهو الكذوب- بأن المحتلين أفسدوا علينا حياتنا، واستهانوا بحقوقنا، وشوشوا علينا الإدارة وظلمونا من خلال الحكومات التي فرضوها علينا، وهذا منفذ من الشيطان من خلال الصدق الواقعي للوصول إلى مراده الخبيث وهو أن نرضى بالشيطان وحكمه بعد أن رأينا ظلم الاحتلال وجبروته، ويريد الشيطان أن نتخذه ولياً ووصياً لأننا ذقنا المر من غيره، فهل نلجأ إلى الجمر من النار؟
والشيخ النورسيّ يعالج هذه النقطة من زاوية أن حكومات الاحتلال هي سيئة من سيئات الشيطان، فالشيطان هو الذي وصّل هؤلاء الحكام إلى مناصبهم من خلال الرشوة والظلم، وهو الذي أهلّهم من قبل لتقلد هذه المناصب من خلال غواية الزنا وما نتج عنه من أولاد غير شرعيين عندهم القابلية على التعاون مع المحتل بكل ظلم وطغيان ضد أخوتهم وأبناء شعبهم، فأعوان المحتل هم الاحتلال نفسه، ولو رضينا بأعوان المحتل وحكومة الاحتلال أو رضينا بالشيطان بعد هذا العذاب المرير الذي رأيناه فمَثلنا كمن تنجس ثوبه بماء نجس فغسله ببول الخنزير!
الخطوة الرابعة: يوسوس الشيطان بالذات أوبالوساطة، بـ((أن الذين يخاصمونني من أولياء أموركم في الاناضول، نيتهم فاسدة ومقصدهم ليس مقاصدكم الاسلامية عينها)).
يبدأ الشيطان هنا يشكك في نيات المناهضين للاحتلال، والقائمين بفرض الجهاد، والمنتمين إلى المقاومة، بأن نياتهم فاسدة، ومقصدهم غير إسلامي، وذلك من أجل أن نرضى بالاحتلال وواقعه ولا نأمن جانب مخالفيه.
وهذه الشبهة فنّدها النورسي بمثال افتراضي فقال: لو أني أحفر أرضاً لاستخراج الماء، أو للعثور على كنز، وجاء أحدهم وعاونني في الحفر بنية ستر نفسه في الحفرة، أو بدفن شيء فيها، فنيتُه هذه لا تؤثر في وجدان الماء ولا الكنز؛ لأن خروج الماء متوقف على فعل الحفر وليس على نية الحافر وقلبه.
فمن يقف بوجه المحتل فهم وسائل لافشال مخططاته وخروجه من البلاد، وتأثير النيات في الوسائل قليل؛ إذ لا تغير حقيقة القصد، لأن المقصود يترتب على وجود الوسيلة وليس على ما فيها من نية.
الخطوة الخامسة: يقول الشيطان بنفسه أو بوسائله: ((إن الإمام - أي الخليفة - يؤيد سياستنا ويميل إلى الود معنا، وأمره مطاع)).
يتكلم الشيخ النورسيّ في هذه الخطوة وهذه النقطة عن الافتراق ما بين الحاكم والمحكوم، والرئيس والشعب، فإذا كانت الحكومة تؤيد وجود المحتل، وتظهر الود معه، وتؤيد سياسته، وتطيع أمره، فهذا لا يعني أن الشعب هذا حاله، وأن الناس قد رضوا بهذه الحالة، لا، فالحكام لا يمثلون إلا أنفسهم، أو أقل من أنفسهم؛ لأنهم يتعاملون بالميول النفسية الشخصية، أما عقولهم فلا لأنها ملك شورى الأمة فهي التي تختار القرار والمصير، وقوة الحاكم ليست يده وإنما جيشه المسلح، فهؤلاء الحكام المتعاونين مع المحتل والراضين به في فكر النورسي لا يمثلون إلا أقل من أنفسهم ولا يعبرون بالضرورة عن رأي الناس والجماهير الرافضة لهذا الوضع المزري والمخزي في الدنيا والآخرة.
الخطوة السادسة: إن الشيطان يوسوس فيقول :بـ((إن مقاومتكم لا فائدة فيها ولا جدوى منها، إنكم تلقون أنفسكم بإيديكم إلى التهلكة، إذ كيف تقتدرون وحدكم على مالم تقتدروا عليه مع حلفائكم؟)).
وهذا من خذلان الشيطان وتثبيطه للناس، إذ يحاول أن يطفىء جذوة الجهاد التي أوقدها الله، ويريد أن يحسسنا بالضعف مقابل قوته وقوة العدو المحتل، فيربط النورسيّ بين قوة الشيطان والمحتل بأنهما مرتبطة بالحيلة والإفساد، وتتقوى إذا لبسنا حجاب الغفلة، لكن يقضتنا تجاه خواء المحتل وفشله في كل الميادين يزيدنا قوة، ولا نرى أمامنا إلا الكذب والهذيان والأضحوكة، ثم إن قوة المحتل المنخورة من الداخل لا تدوم فهي قائمة على استبدادات جاثمة وكاتمة للأفواه، وإذا ما أنكر هذه الهزيمة الشيطان والمحتل فإنهما أحط من الدواب وأحمق من الحمار، وهما كذلك، ثم يؤصل النورسيّ بنقطة أخيرة حول هلاكنا بيد المحتل والشيطان وهزيمتنا أمامهما -لا قدر الله- بأنها هي الشهادة بعينها، لأننا أمام طريقين في التعامل مع المحتل والشيطان، إما أن نستسلم لهما ونتذلل تحت أقدامهما، فنقتل وجداننا بأيدينا ثم يقتل المحتل جسدنا قصاصاً لقتل وجداننا، أو أن نحافظ على وجداننا ونقاوم خصمنا، ونبصق في وجهه، وننزل صفعتنا على عينه، فيحيا الوجدان ويستشهد الجسد وتتنزه الفضيلة عن الرذيلة، والعقيدة عن الاستخفاف.
ثم يختم رسالته بمقارنات رائعة يثبت من خلالها بأن محبة الإسلام توجب عداء المحتل والشيطان وخصومتهما، ويرى أن أشد العقول بلاهة عقل يرى بين إمكانية التوفيق والتلاؤم بين أطماع المحتل والشيطان ومنافعهما وبين عزة الإسلام ومصلحته، ويثبت أن أكثر القلوب حماقة قلب يظن الحياة تكون تحت حماية المحتل والشيطان وهما أهل الغدر والخيانة.
فهذه الكلمات الطيبة والوصايا النافعة والحكم البليغة والتجربة الحية كأنها قد كتبت لواقعنا وليس قبل تسعين سنة، ولربما المعنى الأقرب لعجبنا بهذه الرسالة أن الاحتلال واحد في كل زمان ومكان، ولكن نقول كلمة واحدة وهي: إن الاحتلال ما دخل أرضا وبقي فيها، فقد تهيأ لكل احتلال رجال قاوموه بأيديهم وفكرهم ولسانهم حتى كتب الله على يد الشرفاء الجلاء والنصر والتمكين، وما ذلك بكبير علينا فهي سنة من سنن الله في أرضه، فاللهم إن الأرض أرضك، والعباد عبادك، والمحتل عدوك، والأمر أمرك، والقوة قوتك، والنصر نصرك، وأنت على كل شيء قدير، ولا نقول إلا حسبنا أنت ونعم الوكيل، وعلمك بحالنا يغني عن سؤالنا يا الله.
الخطوات الست في التعامل مع المحتل كما يراها سعيد النورسيّ... د. أحمد الأنباريّ
