القول الثاني:
لا يلزمه الدفع، وهو قول لبعض المالكية [1] قالوا: وصرح ابن العربي بأن الدفع جائز لا واجب فإن شاء سلم نفسه، وإن شاء دفع عنها، ونقله ابن شاس والقرافي [2]
، وقد مال القرافي منهم إلى هذا القول حيث يقول: «والمدفوع عنه كل معصوم من نفس أو بضع أو مال وأمره بيده إن شاء سلم نفسه أو يدفع عنها» [3]، وهو الوجه أو القول الثاني عند الشافعية [4] ، رجحه النووي [5]، بل قال بعضهم: يسن الاستسلام للصائل [6]، وهو الرواية الثانية للإمام أحمد [7]، وكأن ابن قدامة يرى رجحان هذه الرواية حيث يقول: «لا يجب الدفع عن نفسه وماله» [8] دون تفصيل بحال فتنة أو غيرها.
القول الثالث:
لا يجب على الإنسان الدفع عن نفسه إلا أن يكون المصول عليه ملكًا توحد في ملكه أو عالمًا توحد في زمانه، وكان في بقائه مصلحة عامة وإلا فيجب الدفع ولا يجوز الاستسلام، ذكره بعض الشافعية [9].
فإن كان في فتنة فللحنابلة في ذلك روايتان أحدهما يلزمه الدفع، والثانية لا يلزمه [10] يقول شيخ الإسلام حاكيًا الخلاف في هذه المسألة:
[أما إذا كان مقصوده قتل الإنسان جاز له الدفع عن نفسه وهل يجب؟ قولين: وهذا إذا كان للناس سلطان فأما إذا كان في فتنة فهل يدفع عن نفسه في الفتنة أو يستسلم فلا يقاتل على قولين لأهل العلم في مذهب أحمد وغيره] [11].
ورجح المرداوي أنه لا يلزمه الدفع عن نفسه زمن الفتن وهو اختيار جماعة قال: «وهو الصحيح من المذهب» [12].
وللشافعية في مسألة وجوب الدفع عن النفس قولان رجح النووي عدم الوجوب كما بينت سابقًا، ولم يفصلوا في حال الفتنة وغيرها والذي يظهر أن هذين القولين عندهما في سائر الأحوال ومما يدل على اعتبار هذين القولين حتى زمن الفتنة استدلال البكري -رحمه الله- بقصة عثمان t [13] عند ذكره القول بعد وجوب الدفع وجواز الاستسلام بل وسنيته.
وأما المالكية -رحمهم الله- فقد قال القرافي -رحمه الله- بعد ذكره القول بجواز الدفع عن النفس وجواز تسليمها للصائل: [ويختلف الحال ففي زمان الفتنة الأولى الصبر تقليلاً لها، أو مقصودًا وحده] [14].
والقول بالتفريق في المدافعة بين زمن الفتن وزمن غيرها هو قول الإمام الأوزاعي، يقول الصنعاني -رحمه الله-: [وفرق الأوزاعي بين الحال التي للناس فيها جماعة وإمام فحمل الحديث عليها -يعني حديث عبدالله بن عمرو- [15] وأما في حال الخلاف والفرقة فليستسلم ولا يقاتل أحدًا] [16] وكأنه يرى -رحمه الله- استحباب ترك القتال زمن الفتن والاستسلام، والذي يظهر أن من رأى استحباب ترك القتال وسنية الاستسلام من الشافعية تابع الأوزاعي -رحمه الله- في هذا القول.
أدلة الأقوال:
استدل أصحاب القول الأول القائلين بوجوب الدفع في غير زمن الفتن بما يلي:
الدليل الأول: قوله تعالى: {وَلاَ تُلْقُواْ بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ} [17].
وجه الاستدلال:
كما يحرم قتل النفس بنص الآية تحرم إباحة قتل النفس؛ لأنه قادر على إحياء نفسه فوجب عليه فعل ما يتقي به كالمضطر إذا وجد الميتة [18].
نوقش هذا الدليل:
بأن قياس قتل الصائل لإحياء النفس على أكل الميتة للمضطر لإحيائها قياس مع الفارق؛ لأن الأكل يحيي به نفسه، من غير تفويت نفس غيره، وههنا في إحياء نفسه فوات نفس غيره، فلم يجب عليه [19].
الدليل الثاني:
يجب الدفع لأنه يتوصل به إلى نجاة نفسه [20]، وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب.
كما يمكن أن يستدل لهم:
بالعمومات الدالة على الأمر بمقاتلة الصائل ورد عدوان المعتدي ومن ذلك قوله تعالى:{فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُواْ عَلَيْهِ} [21] وقوله: {وَقَاتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ} [22] وقوله e في الحديث «قاتله» [23].
استدل أصحاب القول الثاني القائلين بعدم وجوب الدفع في غير زمن الفتن بما يلي:
الدليل الأول:
قوله e في الحديث الذي يرويه ابن عمر -t-: «ما يمنع أحدكم إذا جاءه من يريد قتله أن يكون مثل ابني آدم القاتل في النار والمقتول في الجنة» [24].
الدليل الثاني:
أنه قتل ينال به الشهادة [25]، يدل عليه حديثا سعيد بن زيد وأبي هريرة -رضي الله عنهما- [26].
الدليل الثالث:
أنه تعارضت مفسدة أن يُقتل أو يمكن نفسه والتمكين من القتل أخف مفسدة من القتل فيقدم [27].
دليل القول الثالث: يمكن أن يستدل لهم:
أن الصائل يجب دفعه عن المصول عنه إذا كان ملكًا متوحدًا في ملكه أو عالمًا منفردًا بعلمه دفعًا للمفسدة العظمى الحاصلة بفوات نفس المصول عليه في مقابل تحمل المفسدة الدنيا وهي فوات نفس الصائل، وشهر السلاح في وجه المسلم، والضرر الأشد يدفع في مقابل تحمل الضرر الأخف.
أما المختلفين في وجوب الدفع زمن الفتن فيستدل لمن قال بوجوبه بما سبق ذكره من أدلة القائلين بوجوب الدفع في غير زمن الفتن.
وأما القائلين بعدم وجوب الدفع في زمن الفتن فيستدل لهم مع ما سبق ذكره من أدلة المجيزين للاستسلام في غير زمن الفتن بما يلي:
الدليل الأول:
قوله e في زمن الفتنة: «فإن خشيت أن يبهرك شعاع السيف فألق ثوبك على وجهك يبوء بإثمك وإثمه» [28] وفيه مشروعية ترك القتال زمن الفتن.
الدليل الثاني:
أن عثمان بن عفان -t- ترك القتال مع إمكانه منع إرادتهم نفسه [29]، وكما منع نفسه من قتالهم منع غيره وصبر على ذلك ولو لم يجز لأنكر الصحابة عليه ذلك [30].
الدليل الثالث:
قوله e في الفتن: «كن عبدالله المقتول، ولا تكن عبدالله القاتل» [31].
الإجابة عن أدلة القائلين بعدم لزوم الدفع وجواز الاستسلام زمن الفتن وغيرها.
دليلهم الأول يجاب عنه:
بأن حديث ابن عمر ضعفه جمع من أهل العلم كما بينتُ في تخريجه فلا يحتج به.
فإن قيل: الحديث وإن كان ضعيفًا فقد نص القرآن الكريم على قصة ابني آدم وفيها دلالة على استسلام الأفضل منهما للقتل من صاحبه.
فيمكن أن يجاب عنه:
بأننا نُسلِّم أن القرآن نص على قصة هابيل وقابيل وعلى أن أحدهما استسلم لأخيه لما أراد قتله {لَئِن بَسَطتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَاْ بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لَأَقْتُلَكَ} [32] ولكنه شرع لمن قبلنا وشرع من قبلنا شرع لنا إذا لم يرد في شرعنا ما يخالفه، وقد جاء في حديث أبي هريرة الصحيح ما يدل على مقاتلة الصائل وكذا غيره من الأحاديث.
* أما دليلهم الثاني وهو قولهم: « أن المقتول ينال الشهادة بالقتل فالأولى له حينئذ الاستسلام فيمكن أن يجاب عنه:
بأن الأحاديث الدالة على حصول الشهادة للمقتول، هي في المقتول الذي حصل قتله أثناء مدافعته ومقاتلته للصائل لا حال استسلامه، وحديث أبي هريرة نص في ذلك حيث رتب الشهادة على حصول القتل بالمقاتلة، ولفظ حديثي ابن عمر وسعيد بن زيد مشعر بذلك حيث أتى بلفظة (دون) قال المباركفوري عند شرحه حديث [«من قتل دون ماله» أي عند الدفع عن ماله فهو شهيد في أحكام الآخرة] [33].
* أما دليلهم الثالث وهو قولهم: إذا تعارضت مفسدة... فيمكن أن يجاب عنه:
بعد التسليم بكون التمكين من النفس أخف مفسدة من قتل الصائل بل هو أشد وأعظم لأمرين:
الأمر الأول: أن التمكين في هذه المسألة لنفس معصوم، وأما القتل فهو لنفس أهدرت عصمتها، وزالت حرمتها بالصيال.
الأمر الثاني: أن التمكين قد يترتب عليه ضرر أعظم من حيث كونه يغري الصائل وغيره بالتطاول على غير المصول عليه من المسلمين فتسفك الدماء، وتنتهك الحرمات؛ إذا الواقع يشهد أن ما يُبذل من الاستسلام يقابله الكثير من الاستعلاء والتكبر من قبل المجرمين كفارًا كانوا أو غير كفار، وبمثل هذا يفقد الأمن، وتنتشر الجريمة، ويعبث الظلمة في الأرض فسادًا، وهذا من الضرر الذي لا يوازيه ضرر فضلاً عن أن يفوق عليه.
ففي مدافعة المجرمين الذين يصولون على الأنفس درء للمفاسد، وقمع للجريمة وكفّ للشر عن المصول عليه وعن غيره من المسلمين.
أما القول الثالث فيمكن أن يجاب عنه:
أن من ذكر هذا القول استدل بقصة عثمان [34] -t- وقد كان ملكًا لعامة المسلمين، وعالمًا إمامًا في زمنه ومع ذلك لم يقاتل من سعى لقتله، وعلى هذا يكون ما استدلوا به معارضًا لقولهم.
أما من ذكر قصة عثمان بن عفان -t- وأنه استسلم لعدوه فيمكن أن يجاب عنه:
بأن قصة عثمان حادثة عين تحتمل أمور:
كأن يكون عدوه قد فاجأه ولم يكن إذ قريبًا من سلاحه فرأى أن لا جدوى من المقاتلة حينئذ، أو أن عدد من أغاروا عليه كثير فعلم أن لا قدرة له بهم، وبالاحتمال يبطل الاستدلال.
ثم إن القول بأنه -t- ترك مدافعة القاتل لكونه زمن فتنة، ولأن الأولى التسليم في مثل هذه الحال فبعيد؛ لأن الفتنة تعظم بالاستسلام لها لا سيما إذا كان المستسلم لها هو خليفة المسلمين وولي أمرهم إذ به تضبط الأمور وبفقده يحصل ضياعها.
أما حديث: «كن عبدالله المقتول...» فيجاب عنه:
بأن هذا الحديث لا أثر له في كتب الصحيح والسنن بل لا أصل له كما صرح بذلك الحافظ ابن حجر -رحمه الله- [35].
وكنت قد كتبت حديث أبي ذر وقلت في مناقشته أن الحديث دال على النهي عن السعي في الفتنة، والخروج فيها لقتال ونحوه، إذ في زمن الفتنة لا يتبينُ حق من باطل، فمنع الخروج للقتال في الفتن سدًا لذريعة الوقوع فيما حرمه الله حتى قرأت متن الحديث كاملاً وتبين لي أن النبي e قال مقالته تلك لما سئل عما إذا اعتزل المرء الفتن فلم يُترك، ودُخل عليه في منزله فأجاب بتلكم المقولة.
الترجيح:
وعلى هذا فيصير الراجح عندي بناء على هذه الأحاديث كلها وجوب الدفاع عن النفس وما يتبعها من طرف أو منافع في غير زمن الفتن إذ في الأحاديث معنى الأمر بالمدافعة والحث عليها بالتصريح بذلك تارة كما في حديث أبي هريرة، وبذكر ما للمقاتل من منزلة وأجر، وما على الصائل من إثم ووزر في الآخرة وإهدار دم في الدنيا تارة أخرى كما في حديث سعيد وابن عمرو وغيرهما.
ويُستثنى من ذلك زمن الفتن فإن حديث أبي ذر دال على أن الأولى ترك المدافعة حتى وإن دخل الصائل منزل المصول عليه.
فعلى هذا تكون الأحاديث الواردة في مدافعة الصائل عامة لم تخص زمنًا دون زمن وعمومها مخصوص بزمن الفتن والدليل على التخصيص حديث أبي ذر.
ثانيًا: أن يكون المدفوع عنه عرضًا:
اختلف العلماء في هذه المسألة ولهم فيها قولان:
القول الأول:
يلزمه الدفع عن حرمته وهو قول الحنفية [36]، وقول لبعض المالكية [37]، وقول الشافعية [38]، قال النووي -رحمه الله-: [وأما المدافعة عن الحريم فواجبة بلا خلاف] [39]، ورواية للإمام أحمد [40] قال المرداوي: [يلزمه الدفع عن حرمته على الصحيح من المذهب نص عليه وجزم به في الوجيز] [41] ورجح هذا القول المجد بن تيمية [42] وحفيده تقي الدين [43].
القول الثاني:
لا يلزمه الدفع، وهو قول ثانٍ للمالكية [44]، ورواية ثانية للإمام أحمد، وجزم بها أبوالمعالي من الحنابلة [45].
أدلة الأقوال:دليل القول الأول:
الدليل الأول:
أن بذل المال جائز أما بذل الفجور بالنفس أو بالحرمة فغير جائز [46]. والأبضاع لا سبيل لإباحتها [47].
الدليل الثاني:
أن في مدافعة الصائل منع من حصول الفاحشة، ومدافعة للمنكر، وهو حق لله. وفي مدافعته أيضًا حفظ لحق نفسه في صيانة أهله ومنع الفسق منهم [48] وبهم [49].
كما يمكن أن يستدل لهؤلاء: بعموم حديث سعيد بن زيد وفيه أن من قتل دون أهله فهو شهيد. وفيه الترغيب والحث على دفع الأذى عن الأهل.
دليل القول الثاني: لم أعثر لهم على دليل لكن يمكن أن يستدل لهم:
بأنه إذا تعارضت مفسدتان فيفعل أخفهما في مقابل دفع الأعظم والمفسدتان هنا هما تمكين الصائل من العرض وقتل الصائل والمفسدة الأولى أخف فتقدم.
* ويجاب عما ذكروه:
بما أجيب سابقًا من أن القتل هنا للصائل لا يعتبر مفسدة لزوال حرمته بصياله، وقد يكون حصول المفسدة العظمى بترك المجرمين وعدم مدافعتهم.
الترجيح:
يترجح -والله أعلم بالصواب- رجحان القول الأول القائل بوجوب المدافعة عن العرض.
ثالثًا: أن يكون المدفوع عنه مالاً.
جمهور العلماء على جواز المدافعة والمقاتلة لمن أراد أخذ مال إنسان سواء كان المال قليلاً أو كثيرًا إذا كان الآخذ بغير حق. يقول ابن عابدين -رحمه الله-: [وله المقاتلة دون ماله القليل والكثير] [50].
ويقول النووي -رحمه الله- عند شرحه حديث عبدالله بن عمرو: [وأما أحكام الباب، ففيه جواز قتل القاصد لأخذ المال بغير حق، سواء كان قليلاً أو كثيرًا لعموم الحديث وهو قول جماهير من العلماء] [51].
ويقول الصنعاني -رحمه الله-: [وفي الحديث -أي حديث «من قتل دون ماله» دليل على جواز المقاتلة لمن قصد أخذ مال غيره بغير حق قليلاً كان أو كثيرًا وهذا قول الجماهير] [52] كما ذكر الشوكاني [53] والمباركفوري [54] نحوًا مما ذُكر.
وخالف بعض المالكية فقالوا: «لا يجوز القتال على أخذ القليل من المال» [55].
وسبب الخلاف كما ذكره القرطبي هو أن شرعية القتال في هذه المسألة هل هي لدفع المنكر فلا فرق حينئذ بين القليل والكثير أو هي من باب دفع الضرر فيختلف الحال؟ [56].
وعمومًا فلا يلتفت لخلاف من خالف في هذه المسألة لأن الأحاديث ترد ما ذكروه [57] إذ النصوص في مشروعية القتال لمن أخذ المال عامة مطلقة لم تقيد القتال بمال دون مال فلا يلتفت للقول المعارض لعموم النصوص.
قال الإمام النووي -رحمه الله-: [وقال بعض أصحاب مالك: لا يجوز قتله إذ طلب شيئًا يسيرًا كالثوب والطعام، وهذا ليس بشيء، والصواب ما قاله الجماهير] [58].
وعلى هذا فلا اعتبار بخلاف من شذ ولذا نقل شيخ الإسلام الإجماع على جواز مدافعة المحاربين الذين يقصدون أموال الناس بغير حق كما سبق بيانه [59].
وهل الدفع عن المال جائز مطلقًا أم يلزم الدفع في بعض الصور؟
القول الأول:
ذكر جمهور العلماء أن الدفع عن المال غير لازم [60] ويجوز للإنسان أن يترك القتال ويعطيهم شيئًا من المال [61]، وذكر الاتفاق على عدم لزوم الدفع عن المال الدسوقي -رحمه الله- [62]، واستثنى المالكية ما إذا ترتب على عدم الدفع عن المال هلاك لنفسه أو شدة أذى [63]. كصائـل علـى طعام رجل أو مائه في فلاة وليس معه غيره، أو مغيرٍ على دابته ولا دابة له سواها وحينئذ يكون حكم الدفع عن هذا المال كحكم الدفع عن النفس أي فيه الخلاف السابق وذلك باعتبار ما يترتب عليه فَقْد هذا النوع من المال من ضرر بالنفس.
واستثنى الشافعية المال الذي له روح كالبهائم فقالوا: هذا المال يلزم الدفع عنه إن قصد الصائل إتلافها [64].
وشرط البغوي ألا يخاف على نفسه [65]، فإن ترتب على دفعه عن ماله فوات نفسه فلا يدفع وجوبًا.
وللحنابلة رواية يوافقون فيها قول الجمهور بعد لزوم الدفع عن المال رجحها المرداوي وابن مفلح صاحب المبدع، ونقل حنبل قول في المذهب إنه يجوز أن يعطيهم المال مقابل ترك نفسه قيل: لا بأس بذلك، وقيل: هو أفضل [66].
القول الثاني:
يلزمه الدفع عن ماله، مطلقًا وهو رواية للإمام أحمد قال في التبصرة (يلزمه في الأصح) [67].
أدلة الأقوال:
دليل القول الأول: استدل أصحاب هذا القول بما يلي:
أولاً: قوله e: «فكن عبدالله المقتول...» الحديث [68] فإنه دال على جواز الاستسلام في النفس والمال بالأولى [69].
ثانيًا: إن إباحة المال جائزة [70]، فلا تلزم المقاتلة لأجله.
وأما المالكية فاستثنوا من الجواز ما إذا ترتب على ترك الدفع هلاك؛ لأن ترك المقاتلة هنا مفضية لهلاك النفس، فصار الصائل على المال في هذه المسألة كالصائل على النفس بالنظر لما يترتب على الصول في المسألتين من أذى النفس.
واستثنى الشافعية المال الذي فيه روح فأوجبوا المدافعة عنه إذا كان قصد الصائل إتلافه، قالوا: لأن ما لا روح فيه تجوز إباحته بخلاف ما فيه روح فيجب الدفع عنه [71].
وأما ما اشترطه البغوي فيمكن أن يقال أن حفظ النفس أولى من حفظ المال فلا وجه لتعريض النفس للضرر في مقابل حفظ المال.
وأما ما نقل عن حنبل من كونه يجوز أن يعطيهم من المال مقابل ترك نفسه قال: لأن النفس لا عوض لها [72]، وهو قريب مما علل به قول البغوي.
دليل القول الثاني: استدلوا:
بحديث أبي هريرة وفيه الأمر بمقاتلة من جاء يريد مال غيره بغير حق والأمر للوجوب، كما جاء في نفس الحديث والنهي عن إعطائه المال يقول المباركفوري -رحمه الله-: [ولعل متمسك من قال بالوجوب ما في حديث أبي هريرة من الأمر بالمقاتلة، والنهي عن تسليم المال لمن رام غصبه] [73].
ويجاب:
بما ذكره النووي -رحمه الله- عند شرحه حديث أبي هريرة: [وأما قوله: فلا تعطه: معناه لا يلزمك أن تعطيه، وليس المراد تحريم الإعطاء] [74]، وكقوله ذكر الصنعاني [75].
الترجيح:
يمكن أن يقال هنا بما قيل في مسألة الدفع عن النفس.
رابعًا: أن يكون المدفوع عنه دينًا.
دل حديث سعيد بن زيد -t- على مشروعية الدفع عن الدين، وأن المقتول دون دينه شهيد.
وقد وردت بعض النصوص الدالة على شرعية حفظ الدين، ومدافعة من صال عليه.
يقول شيخ الإسلام -رحمه الله-: [قتل الإنسان الصائل لحفظ دين غيره أمر مشروع] [76] فإن كان هذا مشروع في دين غيره ففي دين المصول عليه من باب أولى.
ويقول المباركفوري -رحمه الله-: [وكما تدل الأحاديث على جواز المقاتلة لمن أراد أخذ المال تدل على جواز المقاتلة لمن أراد إراقة الدم والفتنة في الدين والأهل] [77].
والأصل في مشروعية المدافعة عن الدين مع ما ورد في حديث سعيد بن زيد ما جاء من الأمر بمقاتلة من أراد المرور بين يدي المصلي:
جاء في حديث أبي سعيد الخدري أنه قال: سمعت رسول الله e يقول: «إذا كان أحدكم يصلي إلى شيء يستره من الناس، فأراد أحد أن يجتاز بين يديه، فليدفعه، فإن أبى فليقاتله، فإنما هو شيطان» [78].
يقول ابن قدامة -رحمه الله-: [والنبي e إنما أمر برده ودفعه حفظًا للصلاة عما ينقصها] [79] بل نقل -رحمه الله- الإجماع على مشروعية منع المار بين يدي المصلي [80].
وقد بوّب له الإمام النسائي في سننه بباب من اقتص وأخذ حقه دون السلطان [81].
كما أنه لو أبى المار الامتناع عن المرور فقوتل فقتل فلا ضمان. يقول ابن حزم -رحمه الله-: [قال علي: من أراد المرور أمام المصلي إلى سترة أو غير سترة، فأراد إنسان أن يمر بينه وبين سترته أو بين يديه وإن لم يكن إلى سترة فليدفعه فإن اندفع وإلاَّ فليقاتله، فإن دفعه فوافقت منية المريد للمرور فدمه هدر ولا شيء فيه لا قود ولا دية ولا كفارة] [82].
الفرع الرابع: كيفية الدفع.
يتبع في الجزء الثالث والأخير بمشيئة الله تعالى....
________________________________________
[1] حاشية الدسوقي (4/357)، مواهب الجليل (6/323).
[2] الذخيرة (12/262).
[3] الذخيرة (12/263).
[4] المهذب (20/400)، المجموع (20/403)، روضة الطالبين (10/،188)، فتح الوهاب (2/291).
[5] روضة الطالبين (10/188).
[6] الإقناع للشربيني (2/545)، فتح المعين (4/173)، إعانة الطالبين (4/173)، روضة الطالبين (10/188).
[7] الإنصاف (10/304)، الفروع (10/162)، المحرر (2/162)، المبدع (9/155).
[8] المغني (12/534).
[9] إعانة الطالبين (4/173).
[10] الإنصاف (10/304)، الفروع (10/162)، المبدع (9/155).
[11] مجموع فتاوى شيخ الإسلام (28/320).
[12] الإنصاف (10/304).
[13] الذخيرة (12/262).
[14] إعانة الطالبين (4/173).
[15] سبق تخريجه في ص(110).
[16] سبل السلام (3/507-508)، وذكر المباركفوري نحوه في تحفة الأحوذي (4/565-566).
[17] سورة البقرة، آية (195).
[18] المبدع (9/155).
[19] المغني (12/534).
[20] حاشية الدسوقي (4/357).
[21] سورة البقرة، آية (194).
[22] سورة البقرة، آية (190).
[23] سبق تخريجه.
[24] أخرجه الإمام أحمد في مسنده (5754) قال محققوا المسند: «إسناده ضعيف».
[25] المهذب (20/400).
[26] سبق تخريجهما.
[27] الذخيرة (12/263).
[28] أخرجه أبوداود واللفظ له من حديث أبي ذر في النهي عن السعي في الفتنة من كتاب الفتن والملاحم (4261)، وابن ماجه باب التثبت في الفتنة من كتاب الفتن (3958)، والحاكم في مستدركه (8304)، وقال: «هذا حديث صحيح على شرط الشيخين)، وأحمد في مسنده (21325) قال محققوا المسند: «إسناده صحيح على شرط مسلم» (35/252)، والبيهقي في سننه الكبرى (16575)، وابن حبان في صحيحه (5960)، وعبدالرزاق في مصنفه (20729)، وأورده كل من البوصيري في المصباح (4/171-172)، والشوكاني في النيل (6/77)، وسكتا عنه.
[29] المغني (12/534).
[30] المبدع (9/155).
[31] قال ابن الصلاح: «ولم أجده في شيء من الكتب المعتمدة» وقال ابن حجر في التلخيص (4/84): «هذا الحديث لا أصل له»، وقال ابن الملقن في الخلاصة (2/330): «غريب»، وقال الشوكاني في النيل (6/77): «في إسناده علي بن زيد بن جدعان هو ضعيف».
[32] سورة المائدة، آية (28).
[33] تحفة الأحوذي (4/564).
[34] إعانة الطالبين (4/173).
[35] تلخيص الحبير (4/84).
[36] تنوير الأبصار (10/211)، الدر المختار (10/211)، حاشية ابن عابدين (10/211-212).
[37] الشرح الكبير (4/357)، حاشية الدسوقي (4/357)، مواهب الجليل (6/323).
[38] المهذب (20/400)، روضة الطالبين (10/2188)، الإقناع (2/544)، المجموع (20/402).
[39] شرح صحيح مسلم (2/344).
[40] الإنصاف (10/304)، المغني (12/535-536)، المبدع (9/155)
[41] الإنصاف (10/304).
[42] المحرر (2/162).
[43] مجموع الفتاوى (28/320).
[44] حاشية الدسوقي (4/357)، مواهب الجليل (6/323).
[45] الإنصاف (10/403).
[46] مجموع الفتاوى (28/320).
[47] الإقناع (2/544).
[48] أقصد إذا كانت المرأة راضية بالزنا.
[49] المبدع (9/156) بتصرف.
[50] حاشية ابن عابدين (10/192).
[51] شرح صحيح مسلم (2/344).
[52] سبل السلام (3/507).
[53] نيل الأوطار (5/391).
[54] تحفة الأحوذي (4/565).
[55] شرح خليل بن إسحاق المسمّى بنصيحة المرابط (6/182).
[56] سبل السلام (3/507).
[57] تحفة الأحوذي (4/565).
[58] شرح صحيح مسلم (2/344).
[59] مجموع الفتاوى (28/319).
[60] حاشية ابن عابدين (10/191)، حاشية الدسوقي (4/357)، منح الجليل (9/369)، الإقناع (2/544)، المجموع (20/403)، إعانة الطالبين (4/173)، المغني (12/534)، الإنصاف (10/305)، المبدع (6/156)، سبل السلام (3/508)، المحرر (2/162)، مجموع الفتاوى (28/320).
[61] مجموع الفتاوى (28/320).
[62] حاشية الدسوقي (4/357).
[63] حاشية الدسوقي (3/257)، منح الجليل (9/369).
[64] المهذب (20/400)، المجموع (20/403)، الإقناع (2/544)، إعانة الطالبين (4/173).
[65] المجموع (20/403، 404).
[66] الإنصاف (10/305-305).
[67] الإنصاف (10/305-305).
[68] سبق تخريجه.
[69] سبل السلام (3/508).
[70] المجموع (20/403).
[71] الإقناع (2/544)
[72] الإنصاف (10/305).
[73] تحفة الأحوذي (4/565).
[74] شرح صحيح مسلم (2/344).
[75] سبل السلام (3/508).
[76] مجموع الفتاوى (14/475).
[77] تحفة الأحوذي (4/565).
[78] أخرجه البخاري في صحيحه، باب يرد المصلي من مرّ بين يديه من كتاب الصلاة (487)، ومسلم في صحيحه، باب منع المار بين يدي المصلي من كتاب الصلاة (505).
[79] المغني (3/93).
[80] المغني (3/92).
[81] سنن النسائي الكبرى (8/61).
[82] المحلى (11/154) (1092) رقم الحديث (4862).
دفع الصائل وأحكامه في الفقه الإسلامي (2-3) ...أمل ابراهيم
