بالتأكيد أضر إعصار \'كاترينا\' بشكل كبير على شعبية الرئيس الأمريكي جورج بوش إلا إن الرئيس الأمريكي نجح في تقليل آثاره، إلا إن الإعصار الذي لن يستطيع بوش الإفلات منه وربما أمريكا كلها هو إعصار العراق؛ والذي يرى
المتابعون والمحللون أنه قد لا يدفع واشنطن إلى الانسحاب ليس فقط من العراق بما يمور به من قلاقل واضطرابات، ولكن الانسحاب من مجمل الساحة العالمية، وفي هذا الصدد قالت صحيفة 'فاينانشيال تايمز' البريطانية في افتتاحيتها بشأن قمة دول الآسيان التي انعقدت مؤخرًا: إن جولة الرئيس الأمريكي جورج بوش الآسيوية الأخيرة أعطت انطباعاً واضحاً يؤشر على تراجع النفوذ الأمريكي في المنطقة.
ما هي مظاهر هذا الإعصار الذي يهدد الإدارة الأمريكية؟، وهل يستطيع بوش و رجاله الإفلات منه؟، هذا ما نحاول مناقشته في هذا المقال.
مظاهر الإعصار:
1- تزايد المقاومة العراقية:
بالتأكيد تعد المقاومة العراقية أهم مظاهر بل هي جوهر الإعصار الذي يتهدد الولايات المتحدة، وسيكون من نافلة القول الحديث عن نجاح المقاومة العراقية في إحراج الآلة الأمريكية، إلا إننا نشير هنا إلى تقرير أعده معهد أمريكي حيث أكد هذا التقرير أن المقاومة العراقية ما تزال قوية وتملك القدرة على أن تعزز قوتها في المستقبل.
وقال التقرير الذي أعده محللان في معهد واشنطن لدراسات الشرق الأوسط أن العراق يمر 'بمرحلة حاسمة' ستستمر بين ستة وتسعة أشهر، وصرح المحلل 'جيفري وايت': اعتقد أننا سنعرف على الأرجح بعد هذه المرحلة الحاسمة ما إذا كانت القوات الأمريكية قد نجحت أو فشلت.
وأكد التقرير أنه لم تظهر أية مؤشرات في الأشهر الـ32 الماضية بعد الاحتلال الأمريكي للعراق، على ضعف المقاومة، بل إن المعلومات تؤكد أن المقاومة لم تكن يومًا متينة وقاتلة كما هي حاليًا.
ويمتد تأثير المقاومة العراقية إلى واشنطن، حيث تتصدر أخبار القنابل النشرات الإخبارية أكثر من الأمور التي تسعى الإدارة الأمريكية لإبرازها مثل الدستور، وعلى سبيل المثال فإن صحيفة واشنطن بوست نشرت أخبار مقتل 2000 أمريكي – وفقًا للرواية الأمريكية - على صفحتها الرئيسية ولكنها نشرت أخبار الدستور العراقي في الصفحة 13.
2- تهاوى المبررات الأمريكية:
من مظاهر الإعصار الذي يهدد الإدارة الأمريكية، اكتشاف أن الدوافع والمبررات التي ساقتها الإدارة الأمريكية لتبرير عدوانها على العراق كانت كلها كاذبة، وهو ما أثار حالة من الحنق والغضب رصدتها وسائل الإعلام الأمريكية.
لقد ظل بوش ورجاله يرددون مزاعمهم عن امتلاك العراق أسلحة دمار شامل، حتى صدق الشعب الأمريكي هذه الأكاذيب، وخلال الاستعداد للحرب, حاول وزير الخارجية الأمريكي كولن باول الترويج لنفس الفكرة أمام الأمم المتحدة, بينما كرر نفس الفكرة بلا تردد كل من نائب الرئيس ديك تشيني ومستشارة الأمن القومي آنذاك كونداليزا رايس والناطق باسم البيت الأبيض اري فليتشر ونائب وزير الدفاع دوغلاس فيث.
غير أنه شيئا فشيئا, تبين كذب إدعاءات بوش واستخباراته التي كشفت عن أكذوبة جديدة تتعلق بشراء العراق اليورانيوم من النيجر, وكذلك أنابيب الألومنيوم لمعالجة اليورانيوم، وأحمد الجلبي الذي انقلب على الإدارة الأمريكية بعدما كانت أكاذيبه من أهم أسباب حرب العراق.
وبالتأكيد فإن الكشف عن هذه الأكاذيب الأمريكية يدفع في حركة الاحتجاج الأمريكية المطالبة بإنهاء احتلال العراق، وتبرز 'سيندي شيهان' التي قتل ابنها في العراق وهي تسأل الرئيس الأمريكي جورج بوش عن المهمة النبيلة التي قتل ابنها من أجلها، وذلك بعد الكشف عن كم الأكاذيب التي ساقتها الإدارة الأمريكية لتبرير العدوان.
3- الفضائح الأمريكية:
تزايدت الفضائح التي تحيط بالإدارة الأمريكية ورجالات الحزب الجمهوري، ويأتي على رأس هذه الفضائح فضيحة 'كريستوفر ليبي' وتصف صحيفة 'إكونومست' البريطانية آثار هذه الفضائح فتقول: '.. يمكنك إدراك أنك تعاني من أسبوع عصيب في السياسة حين تكون أذكى خطوة تقوم بها هي الطلب من مرشّحتك للمحكمة العليا سحب ترشيحها، ويمكنك أن تحزر أنك تعاني من أسبوع عصيب جداً حين يكون أفضل خبر تتلقاه هو أنه لم يتم توجيه الاتهام سوى لمسؤول واحد من مساعديك الكبار'.
والأخطر في فضيحة 'ليبي' أنها لا تمس فقط كبير موظفي ديك تشيني، ولكنها قد تطيل موظفين كبار داخل الإدارة الأمريكية ففضلا عن 'ديك تشيني' نائب الرئيس الأمريكي، تطيل هذه الفضيحة 'كارل روف' المستشار السياسي للرئيس الأمريكي نفسه والذي يعد أهم موظف في الإدارة الأمريكية، لهذا فإن هذه الفضيحة تفوق في حدتها فضائح الرؤساء الأمريكيين السابقين خاصة وأن بوش تعهد بإقالة أي موظف يثبت تورطه في الكشف عن اسم 'فاليري بليم'، لهذا يعلق الصحفي 'الكسندر كوكبيرن' قائلا: إن العبرة التي توحي بها إلي فضيحة [بليم جيت] هي أن المسؤولين لدينا عن مصائر هذه الأمة خلال السنوات الخمس الأخيرة في غاية الغباء، فالأغبياء حقًا هم الذين يعتقدون أن كشف هوية فاليري بليم باعتبارها عملية سرية لوكالة الاستخبارات المركزية، طريقة جيدة لقصم ظهر زوجها جو ويلسون، تشيني غبي، وروف غبي، وليبي الذي نملك عنه الآن كومة كبيرة من المادة الإعلامية المفيدة غبي جدًا جدًا.
4- حركة الاحتجاج الداخلية:
ومن أهم ملامح 'إعصار العراق' الذي يهدد الإدارة الأمريكية، هو التراجع المستمر في شعبية الرئيس الأمريكي جورج بوش حيث انحدرت شعبيته إلى أدنى مستوياتها لتصل إلى 40% بعدما كانت في حدود 80% قبل أربع سنواتها.
وأظهر أحدث استطلاع أمريكي نشرته مجلة 'التايم' أن ما يمثل 60% من الشعب الأمريكي يرفضون أسلوب الرئيس الأمريكي جورج بوش لإدارة الوضع في العراق، فيما قال 38% من المشاركين في الاستطلاع إنهم يؤيدون سياسة الرئيس الأمريكي تجاه العراق.
ويبدو أن هذا التدهور في شعبية الرئيس الأمريكي امتد ليشمل القاعدة الجمهورية التي كانت تعتمد عليها الإدارة الأمريكية، حيث تشير كارلين بومان من معهد العمل الأمريكي أنه قبل عامين، وافق 82% من المحافظين على بوش، غير أنه قد تقلص عددهم إلى 69% فقط في الربع الثالث من العام الجاري.
وبإزاء ذلك علت أصوات النواب الديمقراطيين في الكونجرس تطالب بضرورة سحب القوات الأمريكية خلال الستة أشهر المقبلة، علما بأنهم كانوا في وقت سابق يصرون على الانسحاب الفوري للقوات الأمريكية، ولم يحل دون ذلك سوى نجاح الجمهوريين في تمرير قرار يعارض الانسحاب الفوري.
وزاد من الأوضاع سوءً القرار الذي أصدره مجلس الشيوخ الأمريكي والقاضي بأن تكون السنة المقبلة فترة انتقالية يتحمل خلالها العراقيون كامل المسؤولية في إدارة شؤون بلدهم ويتم'إيجاد الأوضاع الملائمة لإعادة نشر القوات الأمريكية في العراق'.
هل يفلت بوش من الإعصار؟:
يرى كثير من المحللين أن فرص بوش في الإفلات من هذا الإعصار كبيرة، خاصة وأن الفضائح المماثلة التي أطاحت برؤساء أمريكيين سابقين كانت في وقت متأخر عن ذلك، ففضيحة 'إيران جيت' أصابت الرئيس الأمريكي رونالد ريجان في سنته الثانية، كما أصابت فضيحة مونيكا لوينسكي بيل كلينتون في وقت مشابه، ويؤكد كثير من المتابعين الأمريكيين أن بإمكان بوش استعادة شعبيته إذا ما نجح في إدارة الفترة الباقية من رئاسته، ونستطيع أن نقول أن هناك عدة عوامل قد تساعد بوش في الإفلات من هذا الإعصار وهي:
1- غياب السياسة البديلة:
من حسن حظ الإدارة الأمريكية الحالية أن منافسيها يفتقدون رؤية سياسية واضحة يقدمونها للشعب الأمريكي بديلا عن رؤية بوش ورفاقه، إن الديمقراطيين لم ينجحوا حتى الآن في صياغة موقف موحد واضح تجاه العديد من القضايا الأمريكية وعلى رأسها احتلال العراق، بل إن الكثيرين منهم أيدوا العدوان على العراق، لذلك فإن بوش وتشيني لا يجدان حرجًا في كيل الشتائم لمنتقدي الإدارة الأمريكية، وذلك لعجز النقاد عن بلورة سياسات بديلة عملية، لقد أخفق أبرز القادة الديمقراطيين في أن يرتقوا إلى حجم التحدي، بسبب عجزهم في الاجتياز بانتقاداتهم، إلى ما وراء الضبابية التي أفقدتهم من قبل فرصهم في الفوز بالحوار العام حول العراق عام 2004.
ويتسم خطاب الديمقراطيين والذي علا صوته مؤخرًا مطالبًا بالانسحاب من العراق بالغموض والإبهام، لذلك فإن الكثيرين من الأمريكيين يرون أنه في الوقت الذي صنعت فيه الإدارة الأمريكية قضيتها وبلورتها فيما يتعلق بحربها على العراق, فإن الديمقراطيين عجزوا عن ذلك مما يجعلهم في موقع أضعف بالنسبة للجمهوريين، وإن كان الجمهوريين لا يمكنهم الدفاع بصدق عن الحرب، فإن الديمقراطيين لا يمكنهم تحضير أنفسهم تماما للدعوة إلى إنهاء الحرب، ومن ثم نصل إلى نقطة واحدة وهي استمرار الحرب ما دامت القوات الأمريكية تستطيع ذلك.
2- غياب الإجماع:
أيضا من العوامل التي تصب في صالح بوش هو غياب إجماع الرأي العام الأمريكي تجاه الوضع في العراق، نعم يزداد يومًا بعد يوم نسبة الرافضين للحرب إلا إنها لم تصل بعد إلى ما يفوق الثلثين، بل إن آخر استطلاع أجرته مجلة التايم طالب فيه 47% الانسحاب الفوري من العراق، فيما أيد 40% بقاء أغلب القوات الأمريكية هناك حتى يتم اختيار حكومة جديدة.
إضافة إلى ذلك فإنه حتى في حال خروج مظاهرات مناهضة للحرب، تنجح الإدارة الأمريكية في إخراج مظاهرات مضادة تعلن دعمها للحرب، لهذا فإن الوضع الداخلي الرافض للحرب لم يصل إلى ما كان عليه أيام فيتنام، فأين الجماعات السياسية الأمريكية القوية المناهضة للحرب؟ وحتى في الوقت الذي يتحول فيه الشعب الأمريكي بحسم ضد الحرب في العراق, فإن تظاهرات واحتجاجات الحرب هي قليلة وحسنة السلوك.
3- الاستقطاب والتعصب الحزبي:
أحد أهم العوامل التي نجحت الإدارة الأمريكية في الحفاظ على شعبيتها في المرحلة الماضية هي الاستقطاب الحزبي الشديد في أوساط الشعب الأمريكي، فبينما ترتفع المعارضة لسياسات بوش داخل الديمقراطيين لتسجل أرقام كبيرة نجدها تنخفض بشكل لافت في صفوف الجمهوريين، وأشار استطلاع أجراه مركز 'بيو' الأمريكي إلى أن 81% من الجمهوريين عبروا عن رضاهم العام على سياسات الرئيس بوش في مقابل 15% فقط من الديمقراطيين الذي عبروا عن رضاهم على سياسات بوش بفارق يصل إلى 66%.
ويعني ذلك أن الإدارة الأمريكية يمكنها أن تجد كثير من المساندة لمواقفها في أوساط الجمهوريين، فيما يعجز الديمقراطيون عن التواصل مع القواعد الجماهيرية الجمهورية.
إضافة إلى ذلك كله، فإنه يجب علينا كذلك ألا نعول كثيرًا على نتائج استطلاعات الرأى، لأن الاستطلاع صناعة تجيدها وسائل الإعلام الأمريكي ولا تكشف دوما عن الحقيقة، فبينما كانت استطلاعات الرأى تشير إلى فوز جون كيري في الانتخابات الرئاسية السابقة كانت الوقائع والحقائق على خلاف ذلك، لهذا فإن قراءة موقف الإعلام الأمريكي الذي يغلب عليه التوجه الليبرالي لا يكفي لمعرفة موقف الرأي العام الأمريكي بشكل عام تجاه السياسية الخارجية أو موقف النخب الحاكمة في الولايات المتحدة.
المصدر : المفكرة
19/12/2005
\'إعصار العراق\' .. هل يفلت بوش منه؟ وليد نور
