هيئة علماء المسلمين في العراق

انتفاضة الكهرباء - المعاني والدلالات!!...كامل العبيدي
انتفاضة الكهرباء - المعاني والدلالات!!...كامل العبيدي انتفاضة الكهرباء - المعاني والدلالات!!...كامل العبيدي

انتفاضة الكهرباء - المعاني والدلالات!!...كامل العبيدي

كل متتبع مدقق في حركة التاريخ يدرك بما لايقبل الشك ان تفاعلات الشعوب مع الاحداث قد تكون فورية آنية وقد تكون على شكل تراكمي يأخذ مداه  من الزمن رغم ما يصدر عنه من زفرات بين الفينة والفينة لكنها لا تعبر عن المخزون الحقيقي القابل للانفجار الا في الوقت الذي يصبح فيه الانفجار مكتمل القدرة على التدمير ثم التغيير، ولاشك ان مثل هذا التفاعل غالباً ما يأخذ حركة البركان الذي يجده البعض في ظاهره ساكناً رغم ما يسمعه من طرقعات وفرقعات يظنها اعتيادية دون ان يدرك انها ليست الا نُذُراً لحادث جلل وهكذا كان الاغلب الاعم من حراك الشعوب وتفاعلاتها مع الاحداث. وليس الشعب العراقي بمعزل عن هذا القانون بل على العكس من ذلك فقد جسد الشعب العراقي على مدى التاريخ القديم والحديث المثال العملي الاكثر وضوحاً لهذا النموذج من الشعوب الحية التي يمكن ان يقاس من خلال تاريخها على مستوى حيويتها وقدرتها على النهوض واعادة صياغة دورها على صعيد المنطقة والانسانية عامة.
لقد كانت المقاومة العراقية الفتية سريعة النشوء ضد الاحتلال الامريكي واعوانه واحداً من مؤشرات حيوية وعراقة هذا الشعب، غير ان شدة الهجمة وشراستها وتداخل الخنادق والارهاب الامريكي الذي تحول الى ارهاب دولي عالمي بفعل ضغط الارهاب الامريكي حال دون ان تدخل كل قوى الشعب القادرة ميدان المقاومة المسلحة فاكتفى قسم منها بالمقاومة السلمية التي سرعان ما كبتت تحت جنازير دبابات المحتل واعوانه ولم يسمع صوتها في خضم ضجيج الاحتلال وابواقه وامواله التي اغدقها على اراذل القوم ليعزفوا معزوفة العملية السياسية تحت الاحتلال ويبدو ان الاغلبية صمتت في انتظار ان ترى الجنة الموعودة، في انتظار ان ترى العراق واحة للديمقراطية الغربية والامريكية على وجه الخصوص تتخللها العمارت والمتنزهات والمسابح والحدائق والمعامل والمستشفيات ورياض الاطفال والجامعات والمعاهد وكلها تعمل بالكومبيوتر، ومرت السنة الاولى للاحتلال وصدق الناس ان الحلم لم يتحقق بسبب ما اطلق عليه الاحتلال الارهاب وتناسى الناس ان هذا الارهاب ما هو الا صناعة امريكية ايرانية، وجاءت السنة الثانية فاذا الجنة الموعودة ليست الا مقابر وجثثاً ملقاة في شوارع المدن العراقية، وجاءت الثالثة باسوء من سابقتيها ولحقتها السنة الرابعة فالخامسة، وراح الشعب متوهماً ان مسرحية الانتخابات يمكن ان توصلهم في النهاية الى الحلم السعيد حتى مرت السنة السابعة فالثامنة فاذا الحلم وهماً واذا مجالات الحياة تتراجع والبطالة تنتشر وينتشر معها الفقر والمرض والتشريد والقتل والاعتقال واذا البناء سجوناً ومعتقلات ومشارح للطب العدلي واذا الديمقرطية حرباً طائفية هدفها تقسيم العراق، واذا الشعب يشرب مياه  المستنقعات واذا الخراب في كل مكان، وحل صيف العام 2010 في انتظار حلم وعدت به الحكومة، حلم ان يرى الشعب الكهرباء التي لم يعد يراها منذ دخول الاحتلال ويبدو ان الحكومة وازلامها والاحتلال وقادته لم يكونوا يرون سوى سطح البركان ولم يستطلعوا او يتوقعوا الذي  كان يحصل في قعر البركان، سبع سنوات كان الشعب فيها يغلي في انتظار الحل، وما ان ارتفعت حرارة الجو حتى اصبحت حصة الكهرباء ساعة كل عشر ساعات، وتململ قعر البركان وماج الشعب وتحدث الناس عن اخفاقات ووعود كاذبة، لكن الحكومة وازلامها انشغلت عن هذا الحراك الشعبي بالصراع على الكراسي التي ان لم تتمسك بها يصبح مصيرها مجهولاً فكل من في الحكومة مطلوب للعدالة إما بتهم الفساد ونهب الاموال او بتهم بالقتل والتعذيب والاغتصاب وانتهاك الاعراض. الحكومة وازلامها منشغلون بالديمقراطية الجديدة التي تتطلب اسقاط القائمة التي حازت اكثر الاصوات في الانتخابات، وبعد اربعة اشهر من الانتخابات لم يبدُ ان هناك آلية صحيحة او منطقية لتشكيل الحكومة ومؤسسات الدولة، وان الحكومة المنتهية ولايتها استمرت في الحكم دون حق مشروع واستمرت في نهب اموال الشعب واغتيال الناس وقتلهم ومع فضائح السجون السرية وغير السرية ومع فضائح سرقة البنوك واتلاف وثائقها اسوة بالكثير من مؤسسات الدولة التي اتلفت وثائقها بالحريق او بغيره في اكبر عملية لتصفية ادلة الجريمة التي ارتكبتها الحكومة واحزابها، ومع اشتداد الدور التخريبي لنظام الملالي  في طهران، باتت الصورة واضحة امام الشعب المضلل، فتفاعل الشعب مع الحدث وتحرك المتراكم في البركان فكانت مظاهرات البصرة كما اسموها، غير انها لم تكن مظاهرة لقد كانت انتفاضة بل ثورة من فورات البركان، كانت غالب شعاراتها تشير الى الكهرباء، اعقبها في اليوم التالي مظاهرات وانتفاضات في عدد من المحافظات وتحركات للتظاهر في بغداد لم تسمح بها الحكومة، فهل كانت انتفاضة الكهرباء وما طرح فيها من شعارات وما حصل فيها من صدامات عبارة عن مطلب خدمي كما قيل عنها ام انها كانت تعني اموراً اخرى كثيرة بعيدة عن مطلب الخدمات وان بدت من خلال بعض شعاراتها كذلك.
قوات الحكومة الحالية التي لم تكن تتوقع هذا الحراك الشعبي الكبير فقدت اعصابها وتصرفت برد فعل ينسجم مع سياق سلوكها الذي اكتسبته من سلوك الاحتلال وعدوانيته على الشعب فواجهت المظاهرة بالحديد والنار وسقط من سقط  شهيداً وجرح من جرح، ووصف رئيس الحكومة مظاهرة الشعب وفق الاسس الديمقراطية بأنها ليست سوى اعمال شغب، اكثر من مائة الف متظاهر في البصرة، يصفهم مدعي الديمقراطية (نوري المالكي) بانهم ليسو سوى مثيري شغب، ما اروع الديمقراطية وفق رؤية المالكي وعصابته المتمسكة بالحكم حتى الموت. مرة اخرى التاريخ يعيد نفسه رصاص الاحتلال وعملائه ينطلق فيسقط الشهداء، كما انطلق رصاص الاحتلال البريطاني وعملائه على تظاهرة الشعب ضد معاهدة (بورت سماوث) في جسر الشهداء وسقط الشهداء، التاريخ يعيد نفسه، سقط (صالح جبر) وسقطت معاهدته، ووفق هذا السياق سيسقط عملاء الاحتلال ويندحر الاحتلال امريكيا كان او ايرانياً. يخطئ من يظن ان انتفاضة البصرة وما اعقبها في المحافظات الاخرى وما سوف يعقبها من احداث وانتفاضات لم تكن سوى رد فعل على تدهور الخدمات بشكل عام والكهرباء على وجه الخصوص، ان ما جرى يدل على استمرار الوضع لحكومات الاحتلال وما فرضته على الشعب من امر واقع لم يعد ممكناً بعد هذا اليوم، وان هذه الانتفاضة ستشكل المنعطف الكبير في سجل التاريخ السياسي العراقي، وان عملية التغيير المطلوب من قبل الشعب قد أذنت وان ساعة الحساب قد أزفت، الاحتلال الامريكي الذي وقف متفرجاً هذه المرة ولم يتدخل وان كان قد فوجئ بالحركة الشعبية الا انه استقرأ الواقع بشكل دقيق وعلم ان حركة الشعب الحالية لا يمكن الوقوف بوجهها فآثر ان لايتدخل وان يلقي بتبعة ما يجري على حكومة المالكي، شعارات تدعو الى اسقاط الحكومة المنتهية ولايتها لم تسلط معظم وسائل الاعلام الضوء عليها، ودعوات عفوية لتأييد قائمة (اياد علاوي)، تحمل معنى رفض (دولة الفانوس) الاسم الجديد (لدولة القانون) ورفض اي تحالف معها، اهتز موقف التحالف الجديد بين دولة الفانوس والائتلاف الوطني بعد ان ادرك الاخير ان دخوله في تحالف مع المالكي اصبح مثاراً للانتقاد لأنه يأتي عكس تيار الشعب الرافض للمالكي.
حكومة دولة القانون سارعت الى اصدار تعليمات تحظر التظاهر الا بشروط تعجيزية متحسبة لتظاهرات حاسمة وحاشدة على وشك الاندلاع في العاصمة بغداد لا يمكن السيطرة عليها، دلالات انتفاضة الكهرباء رفض الشعب للاحتلال ولكل ما شرّعه واسس له الاحتلال واعوانه خلال السنوات السبع المنصرمة من عمره، انتفاضة الكهرباء بداية ثأر للكرامة العراقية ولحقوق الشعب المستباحة. رئيس الوزراء المنتهية ولايته سارع الى إبعاد الكثير من قيادات جيشه وقواته الامنية التي لا يضمن ولاءها وعيّن بدلاً عنها قيادات من حزبه وذوي قرابته ما حدى بالقوات الامريكية الى محاولة تحديد تحركات الفرق العسكرية العراقية وتعيين مستشاريين امريكان لاحكام السيطرة على حركة هذه القوات خشية استخدامها من قبل المالكي في تحقيق مآربه الشخصية او الامساك بالسلطة وضرب الكتل المنافسة له.

أضف تعليق