دلالات عديدة ومهمة لا يمكن أن يتجاوزها المراقب في التظاهرة الضخمة التي زحفت بكل قوة تعبير، وعنفوان سلمي،
إلى مركز حكومة المالكي تندّد باحتجاجٍ شامل على منهجية كاملة، وليس ملف فساد واحد بل برنامجاً شاملاً مثلتّه الحكومات المتعاقبة التي جاءت مع الاحتلال،
لكن رمزية أن حزب الدعوة هو من يدير محافظة البصرة كما إنه يدير بكل فشل وضع العراق بالتنسيق بين الاحتلالين، هذه الصورة المضطهِدة لإنسان العراق، برزت وبعفوية من جماهير الجنوب لكي تؤكّد حجم الكراهية والصدمة التي تعيشها عشائر العراق الجنوبية ، وهم المكوّن الرئيس للمحافظة من مدارات الفساد المتعاقبة من الائتلاف الطائفي.
وكون أن عمّار الحكيم بنفسه يعترف بأن المصروف من الاعتمادات المالية لأجل كهرباء الجنوب بلغ سبعة عشر مليار دولار، ذهبت لمقاولي الفساد في تحميل ضمني لحزب الدعوة، فإن هذا المؤشّر بالفعل يُشير وبكل دلالة على أسطورية إمبراطورية الفساد، وكيف أن هذه الأنابيب والمخازن النفطية قد حُولت بالفعل أموالاً منهوبة إلى شركاء الاحتلال في الخارج، لبناء حساباتهم الشخصية، وكأنّه التاريخ مجدداً يخيفهم، فلا يجعلهم مستقرين في العراق، بل نبت طارئ ينتظر الرحيل في أي وقت، بعد أن سفكوا دماء العراق وسرقوا ماله.
لكنّ تلك الدلالة المهمة أيضاً لا يمكن أن تُهمّش وهي تتمثّل في قضية بروز نزعة التحرر العقلي والجنوح العربي للجنوب، والذي اُستدرج في أُتون الخطاب الطائفي حتى يُستخدم لتغطية العملية السياسية، ويُعلّق في براثن المشاريع الانتهازية للائتلاف تحت خطابات التفرقة والتجزئة، واستغلال منابر الإثارة الطائفية، فهذا المؤشّر يُعتبر دليلاً على بدء حراك الجنوب المستقل عن هيمنة القوى الإيرانية الطائفية، وفي ذات الوقت هو يحمل نزعة وحدوية تكرّس العشيرة كوعاء لاجتماع الطائفتين وإعادة لحمتهما، وهذا تحول مفصلي مُفزع لكل أركان الاحتلالين لأنّ الجميع يدرك أنّ إخضاع هذا الجمهور في العراق لم يكن ليجري لولا توافق طهران وواشنطن على إشعال الحرب الطائفية.
ولايزال الملف صعباً بكل تأكيد، وخاصةً إعادة تنظيم العلائق الوطنية لتكون برنامجاً نافذاً للمقاومة السياسية موحدة الهدف والشعار، فهذا مسار يحاصر من القطبين بكل وسائلهما ووسائطهما، لكنّ ذلك كُله لا يُلغي الحقيقة التي أبرزتها ثورة الكهرباء وشهدائها بأن انتفاضة الجنوب أعادت عقارب الساعة، لتركّز حقيقة فشل المشروع الأمريكي والإيراني للتقسيم، وهذا مهم للغاية كونه برنامج إسناد لمشروع الإنقاذ الوطني، ومع وسائط القمع الوحشية المتوقّع أن تُنفّذ في هذا الجمهور الثائر لحريته وكرامته وحقوقه، إلا أنّ المحتل سيفشل في إعاقة مشروع الوحدة التحررية بعد انطلاق الشُعلة، ليعود العراق موحداً ضد الاحتلال بأيدي الطائفتين على طريق ثورة العشرين.
البصرة وثورة الكهرباء....مهنا الحبيل
