من الواضح ان ليس لدى ادارة جورج بوش اي نية للانسحاب من العراق في الوقت الحاضر،أو حتى في المنظور القريب. واستراتيجية الأمن القومي الأميركي توضح الحاجة الى وجود عسكري أميركي دائم في منطقة الخليج،ويعتبر غزو
العراق واحتلاله تطبيقاً هذه الاستراتيجية التي أعلنها بوش عام 2002، ومن ضمنها ان مواجهة التهديدات تقتضي أن تستخدم أميركا كل أدوات ترسانتها،ومواجهة التهديدات قبل أن تتشكل بالكامل، بالتعاون مع «أصدقاء» في ميادين الاستخبارات. تصريحات ادارة بوش وأفكارها عن «الشرق الأوسط الكبير» تشير الى ادخال هذا الشرق الأوسط في دائرة الاصلاح الديموقراطي والسياسي، ولو بالضغط، وحتى لو أدى ذلك الى اغضاب الأصدقاء والحلفاء من النظم العربية.
وهذا المشروع عبارة عن مجموعة أفكار متناثرة. فهو يتحدث عن الديموقراطية، ويصف المجتمع الديموقراطي المنشود بأنه المجتمع الذي يضع حدوداً لسلطة الدولة، ويشجع على قيام المؤسسات المدنية (أحزاب، نقابات... الخ). أما اقتصاد هذا المجتمع فهو اقتصاد القطاع الخاص. كما تحدث بوش صراحة عن استراتيجية لنشر الحرية في المنطقة، ومواجهة أعداء الاصلاح، ونشر الديموقراطية من الداخل. هذه الأفكار التي تضمنها المشروع لم تجد أي صدى حقيقي. إلا اذا كان السيد بوش يعتبر احتلال العراق والضغط على سورية بداية تنفيذ مشروعه الخيالي.
وهذا ما ذهب اليه بالفعل باحثون أميركيون كتبوا ان الغزو والاحتلال يجسدان ما يسمى «مذهب بوش». ورأى بعضهم، ومنهم ريتشارد هاس،المدير السابق لإدارة التخطيط السياسي في الخارجية الأميركية،«ان السياسة الأميركية في القرن الحادي والعشرين يجب أن تتضمن ترتيبات تنسجم مع القيم والمصالح الأميركية». ويبدو ان ادارة بوش صممت بالفعل على ان تعيد الولايات المتحدة الهيكلة الشاملة للوطن العربي وجزء من العالم الإسلامي، في ما بات يسمى في الأدبيات الأميركية بمشروع «الشرق الأوسط الكبير». وكان بوش ربط علانية، لمناسبة افتتاح معرض مكتبة الكونغرس عام 2004، بين مكافحة الإرهاب ونشر الديموقراطية في الوطن العربي. وأوضح ان بلاده ستتبع استراتيجية لنشر الحرية في المنطقة، ومواجهة أعداء الاصلاح.
بيد ان هذا المشروع الامبراطوري تجاه الوطن العربي يواجه صعوبة كبيرة في التطبيق العملي، ويواجه رفضاً شعبياً وتحفظاً رسمياً من جانب الحكومات العربية،حتى الصديقة منها للولايات المتحدة. باحتلال العراق تضع أميركا يدها على أحد مصادر النفط المهمة جداً في العالم (مليونا برميل يومياً)، ويمكن أن يرتفع هذا الانتاج الى ثمانية أضعاف هذا الحجم. وهذا ما يُمكّن الولايات المتحدة، كما يقول الباحث الأميركي روبرت درينوس، من السيطرة على العالم.
ولذلك لا يمكن أن نتوقع أن تنسحب أميركا من العراق – على الأقل في المنظور القريب – مهما تعالت الأصوات داخلها مطالبة بالانسحاب. فسيطرتها على الكتلة الأعظم من الانتاج العالمي للنفط هو سبيلها للسيطرة الى العالم. إن الدول المكتفية ذاتياً، فضلاً عن الدول الكثيرة التي تحتاج الى استيراد النفط، وتعتمد على هذا الاستيراد كلياً، أكبر بكثير من عدد الدول المنتجة له والقادرة على تصديره وتسويقه.
وهذا ما يجعلنا نفهم كيف تحاول الصين بكل الوسائل ان تنافس في ميدان استخراج النفط لدى عدد من الدول الآسيوية والافريقية ومساعدتها في انتاجه حتى تضمن لنفسها حصة من هذا الانتاج مع تزايد حاجتها الى هذه المادة الاستراتيجية في الصراع الدولي. وليس سراً ان الصين كانت تجد الولايات المتحدة تسبقها الى حيث توجد احتياطات أو مخزون غير مستكشف للنفط في عدد من البلدان. انه صراع استراتيجي خفي، إذ لا تستطيع الصين، التي تزداد احتياجاتها الهـــائلة الى النفط مع توسعها في مجال الصناعة والزراعة، أن تعتمد على مصادر غير مضمونة أو تتحكم فيها الولايات المتحدة.
وهذا ما يدفعها الى ان تـــعرض على دول كثـــيرة، أفريقية وآسيوية، ان تقوم باستكشاف النفط في أراضيها وانتـــاجه وتكريره في مـــقابل حـــصة مضــــمونة لــها من الانتاج السنوي. ألم ندرك بعد مدى أهمية البعد الاستراتيجي للنفط؟ ألم ندرك الدرس الذي وعاه جيداً المرحوم الملك فيصل اذ استطاع بهذا السلاح ان يجبر أميركا على القيام بدور الوسيط الايجابي بين مصر واسرائيل، وان تُكره الأخيرة على الانسحاب من الثــغرة، ثم من سيناء. لم يكن السلام الذي تحقق بين مصر واسرائيل نتيجة لحرب أكتوبر بقدر ما كان نتيجة لمبادرة الملك فيصل الذي عرف كيف يستخدم هذا السلاح. فهل نعي اليوم ماذا تــريد ادارة بوش في منطـــقتنا.
المصدر : الحياة
18/12/2005
ما الذي تريده إدارة بوش في المنطقة العربية؟ هشام الدجاني
